وفي السياسة ثَمَّة قابيل
لا يُتوقعُ ان يغيب مثال قابيل و هابيل عن السياسة، فالحياة السياسية مزدحمة بالتنوع السلوكي و فوارق الادراك و التقييم، و مع ان المُفترض فيها ان تكون ارقى وابعد عن نواقص تصيب جوانب في الحيوات الاخرى، الا ان الحريصين على تلك التنقية هم اقل عددا على امتداد تاريخ السياسية و تطورها.
لم يرد اسم قابيل و هابيل صراحة الا في العهدين القديم و الجديد، اما القرآن فقد اكتفى بذكر قصتهما دون ايراد الاسم، بإعتبارهما اقدم جانٍ و مجنى عليه في تاريخ الرسالات، فقد توافرت كل عناصر السوء في القاتل، و كل سماحة في الضحية، اما دوافع القتل فقد كانت اعتراضا من المجرم على ارادة السماء التي رضيت عن عمل الضحية و ردّت سعي الجاني الذي لم يتحرَ مرضاة الله بعكس اخيه.
ثمة درس تقدمه تلك الفعلة، فقد تأثرت الضحية بتعاليم آدم، فآثر القتيل ان لا يبادر برد العداوة و التهديد القادمين من اخيه بمثلهما، بل ظل مذكَّرا لأخيه عاقبة ما سيكون، ورغم انهما اخوان، الاّ ان تعاليم الله لآدم لم تؤثر في القاتل فتردعه قبل الجريمة عن جرمه، اذ ان الايمان اختيار لا ارث و لا إجبار.
امثال قابيل في مختلف مراحل الحياة و ادوارها كثيرون، وقد تكررت الجريمة و لم تزل مؤدية نفس النتيجة، مُكررة امثال ذلك الانسان الذي اختار ان يبوء بالاثم.
ولئن كانت ظروف القتل في تلك الجريمة و البشرية لم تزل في بداياتها، الا ان ذلك لم يمنع الاخ القتيل ان يتمثل ايمانه سلوكا، فكيف و قد تراكمت من تجارب البشرية مُحذَّرات تكرار افعال الجرم، وقد حذرت شرائع السماء من خسران امثال قابيل بتكرار اقام الحجّة على الناس؟.
في السياسة لا مخرج اخلاقيا و لا اجتهاد مقبولا يبيح ان يكون العامل في السياسة قابيلا آخر، اذ ان القتل دون وجه حق، سواء اكان قتلا بالمعنى الحرفي ام قتلا معنويا او كان ايهاما بالقتل( جعل الضحية تعتقد ان روحها ستُزهق) و ما الى ذلك من مؤديات الخسارة الواقعة على الحقوق، فهي ليست الا شكلا و معنى من معاني القتل ظلما.
لقد واجهت الانسانية و منها شعبنا في كوردستان امثال قابيل، تعمدوا قتلنا بدوافع دنيئة، ولم يمنعهم عن دورهم السيء رادع، لقد حرموا مئات الالوف منّا حياتهم، وصادروا حقوقا، و مارسوا التخويف.
ان قابيل السياسي، لا يشترك مع ذلك القاتل الاول الا بنفس النتيجة من حمل دم ضحاياه، وإن اختلف معه بالاسم و الهيئة، و إن كان قابيل قد قتل نفسا بريئة واحدة، فإن قابيل السياسة قد قتل نفوسا بريئة و سرق حقوقا، و لم يتحلَ بضمير القاتل الاول الذي اقر بذنبه.