سامان رشيد
كاتب
خرق الدستور تحت قبة البرلمان: حين تتحول الإجراءات إلى أداة تهديد لأسس الدولة
ما جرى في الجلسة الأخيرة داخل مجلس النواب العراقي ليس خلافًا عابرًا على ترتيب فقرتين في جدول الأعمال، بل سلوك خطير يضرب في عمق المشروعية الدستورية ويقوّض المبادئ التي تأسس عليها العراق الجديد. إن محاولة تمرير فقرات خارج السياقات الأصولية، ثم الاحتماء بالتصويت العددي، تمثل انحدارًا مقلقًا في فهم طبيعة النظام البرلماني وحدود السلطة داخله.
جدول الأعمال ليس ملكًا لأحد.
آلية إعداد جدول الأعمال ليست مسألة إدارية يمكن الالتفاف عليها وفق المزاج السياسي. المادة (37) من النظام الداخلي حدّدت بوضوح الإطار الذي تُدرج من خلاله الفقرات، بما يضمن علم الأعضاء المسبق، وتنظيم الأولويات، واحترام حقوق الكتل في الاطلاع والمناقشة. تجاوز هذه الآلية ليس اجتهادًا، بل مخالفة صريحة.
عندما يتم إدراج فقرات بصورة مفاجئة، دون استكمال متطلبات التنسيق والسياق، فإن ذلك يشكل انحرافًا في استعمال السلطة الإجرائية، ويحوّل رئاسة الجلسة من جهة تنظيمية محايدة إلى طرف يمارس فرض الأمر الواقع.
مخالفة دستورية لا لبس فيها.
الأمر لا يقف عند حدود النظام الداخلي. فالمادة (9) من الدستور العراقي أرست مبدأ خضوع مؤسسات الدولة للقانون ومنعت أي ممارسة تخرج عن الأطر القانونية المنظمة لعملها. إن تجاوز الضوابط الإجرائية في إدارة الجلسات لا يمكن تبريره بذريعة السرعة أو الضرورة، لأنه ببساطة يضع الإرادة الفردية فوق النصوص الملزمة.
الدستور ليس نصًا تجميليًا يُستدعى في الخطابات ويُتجاهل في الممارسة. هو قيدٌ على السلطة، وأي سلطة تتجاوز القيود تتحول من ممارسة دستورية إلى تعسف مؤسسي.
التصويت لا يُحصّن الباطل.
الاحتجاج بأن الفقرتين أُدرجتا عبر التصويت لا يُغيّر من حقيقة الخلل شيئًا. فالتصويت هو محطة إجرائية لاحقة، ولا يملك القدرة على تصحيح عيب أصلي في مسار الإدراج. المشروعية لا تُبنى على عدد الأصوات وحده، بل على سلامة المسار منذ بدايته.
إذا سُمِح بتمرير أي تجاوز إجرائي عبر التصويت اللاحق، فإننا أمام سابقة خطيرة تفتح الباب لتحويل النصوص التنظيمية إلى حبر على ورق، وتُدخل المؤسسة التشريعية في دائرة العبث الإجرائي، حيث تُخلق الأعراف على حساب القانون.
تهديد مباشر لفلسفة الشراكة.
العراق الجديد قام على مبدأ الشراكة والتوازن، لا على منطق الغلبة. والإجراءات البرلمانية كانت دائمًا أداة لضبط هذا التوازن، لا لتجاوزه. إن الاستمرار بهذه الممارسات ينسف الثقة بين المكونات، ويحوّل البرلمان من ساحة تنظيم الخلاف إلى ساحة فرض الإرادات.
وحين تُدار المؤسسة التشريعية بروح المفاجأة، فإن الرسالة السياسية واضحة: لا حاجة للتوافق، فالعدد يكفي. وهذه رسالة لا تهدد كتلة أو طرفًا بعينه، بل تهدد البناء السياسي برمته.
لا بد من تدخل قضائي حاسم.
إزاء هذا الخرق، لا يكفي الاعتراض السياسي أو تسجيل التحفظ في محضر الجلسة. المطلوب هو اللجوء إلى الأدوات القضائية الدستورية لوضع حد فوري لهذه الممارسة، ومنع ترتيب أي أثر قانوني أو إداري عليها. فكل إجراء يُبنى على أساس معيب يظل عرضة للإبطال، وكل قرار يصدر في ظل مخالفة جوهرية يبقى مشوبًا بعدم المشروعية.
الرقابة القضائية هنا ليست تصعيدًا، بل ضرورة لحماية النظام الدستوري من الانزلاق نحو أعراف خطيرة تُضعف هيبة النصوص وتُكرّس سلوكًا مخالفًا لها.
الخلاصة:
إن السكوت عن هذا الانحراف يعني القبول بتحويل مجلس النواب إلى مؤسسة تُدار بالاجتهادات العابرة لا بالقواعد الملزمة. ويعني أيضًا تعريض العملية السياسية لمزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.
الدولة التي لا تحترم إجراءاتها، تفقد تدريجيًا شرعيتها.
والنظام الذي يُفرّغ نصوصه من مضمونها، يفتح الباب أمام أزمات أعمق وأخطر.
إن حماية المبادئ التي أُسس عليها العراق الجديد تبدأ من احترام القواعد، وأي تجاوز لها — مهما بدا محدودًا — هو خطوة في اتجاه تقويض الأساس الذي قام عليه هذا الكيان السياسي. ولن يُوضع حد لهذا المسار إلا بموقف قانوني حاسم يعيد الاعتبار للدستور ويؤكد أن لا أحد فوق النص.