مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
حلبجة…ذاكرة الألم المتجددة
في ذاكرة الشعوب لحظات تتحول فيها المدن إلى رموز تتجاوز حدود الجغرافيا، فتغدو شاهداً على قسوة التاريخ وامتحاناً لضمير الإنسانية. ولعل مدينة حلبجة الكوردية تمثل واحدة من أكثر هذه اللحظات إيلاماً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث؛ لحظة اختلط فيها الربيع برائحة الموت، وتحولت سماء المدينة في ساعات قليلة إلى مسرح لجريمة هزّت العالم، لكنها بقيت في وجدان الكورد جرحاً مفتوحاً لا يندمل.
في صباح السادس عشر من آذار عام 1988، كانت الحرب العراقية الإيرانية في مراحلها الأخيرة، وكانت مناطق واسعة من كوردستان العراق قد تحولت إلى ساحات مواجهة بين الجيش العراقي والقوات الإيرانية وقوات البيشمركة الكوردية. وفي تلك الأيام كانت مدينة حلبجة قد خرجت من سيطرة الجيش العراقي بعد دخول القوات الإيرانية إليها ضمن عملية عسكرية عُرفت باسم عملية “ظفر-10” في آذار 1988، الأمر الذي دفع القيادة العراقية إلى اتخاذ قرار عسكري انتقامي ضد المدينة وسكانها المدنيين.
بدأت المأساة بقصف جوي ومدفعي مكثف، أعقبته موجات من القصف بالأسلحة الكيميائية. وتشير الدراسات العسكرية وشهادات الناجين إلى استخدام خليط من الغازات السامة، من بينها غاز الخردل وغازات الأعصاب مثل السارين والتابون، وهي مواد تؤدي إلى شلل الجهاز العصبي والاختناق خلال دقائق. وقد وصف الناجون تلك اللحظات بأن رائحة تشبه التفاح الفاسد ملأت الهواء، قبل أن يسقط الناس في الأزقة والبيوت والحدائق بلا حراك.
أسفر الهجوم الذي وقع في 16 آذار 1988 عن مقتل ما يقارب خمسة آلاف مدني خلال ساعات قليلة، بينما أصيب أكثر من عشرة آلاف شخص بإصابات خطيرة واختناقات وحروق كيميائية. ولم تتوقف آثار الجريمة عند تلك اللحظة، إذ استمرت المعاناة لسنوات طويلة بسبب الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية والأمراض التنفسية التي أصابت آلاف الناجين.
غير أن مأساة حلبجة لم تكن حادثة منفصلة في تاريخ العلاقة المضطربة بين الدولة العراقية والشعب الكوردي، بل جاءت تتويجاً لسلسلة طويلة من السياسات القمعية التي مورست ضد الكورد على مدى عقود. فمنذ ستينيات القرن الماضي، شهدت مناطق كوردستان موجات متكررة من التهجير القسري وتدمير القرى، خصوصاً خلال الحرب بين الحكومة العراقية والحركة الكوردية بقيادة الملا مصطفى بارزاني بين عامي 1961 و1975. وبعد توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران، انهارت الثورة الكوردية حينها، ما فتح الباب أمام سياسات أكثر تشدداً من قبل السلطة العراقية.
في أواخر السبعينيات والثمانينيات، اتخذت تلك السياسات طابعاً منظماً عبر برامج التعريب القسري في مناطق كركوك وخانقين وسهل نينوى، حيث تم ترحيل آلاف العائلات الكوردية من أراضيها وإحلال عائلات عربية مكانها ضمن خطة ديموغرافية هدفت إلى تغيير التركيبة السكانية في المناطق الغنية بالنفط. وتذكر تقارير منظمات حقوق الإنسان أن آلاف القرى الكوردية دُمّرت بالكامل خلال تلك السنوات، فيما أُجبر سكانها على الانتقال إلى مجمعات سكنية قسرية أو إلى مناطق أخرى داخل العراق.
وفي هذا السياق جاءت حملة الأنفال التي نُفذت بين عامي 1987 و1988 بقيادة علي حسن المجيد، والتي اعتُبرت لاحقاً واحدة من أكثر الحملات العسكرية دموية في تاريخ العراق الحديث. ووفقاً لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، فقد أسفرت تلك الحملة عن مقتل ما يقارب 180 ألف كردي وتدمير ما يزيد على أربعة آلاف قرية في إقليم كوردستان، إلى جانب اعتقال عشرات الآلاف واختفاء الكثير منهم في السجون والمعتقلات.
ورغم أن سقوط نظام صدام حسين عام 2003 فتح صفحة سياسية جديدة في العراق مع إقرار الدستور العراقي عام 2005 الذي اعترف بإقليم كوردستان ككيان اتحادي، فإن العلاقة بين بغداد وأربيل بقيت محاطة بتوترات سياسية واقتصادية متكررة. ومن أبرز هذه التوترات الخلافات حول إدارة النفط والغاز وتوزيع الإيرادات المالية، وهي قضايا نصت عليها المواد 111 و112 من الدستور العراقي.
وفي السنوات الأخيرة، تفاقمت هذه الخلافات مع قرارات مالية أثرت بشكل مباشر على سكان الإقليم، خصوصاً في ما يتعلق بتأخير أو قطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية ورواتب الموظفين. وقد اعتبر كثير من القادة الكورد هذه الإجراءات نوعاً من الضغط الاقتصادي أو الحصار المالي، بينما ترى الحكومة الاتحادية أنها ترتبط بالخلافات القانونية حول إدارة النفط والإيرادات. وقد تكررت هذه الأزمة منذ 2014 بعد توقف تصدير نفط الإقليم عبر بغداد، ثم تجددت بشكل حاد بعد استفتاء استقلال كوردستان عام 2017 وما تبعه من إجراءات سياسية واقتصادية بين الطرفين.
ومع ذلك، تبقى ذكرى حلبجة أكثر من مجرد حادثة تاريخية؛ فهي تمثل رمزاً لمعاناة شعب بأكمله عبر مراحل متعددة من الصراع السياسي والعسكري. فقد تحولت صورة الأب الذي احتضن طفله في أحد شوارع المدينة بعد الهجوم الكيميائي إلى واحدة من أكثر الصور الإنسانية تأثيراً في تاريخ الحروب الحديثة، وأصبحت شاهداً على مأساة لم تكن مجرد حدث عسكري، بل جريمة ضد الإنسانية.
واليوم، بعد مرور عقود على تلك الكارثة، تقف حلبجة كمدينة أعيد بناؤها، لكنها ما زالت تحمل في ذاكرتها الجماعية آثار تلك الأيام السوداء. وفي كل عام، يعود الكورد إلى ذكرى السادس عشر من آذار لا ليغرقوا في الحزن فحسب، بل ليؤكدوا أن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي أيضاً دعوة دائمة لحماية الإنسان من تكرار مثل تلك الجرائم.
حلبجة وبكل ما تحمله من ألم وتاريخ، تذكّر العالم بأن الشعوب قد تُستهدف بالقوة، لكنها لا تُهزم حين تحتفظ بذاكرتها، وأن المدن التي حاول الغاز أن يخنق صوتها، تستطيع أن تتحول مع الزمن إلى صوت أخلاقي يطالب بالعدالة والكرامة.