د. فيصل صادق توفيق
دكتوراه فلسفة في القانون الدولي _ دستوري
من يحكم العراق: الدستور أم السلاح؟
في العراق اليوم، لم يعد السؤال يدور حول الانقسامات الإقليمية فحسب، بل حول جوهر الدولة نفسها: من يملك القرار السيادي؟ هل الدستور هو الحاكم الأعلى، أم أن السلاح أصبح معيار النفوذ والقرار؟ هذه الإشكالية لم تعد نظرية، بل واقع يعيشه العراق يوميا، خاصة في القضايا المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم.
في هذا السياق، يكتسب الموقف الأخير لرئيس مجلس القضاء الأعلى، الحاكم فائق زيدان، دلالة استثنائية، إذ لا يمثل مجرد تصريح قانوني، بل إعادة تأكيد للشرعية الدستورية بوصفها المرجعية العليا. فقد أكد فی البيان أن احتكار الدولة للقوة ليس خيارا سياسيا، بل التزام دستوري لا يقبل التجزئة أو المساومة. في هذه الحالة يمكننا الاشارة الى ما قاله هنري كيسنجر: “ بأن الدولة التي لا تحتكر استخدام القوة داخل حدودها، تفقد جوهر سيادتها”، وهو توصيف دقيق لحالة العراق اليوم.
فيما يؤكد دستور جمهورية العراق 2005 أن قرار الحرب والسلم يمر عبر تسلسل مؤسسي محدد: تبدأ السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وتنتهي بالسلطة التشريعية عبر مجلس النواب الذي يمتلك وحده صلاحية إعلان الحرب بأغلبية موصوفة. وأي ممارسة خارج هذا الإطار تعد خرقا مزدوجا وانتهاكا للشرعية الدستورية وتقويضا لوحدة الدولة.
ومن هنا تتجلى مقولة مونتسكيو الشهيرة: “كل سلطة لا يحدها القانون تتحول إلى استبداد.” لكن الواقع على الأرض مختلف. لاننا شهدنا في السنوات الماضية من الأزمات السياسية والأمنية الكثير مما أدى إلى ظهور قوى مسلحة ذات قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، بما في ذلك الانخراط في أعمال عسكرية ذات أبعاد إقليمية. وهذا التداخل بين الدولة واللادولة يفضي إلى ازدواجية القرار ويضعف مؤسسات الدولة، ويحول السيادة القانونية إلى صراع بين إرادات متعددة. وهنا يمكن تذكر مقولة توماس هوبز: “حيث لا توجد سلطة عليا، تكون الفوضى هي الحاكم.”
سياسيا، يعكس هذا الواقع أزمة بنيوية في النظام الذي تشكل بعد 2003، حيث تغليب منطق التوافق على حساب بناء مؤسسات قوية أدى إلى ظهور “شرعية مركبة” تجمع بين القوة الواقعية والاعتراف القانوني. أما إقليميا، فإن هذا التداخل يجعل العراق عرضة لتأثيرات إيران وغيرها من القوى، ما يحول القرار السيادي العراقي إلى ساحة لصراع النفوذ الإقليمي ويضعف قدرته على تبني سياسة خارجية متوازنة. وكما قال شارل ديغول: “الدولة لا تكون قوية إلا حين يكون قرارها واحدًا.”
اما دوليا، فينعكس هذا الواقع على مصداقية العراق في النظام الدولي، حيث تقوم فلسفة الأمم المتحدة على احترام سيادة الدول ووحدة قرارها. فالدولة التي لا تحتكر قرارها الأمني والعسكري تصبح أكثر عرضة للتدخلات، كما يشير كوفي عنان: “السيادة مسؤولية قبل أن تكون حقا.”
ونتيجة لهذا فأن الصراع في العراق لم يعد بين خيارات سياسية متنافسة، بل بين منطقين متعارضين: منطق الدولة الدستوري، ومنطق اللادولة القائم على تعدد مراكز القوة. والغلبة ستتحقق فقط بمدى قدرة النخب السياسية على تحويل النصوص الدستورية إلى واقع عملي، بدءا بحصر السلاح بيد الدولة، مرورا بإعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وانتهاء بترسيخ مفهوم السيادة كحقيقة يومية لا مجرد شعار نظري.
وفي الاخير، لا يمكن للدولة أن تكون دولة ونقيضها في آن واحد فإما أن يكون الدستور هو الحاكم الفعلي للسلوك السياسي والأمني، أو يبقى مجرد إطار شكلي في ظل هيمنة قوى موازية. والعراق اليوم، وهو يقف عند هذا المفترق، يواجه خيارا حاسما: إما استعادة الدولة بكل ما تعنيه من وحدة القرار والسيادة، أو الاستمرار في حالة التداخل التي تجعل من “اللادولة” واقعا يتغلب تدريجيا على منطق الدولة.