د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
إقليم كوردستان وسياسة ضبط النفس في مرحلة التصعيد
في ظل مرحلة إقليمية تتسم بحساسية متزايدة، يواجه إقليم كوردستان تحدياً دقيقاً يتطلب موازنة مدروسة بين اعتبارات الجغرافيا وتعقيدات الخيارات السياسية.
وفي هذا السياق، تسهم التطورات المتسارعة على صعيد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، في تشكيل بيئة ضاغطة تنعكس، بشكل أو بآخر، على واقع الأمن والاستقرار في إقليم کوردستان.
ورغم تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي تنفذها فصائل مسلحة موالية لإيران على أراضي إقليم کوردستان، لا یزال القیادة السیاسیة الحکیمة في إقلیم كوردستان متمسكاً بسياسة التهدئة وضبط النفس حفاظاً علی مكتسبات شعب كوردستان، التي تحققت عبر عقود من التضحيات الجسیمة.
غير أن هذا التوازن لا يعني الحياد البارد أو القطيعة مع الحلفاء، بل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة، التي ينظر إليها الإقليم كشريك استراتيجي لعب دوراً محورياً في لحظات مفصلية من تاريخه الحديث.
فمنذ أعقاب انتفاضة 1991 في العراق، حين ساهمت واشنطن في فرض منطقة حظر جوي وفرت حماية أساسية لكوردستان، مروراً بـ غزو العراق 2003 الذي أسقط نظام البعث وفتح الباب أمام ترسيخ الكيان الدستوري للإقليم، وصولاً إلى الحرب ضد تنظيم داعش، حيث كان الدعم الأميركي عاملاً حاسماً في تعزيز قدرات قوات البيشمركة، كل ذلك رسّخ قناعة راسخة لدى قيادة الإقليم بأهمية هذه الشراكة.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة موقف إقليم كوردستان بمعزل عن هذه الذاكرة السياسية والعسكرية المشتركة.
فإقليم کوردستان، وإن كان حريصاً على عدم التحول إلى ساحة صراع، إلا أنه في الوقت ذاته لا يتنكر لتحالفاته، ولا سيما مع واشنطن، التي لا تزال تعد ضامناً أساسياً لتوازناته الأمنية.
وهنا تتجلى مرة أخرى أهمية النهج الذي يقوده الرئیس مسعود بارزاني، والذي يسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة: الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مقابل تجنب الانخراط المباشر في صراعات المحاور.
إنها سياسة تقوم على “التموضع الذكي”، لا الانحياز المطلق، وعلى حماية المصالح القومية العليا لشعب كوردستان دون التفريط بالعلاقات الدولية الحيوية.
لكن هذا التموضع يواجه تحديات متزايدة، في ظل بيئة إقليمية لا تعترف كثيراً بالمساحات الرمادية.
فإيران وأذرعها في العراق تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب مع واشنطن، بينما تراقب قوى إقليمية أخرى تطورات المشهد بحذر، خاصة إذا ما أدت الحرب إلى تغييرات في التوازنات الإثنية أو الجيوسياسية.
أما في واشنطن، فلا يزال القرار النهائي بشأن مسار الصراع معلقاً بين خيار التفاوض مع طهران أو الاستمرار في الضغط العسكري.
وفي كلا الحالتين، يبقى إقليم كوردستان معنياً بشكل مباشر بالنتائج، بحكم موقعه وعلاقاته.
في المحصلة، لا يملك إقليم كوردستان ترف الاختيار بين الجغرافيا والتاريخ؛ فهو محكوم بهما معاً.
لكن ما يميز إقليم كوردستان هو قدرته، حتى الآن، على إدارة هذه التحديات بثقة واتزان، مستنداً إلى إرث راسخ من الشراكات، وفي مقدمتها علاقته مع الولايات المتحدة، وإلى رؤية سياسية واضحة تحصنه من الانزلاق إلى صراعات مفتوحة لا تخدم مصالحه.
في المحصلة، يثبت إقليم كوردستان أن التوازن المدعوم بشراكات ضرورة استراتيجية لتعزيز أمنه واستقراره، وترسيخ التعايش السلمي بين مكوناته، وذلك في سياق إقليمي معقد ومتقلب.