الحرب بوصفها عامل كشف
الحرب قرار، و صدها ان كانت مفروضة قرار، و احيانا تكون اختيارا من طرفين او اكثر، و قد تكون مفروضة على اطرافها.
تتجه انظمة سياسية لتفادي التورط في الحروب، فمهما كانت الحصيلة بعدها فهي حصيلة ليست نقية طالما انها تصل الى ازهاق روح، و زراعة خوف، فالحرب لا تمر دون تفكيك في عناصر المجتمع.
لقد جربت شعوب العراق الطعم المر للحروب، حيث تم دفعها دفعا لكوارث قتالية في معارك داخلية و اقليمية عكست ضحالة رأي اصحاب القرار السياسي، وتوسعت المقابر و توسع معها الجهل، و تم معالجة الخطايا بخطايا قرارات لم تترك حجرا على حجر في الهرم المجتمعي، وهاكم اليوم ترون نتائج الافقار و الاقصاء و الحرمان و استئثار القلة بالمقدرات كيف تتضح في الخطابات و الافعال و تغلغل الفساد.
من عناصر الحرب انها عنصر كاشف حتى لقدرات و صدقية الانظمة التي تطرح نفسها وسيط سلام.
الحرب تكشف بسرعة منظورة حقيقة مشروع الطرف الذي يسعى للقتال و كذلك الطرف الذي يبدي استعداده للنزال، وتكشف مدخراته الفكرية و حديثه و دعايته و صدقها من كذبها و من الوهم و الايهام، وولحرب تكملة صامتة بعد انتهائها، اذ ان لملمة و معالجة الفجوات- إن تم العمل عليها فعلا- هي حرب اخرى تتطلب برامج و موارد و صبرا و قبولا مجتمعيا و عملا صعبا ليس اقله شرعية النظام، شرعية من يصدر قرارات الموت و الانفاق عليه ضد خصومه، و يقنع شعبه بتقبل ضريبة الدم و ملحقاتها.
الحرب كاشفة للقرار الداخلي، ولوحدة جسمه، و مدى الانضباط سيما في الانظمة متعددة القوى و الاجنحة ومنها الامني و العسكري، اتتقيد بالقرار الرسمي، وقبل ذلك ايكون القرار رسميا ام غير رسمي قرار سليم مسند بقاعدة دستورية شفافة سليمة ام اجتهادي مَصالِحِي؟.
والحرب تكشف الذي يأخذ دور الوسيط الداعي للسلم، اجدير بالدور متمكن، ام هو اصغر ام هو ابعد عن هذا الدور؟
ثمة خصلة شرقية لم تعالجها الانظمة: خصلة التفكير العدائي المتضخم، اذ ان الانفاق على مقومات الحياة لبناء جيل سليم هي ادنى نسبة بكثير من الاهتمام و الانفاق على التسلح، وليت ذاك الانفاق اتى بنصر حقيقي في حرب مشرفة.
نفس الشيء ينسحب على المدعين بلعب دور وسطاء التهدئة، فمثل هؤلاء لابد ان يكونوا دعاة سلام حقيقيين، غير متورطين بالنزاع، وغير داخلين لدور غاياته شخصية او كسبية.
مراجعة الذات مهمة سواء للفرد الاعتيادي ام لصاحب القرار في السلطة، و على الاخير اضعاف مضاعفة من المراجعة، فالدول لها احتياطيات لتكون ذات دور، واحتياطيها من الكلام لا يصح ان ينفق منه الا بمقدار القدرة.