ئالان شوانە
كاتب كوردي
أزمة الأنابيب والجمارك والرواتب: هل الإقليم هو "المبتز" أم أن الفساد والمركزية المقيتة خنقا رئة العراق؟
في وقتٍ يمر فيه العراق بمنعطف تاريخي خطير، تتصاعد أصوات برلمانية -يقودها النائب مصطفى سند وكتل معروفة بولائها الخارجي- لترويج خطاب تضليلي يحمّل إقليم كردستان مسؤولية "ابتزاز" الدولة. إن تفكيك هذا الخطاب بلغة الأرقام والقانون يكشف عن محاولة بائسة لتغطية الفشل الإداري والارتهان للأجندات الخارجية التي باتت تهدد لقمة عيش الموظف العراقي من البصرة إلى زاخو.
أولاً: أزمة الرواتب والفساد الهيكلي
بينما يتباكى البعض على "تعطيل الأنبوب"، يتناسون أن العراق يغرق في فسادٍ حال دون تأمين موازنة تشغيلية مستقرة.
* المفارقة الرقمية: العراق الذي يصدر ملايين البراميل يومياً، عاجزٌ اليوم عن صرف رواتب الموظفين في توقيتاتها، وخاصة موظفي الإقليم الذين تُقطع أرزاقهم بحجج واهية.
* السؤال الجوهري: إذا كانت الدولة عاجزة عن ضبط موازنتها وتأمين رواتب مواطنيها وهي تصدر هذه الكميات الضخمة عبر الجنوب، فكيف سيفعل ذلك أنبوب الإقليم الذي لا تتجاوز سعته التصديرية 300 ألف برميل؟ إن تحميل الإقليم مسؤولية "العجز المالي" هو استغفالٌ للعقول وتغطيةٌ على ضياع المليارات في دهاليز المحاصصة والعمولات.
ثانياً: الحق الدستوري في الإدارة الجمركية (مغالطة "أسيكودا")
يثير البعض قضية نظام "أسيكودا" (Asycuda) للاتمتة الجمركية لتأليب الرأي العام، متناسين النصوص الدستورية الصريحة:
* المادة 114 (أولاً): تنص على أن إدارة الجمارك هي "صلاحية مشتركة" بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم.
* المادة 115: منحت الأقاليم الأولوية في السلطات غير الحصرية.
* الواقع القانوني: من حق الإقليم إدارياً وفنياً استحصال الرسوم الجمركية وإدارة منافذه عبر أنظمته الخاصة، وفرض نظام "مركزي" قسري دون مراعاة الخصوصية الإدارية للإقليم يعد خرقاً صريحاً للمبادئ الفيدرالية وللمادة 115 التي تعطي الأولوية لقانون الإقليم في حال التعارض مع الصلاحيات المشتركة. الإقليم لا يتهرب من الشفافية، بل يرفض "المركزية الاستبدادية" التي تضرب صلب الدستور العراقي.
ثالثاً: وهم البدائل الإقليمية والارتهان للخارج
يحاول البعض طرح بدائل وهمية (كالخط السعودي المصادَر أو السوري المحاصر دولياً)، والهدف الحقيقي هو إبقاء العراق سجيناً لممر مائي واحد.
* واقع 2026: مع اشتعال الأزمات وإغلاق مضيق هرمز، وجد العراق نفسه في حالة "موت سريري" اقتصادي. في هذه اللحظة، يبرز أنبوب الإقليم كـ "طوق نجاة" وحيد وجاهز فنياً، لكن القوى الموالية لإيران ترفض تفعيله ليس لأسباب قانونية، بل لأنها تفضل خنق العراق اقتصادياً على أن تمنح الإقليم استحقاقه الدستوري.
رابعاً: التلاعب بالنزعة القومية.. الفتنة كغطاء للفشل
عندما تفشل السلطة في توفير الخدمات والرواتب، تلجأ الكتل الفاسدة إلى "صناعة عدو داخلي". إن تصوير الكوردي كعائق أمام رفاهية العربي هو محاولة لزرع فتنة قومية وصرف النظر عن الحقيقة المرة:
* الفساد المستشري: هو الذي يسرق أموال البصرة والعمارة، وليس استحقاقات الإقليم.
* التبعية: الرغبة في إبقاء العراق رئةً اقتصادية لمشاريع إقليمية خارجية هي التي تعطل بناء أنابيب بديلة أو إصلاح الأنابيب القائمة.
خامساً: رسالة إلى أهلنا في البصرة والفرات الأوسط والجنوب
يا أهلنا في الجنوب، إن عدوكم ليس الموظف الكوردي الذي ينتظر راتبه مثلكم، بل عدوكم هو الفساد الذي يبتلع الميزانيات الانفجارية لمحافظاتكم ولا يبقي لكم إلا السموم. إنهم يحاولون زرع "الفتنة القومية" لكي ينشغل الشعب بالصراع البيني، بينما تستمر الكتل الفاسدة في تهريب العملة وتصدير الأزمات والحروب نيابة عن الآخرين. الحقيقة هي أن نجاح الإقليم اقتصادياً هو قوة للبصرة، واستقرار البصرة هو أمان لأربيل.
الخاتمة:
إن خطاب مصطفى سند وأقرانه ليس إلا "فتيلاً" يُراد به إشعال صراع عربي-كوردي للتغطية على سرقة المليارات وفشل إدارة الموارد. إن السيادة لا تتحقق بقطع رواتب الموظفين أو تعطيل المنافذ، بل بتطهير المؤسسات والاعتراف بأن إقليم كردستان هو شريك استراتيجي ورئة اقتصادية لا غنى عنها للعراق. لن يسقط العراق في فخ الفتنة، ولن يمر فسادكم تحت عباءة "الوطنية المزيفة".