ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الكورد مآثر وأمجاد في شهر رمضان المبارك
الكورد أحد أقدم شعوب الشرق الاوسط، فهو يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، فقد نزلت سفينة نوح (= عليه السلام) على جبل الجودي، حيث الجبل ، محل نبوءة نوح أو “مكان النسب”، المكان الذي استقر فيه الفُلك – السفينة بعد الطوفان العظيم، وَفْقًا للتقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية المبكرة جدًا، واستناداً الى ما ورد في الكتاب المقدس – سفر التكوين:[واستقر الفلك في الشهر السابع، في اليوم السابع عشر من الشهر، على جبال أراراط]، (الاصحاح الثامن، العدد4)، وبناءً على ما ورد على في القرآن الكريم): ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، (سورة هود، الآية 44).
وقد عرف البلدانيون (= الجغرافيون) المسلمون جبل الجودي بالقول:”…هو جبل مطل على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل، عليه استوت سفينة نوح (عليـه السلام)، لما نضب الماء، و في التوراة : أمر الله عز وجل، نوحاً، عليه السلام، أن يعمل سفينة طولها ثلاثمائة ذراع و عرضها خمسون ذراعاً وسمكها ثلاثون ذراعاً وكانت من خشب الشمشاد مقيرة بالقار، وجاء الطوفان في سنة الستمائة من عمر نوح، عليه السلام، في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر منه، وأقام المطر أربعين يوماً وأربعين ليلة ، وأقام الماء على الأرض مائة وخمسين يوماً ، واستقرت السفينة على الجودي” في الشهر السابع في اليوم السابع عشر منه، ولما كان في سنة إحدى وستمائة من عمر نوح في اليوم الأول من الشهر الأول خف الماء من الأرض، وفي الشهر الثاني في اليوم السابع والعشرين منه جفت الأرض وخرج نوح ومن معه من السفينة وبنى مسجداً ومذبحاً الله تعالى وقرب قرباناً، هذا لفظ تعريب التوراة حرفاً حرفاً؛ ومسجد نوح، عليه السلام، موجود إلى الآن بالجودي.( ياقوت الحموي، معجم البلدان، (بيروت، دار صادر، 1986م)، ج2، ص179 -180).
ويرى من جزيرة ابن عمر (= جزيرة بوتان)، من شرقيها، جبل الجودي. وفي قمته مسجد نوح، وتحت الجبل قرية الثمانين، وهو الجبل الذي يتفق موضعه في الجزيرة وما حددته الروايات الإسلامية. (كي لسترنج، بُلدان الخلافة الشرقية، ترجمة: بشير فرنسيس وكوركيس عواد، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1405هـ – 1985م)، ص123).
فعلى أية حال بعد انتشار الاسلام في بلاد الكورد، كان لهم دور كبير في بناء صرح الحضارة الاسلامية، حيث رفدوا الاسلام بالعشرات من العلماء والمفكرين في مختلف صنوف المعرفة الاسلامية والانسانية. فضلاً عن ذلك كان لهم دور كبير في اعتلاء صرح المجد في الدفاع عن ديار المسلمين ضد الغزاة القادمين من الغرب (= الفرنجة) والشرق ( الغز والمغول) والشمال ( البيزنطيون والخزر والروس وغيرهم) على حدٍ سواء . فكانت لهم مشاركة وتحديدا في شهر رمضان المبارك في معارك فاصلة من أبرزها
1- معركة ملازكرد:
حيث كان لفرسان الدولة المروانية الكوردية، دور كبير في انتصار المسلمين بقيادة السلطان السلجوقي ألب أرسلان على الروم البيزنطيين بقيادة الامبراطور رومانوس الرابع في معركة ملازكرد في الخامس والعشرين من شهر رمضان عام 463هـ/1071م
وكان السلطان السلجوقي ألب أرسلان قد تولى الحكم بعد وفاة عمه طغرل بك، وقد حاول احتلال الجزيرة الفراتية وبضمنها مدينة حلب كتمهيد للتقدم نحو الجهات الجنوبية من بلاد الشام، ولكنه أخفق في مهمته أمام أسوار حلب المنيعة بالرغم من ضخامة جيشه، ولكنه مع هذا تمكن من إرغام سيد حلب محمود بن نصير، زعيم قبيلة كلاب العربية على تقديم الطاعة له (ابن الاثير، 1983، 6/245)، وبعدما عبر أرسلان نهر الفرات ووصل إلى مدينة خوي، تلقى معلومات تفيد بتحرك جيش بيزنطي عملاق، يقوده الامبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينيس( 1067-1071م) شخصياً.
وكان السلطان ألب أرسلان قد غيرَّ إتجاهه بالحال، وسيرَّ أثقال الجيش مع زوجته ووزيره نظام الملك إلى همدان، أما هو فقد قاد ما تبقى من جيشه ووصل إلى منطقة ديار بكر، والتحق به الأمير المرواني "سعيد بن نصر الدولة" حاكم آمد ونزلا معا على الحرشفية الواقعة على شاطئ نهر دجلة ( الفارقي، 1974، ص187).
أما امبراطور الروم فقد وصلت مقدمة جيشه الضخم، الذي بلغ عدده حوالي مائتي ألف رجل على خلاف بين المؤرخين إلى مدينة أخلاط (خلاط)، وقد طلب السلطان ألب أرسلان من امبراطور الروم المهادنة، فقال: لا هدنة إلا في الري[عاصمة السلاجقة]. (ابن الاثير، 1983، 6/246) ، وهنا لم يبق أمام السلطان من مفر إلا أن يقاتل الروم، رغم قلة عدد جيشه وعدم إستطاعته طلب النجدة لبعده عن الري، ولكن يظهر أن الأمير الكوردي نظام الدين بن نصر الدولة المرواني قد أنجده بقوة كبيرة من المقاتلين الكورد، لإنقاذه من هذا المأزق الخطير حيث يقول سبط ابن الجوزي بهذا الصدد: “وكان قد اجتمع عليه عشرة آلاف من الأكراد، وإنما اعتماده بعد الله تعالى على الأربعة ألف الذين كانوا معه”(سبط ابن الجوزي، 2013، 19/236)، بينما ذكر ابن أبي الهيجاء أن السلطان ألب أرسلان عندما سمع بحشود الروم البيزنطيين لم يتمكن من جمع العساكر لضيق الوقت وقرب العدو، فسار بمن معه من العساكر وهم خمسة عشر ألفاً فقط، منهم عشرة آلاف من الأكراد(= الكورد).( ابن أبي الهيجاء، 1993، 118 – 119)؛ وهذا دليل على المشاركة الكوردية الكبيرة في هذه المعركة الفاصلة التي كانت أحد أسباب الغزو الصليبي للمشرق الإسلامي فيما بعد.
ومهما يكن من أمر فقد إصطدم الجيشان في معركة فاصلة، في موضع يعرف بالرهو بين مدينتي خلاط وملازكرد، في شهر ذي القعدة سنة 463هـ/1071م وأسفرت نتيجتها عن هزيمة ساحقة للبيزنطيين، وتم أسر ملكهم رومانوس الرابع، فضلاً عن وقوع آلاف القتلى البيزنطيين. (ابن الجوزي، 1992، 16/125؛ ابن الاثير، 1983، 6/247). ويذكر الفارقي بأن السلطان ألب أرسلان بعد انتصاره في المعركة، عاد إلى أذربيجان وجعل مدينتي خلاط ومناذكرد تحت حكمه المباشر من خلال تعيين واليين من قبله على هاتين المدينتين؛ وهكذا خرجت هاتان المدينتان عن حكم الإمارة المروانية ( الفارقي، 1974، ص 190).
2- معركة حطين: في شهر رمضان سنة 583هـ/ 1187م قاد الناصر صلاح الدين الأيوبي معركة حطين لكسر شوكة الصليبيين المتحكمين في مملكة بيت المقدس، كان عمر الغزو الصليبي في تلك الأرض أكثر من 90 سنة، وكانت ممالكهم قد غرست أقدامها في الأرض الشامية إلى أقصى درجة، خرج صلاح الدين الأيوبي بجيشه لينهي مسارا طويلا من التصدي للغزاة الصليبيين وانتهى يوم السجال الدامي بانتصار باهر لم يعرف له مثيل، حيث شرق سهل حصين بشلال الدماء وتفرق الصليبيون مهزومين بعد أن أعمل فيهم جنود صلاح الدين صوارم السيوف، وكانت حطين البوابة الأوسع لتحرير المسجد الأقصى وإنهاء مأساته التي استمرت 90 سنة. من أخلاق الكورد: وقد وقع ملك القدس Luziny Guy لوزينجان أسيراً بيد الأيوبيين الكورد، وهذا الملك من مواليد فرنسا سنة 1150م. حيث أسره أحد المقاتلين الكرد ويدعى (درباس) أحد مقاتلي عشيرة مهران (= ميران) بقيادة القائد ابراهيم المهراتي ؛ ولكن صلاح الدين الأيوبي لم يقتله، بل عامله معاملة حسنة وأطلق سراحه وقال كلمته المشهورة :" الملك لا يقتل الملك ".
3- في عام 387هـ/997م هاجم الجيش البيزنطي بلاد الشام، واستطاعت جيوشه التوغل حتى منطقة حمص التي كانت تتبع الدولة الفاطمية حينها، وحاصر حصن أفامية، حتى أكل أهلها الجيف، فخرج إليهم أهل طرابلس الشام وقواتها ليدفعوا عن أهل حمص وأفامية ما لاقوه من الحصار والهزيمة؛ إلا أن أهل طرابلس وقواتها العسكرية انهزمت هي الأخرى أمام القوة العسكرية البيزنطية، وقتلوا من المسلمين ألفي رجل، واستولوا على خيولهم وسلاحهم، وهنا أدرك أهل أفامية الهلاك. لكنّ حادثا فرديا جرى في أرض المعركة غيّر من مشهد الهزيمة بالكلية، فيروي ابن أبي الهيجاء في تاريخه قائلا: " كان ملك الروم قد وقف على رابية تُطل على ميدان المعركة، وبين يديه ولدان وله عشرة نفر من غلمانه، ليُشاهد ظفَرَ عسكره، فقصده كردي يُعرف بأبي الحجَر أحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد، وعليه درع وخوذة، وبيده اليمنى خِشت (حديدة حادّة)، وباليُسرى العنان وخِشت آخر، فظنّه الدُّقس مستأمِنا له ومستجيرا به، فلم يحفل به، ولا تحرّز منه، فلما دنا منه حمل عليه، والدقس متحصّن بدرعه، وضربه بالخِشت فقتله، وصاح بالمسلمين: قُتل عدوُّ الله! فرجع المسلمون، ونزل من كان في الحصن فأعانوهم، وانتصر المسلمون على الروم فقتلوهم وأسروهم، وبات المسلمون غانمين مسرورين”.
4- يروي الأمير أسامة بن منقذ في كتابه المعتبر( الاعتبار)، وهو أحد المؤرخين المعاصرين لاحداث الحروب الصليبية التي تقابل عصور السلاجقة والزنكيين والأيوبيين في الجانب الاسلامي، يروي شجاعة الكورد في معاركهم ضد الصليبيين، فيروي أن رجلا كرديا كان يُسمى حمدات، كان قديم الصحبة لوالده الأمير منقذ صاحب حصن شيزر في بلاد الشام، وكان من كبار الفرسان، لكن سنّه قد كبرت وأصبح شيخا كبيرا، فقرر الأمير عز الدين عم الأمير أسامة أن يحفظ الود القديم، يقول في مذكراته :" فقال له عمي عز الدين رحمه الله يا حمدات كبرتَ وضعُفتَ، ولك علينا حقٌّ وخدمة، فلو لزمتَ مسجدك -وكان له مسجدٌ على باب داره- وأثبتنا أولادك في الديوان (يجعل لهم مرتبات شهرية)، ويكون لك أنتَ كلَّ شهرٍ ديناران وحِمل دقيق وأنت في مسجدك. قال أفعلُ يا أمير. فأُجري له ذلك مديدة. ثم جاء إلى عمي وقال: يا أمير والله لا تُطاوعني نفسي على القعود في البيت وقَتْلي على فرسي أشهى إليّ من الموت على فرشي. قال: الأمرُ لك. فما مضى إلا الأيام القلائل حتى غارَ علينا السرداني صاحب طرابلس (أمير طرابلس الصليبي). ففزعَ الناس إليهم، وحمدات في جملة الروع (الخارجين لصد الغارة)، فوقفَ على رفعة من الأرض مُستقبل القبلة، فحمَلَ عليه فارس من الإفرنج من غربيّه فصاحَ إليه بعضُ أصحابنا: يا حمدات! فالتفت، فرأى الفارس قاصِدَه فردّ رأسَ فرسِه شمالا، ومَسك رُمحه بيده، وسدّده إلى صدر الإفرنجي، فطَعَنه فنفِذ الرُّمح منه، فرجع الإفرنجي متعلقا برقبة حصانه في آخر رمقه. فلمّا انقضى القتالُ قال حمداتُ لعمّي: يا أمير لو أن حمدات كان في المسجد مَن طعنَ هذه الطعنة؟".
5- في سنة 544هـ/ 1150م ذكر المؤرخ المعاصر لتلك الأحداث ابن أبي الهيجاء في معارك سنة 544هـ دليل آخر على الدور الفعّال للكورد عسكريا في الدولة الزنكية، يقول: " وفيها جمع نور الدين وطلب من دمشق نجدة، فأرسلوا إليه الأمير مجاهد الدين بُزان الكردي، وجاء عسكر أخيه سيف الدين غازي، وسار إلى أنطاكية، وخرج إليه البرنس (الصليبي)، وجرت بينهما وقعة عظيمة، فكسرهم نور الدين الكسرة المشهورة، وفتح حارِم، وقتل الفرنج، وكان لأسد الدين شيركوه في هذه الوقعة اليدُ الطولى، وأبان عن شجاعة وبسالة... وكذلك مُجاهد الدين بُزان بن مامِين مُقدَّمُ العسكر الدمشقي أبان عن شجاعة وبراعة". (ابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج11، ص260 – 265؛ محمد راغب الطباخ الحلبي، إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، ج2، ص40).
6- في حوادث سنة 558هـ /1163م ضحى أحد المقاتلين الكورد بنفسه لينقذ السلطان نور الدين الزنكي من موت مؤَكد في احدى معاركه ضد الصليبيين قرب مدينة حمص، ذكر ابن الأثير هذا الخبر: "في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج تحت حصن الأكراد، وهي الوقعة المعروفة بالبُقَيعة... وقصدوا خيمةَ نور الدين، وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه، ولسرعته ركب الفرس والشِّبْحة(= الحلقة) في رجله، فنزل إنسان كردي وقطعها، فنجا نور الدين وقُتل الكردي، فأحسن نور الدين إلى مُخلّفيه ووقّفَ عليهم الوقوف" . (ابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج11، ص260 – 265؛ محمد راغب الطباخ الحلبي، إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، ج2، ص40).