البيشمركة فخر كوردستان وحصنها الاستراتيجي

البيشمركة فخر كوردستان وحصنها الاستراتيجي
البيشمركة فخر كوردستان وحصنها الاستراتيجي

يصعب النظر إلى الهجوم الصاروخي الذي استهدف مواقع قوات البيشمركة فجر اليوم على أنه حادثة معزولة، إذ يأتي ضمن نمط متكرر من الاستهدافات التي طالت إقليم كوردستان في مناسبات سابقة، والتي نسبت إلى إيران، ما يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة التفاعلات الإقليمية وحدود الالتزام بالقانون الدولي.

اختار إقليم كوردستان سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى. وفي أدبيات العلاقات الدولية، ينظر إلى هذا الخيار بوصفه شكلاً من أشكال "الحياد الاستراتيجي"، يهدف إلى حماية الداخل وتفادي الانزلاق في صراعات كبرى. غير أن الهجمات السابقة على أربيل توضح أن هذا النهج لم يكن كافياً لضمان احترام الموقف وحماية المدنيين والقوات المسلحة.

استهداف قوات البيشمركة، وهي قوة دستورية ذات دور دفاعي واضح، يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بمبادئ القانون الدولي، وعلى رأسها احترام السيادة وعدم استخدام القوة خارج الأطر القانونية. تكرار الاعتداءات يعكس نمطاً من السلوك يتجاوز الحوادث الفردية ويستدعي قراءة معمقة ضمن توازنات الردع الإقليمية.

البيشمركة لم تكن طرفاً في صراعات الآخرين، بل قوة دفاعية وطنية لعبت دوراً محورياً في حماية الأرض والإنسان داخل كوردستان وعلى مستوى العراق. وقد تجلّى هذا الدور بشكل خاص خلال مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، حيث ساهمت في حماية مختلف المكونات وقدمّت تضحيات جسيمة دفاعاً عن الأمن الإقليمي والدولي.

يلعب الرئيس مسعود بارزاني دوراً محورياً في حماية كوردستان وتعزيز قدرات قوات البيشمركة، مؤكداً رفاهية منتسبيها وتجهيزهم لمواجهة أي تهديدات. إن قيادته الحكيمة واهتمامه الشخصي بهذه القوات يعكس التزامه الثابت بأمن شعب كوردستان واستقراره، ويجعل من البيشمركة رمزاً للفخر الوطني وحصناً استراتيجياً يحمي الإقليم.

المفارقة تكمن في أن جهة اختارت الحياد وابتعدت عن النزاعات الإقليمية تجد نفسها هدفاً لتداعيات الصراعات، ما يعكس خللاً في إدارة الأزمات حيث تتراجع الاعتبارات القانونية أمام منطق القوة.

وعليه، فإن مقاربة هذا الحدث يجب أن تمتد إلى التأكيد على ضرورة احترام سيادة العراق، بما في ذلك إقليم كوردستان، ووقف الانتهاكات المتكررة لأراضيه، مع تفعيل القنوات الدبلوماسية الرسمية وتعزيز دور المجتمع الدولي لضمان عدم تكرار هذه الاعتداءات.

استهداف مقرات البيشمركة في منطقة سوران بمحافظة أربيل، الذي أدى إلى سقوط ستة شهداء وإصابة ثلاثين آخرين، يعد خرقاً واضحاً لسيادة الدولة العراقية وتهديداً لأمن واستقرار العراق والمنطقة.

من هذا المنطلق، فإن الحكومة الاتحادية والبرلمان العراقي مطالبان باتخاذ الإجراءات القانونية لإيقاف الاعتداءات المتكررة على إقليم كوردستان، بما في ذلك تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، وجامعة الدول العربية، والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية، لضمان مساءلة الجهة المعتدية ومنع تكرار الانتهاكات.

في المحصلة، يظل موقف إقليم كوردستان ثابتاً في التمسك بخيار السلام والحياد، غير أن تكرار الاستهدافات يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى التزام الأطراف الإقليمية باحترام هذا الخيار. ومن هنا، فإن الدفاع عن كوردستان اليوم ليس مجرد موقف وطني، بل هو أيضاً دفاع عن مبدأ أساسي في العلاقات الدولية، يقول إن الحياد يجب أن يُحترم، لا أن يستغل أو ينتهك.

ختاماً، فإن كوردستان قیادةﱠ وشعباً يقدران التضحيات العظيمة للشهداء، ويخلدون ذكراهم بكل احترام واعتزاز، فمجدهم سيظل نبراساً للأجيال القادمة في الدفاع عن الوطن والحرية.