یاسا مسعود چەلکي
باحث في مجال الأمن القومي
الطائرات المسيّرة: لحظة الفصل في تاريخ الإرهاب الحديث.. من الحزام الناسف إلى الرحلة المجهولة المصدر
لم يعد المهاجم يحتاج إلى جواز سفر، ولا إلى قنابل مخبأة في أحزمة، ولا إلى وداع أخير يودّع فيه الحياة. طائرة صغيرة، تُطار بيد باردة من غرفة بعيدة، ترسم اليوم معادلة جديدة في الإرهاب، تجعل كل ما عرفناه من قبل يبدو كأثر في ذاكرة الأمس البعيد.
منذ صيف عام 2025، حين اشتعلت حقول النفط في كوردستان العراق لأيام متتالية، إلى شتاء ذلك العام حين انفجر حقل كورمور للغاز، وصولاً إلى أكثر من أربعمئة وخمسين طائرة مسيّرة وصاروخاً انهمرت على أربيل ومناطق كوردستانية مختلفة إبان الحرب الإيرانية-الإسرائيلية-الأمريكية مطلع 2026، ثمة درس واحد بات واضحاً لكل من يحلل المشهد الأمني: الإرهاب تغيّر وجهه تماماً، وما كان يستلزم سنوات من التخطيط والتجنيد تحوّل إلى مسألة دقائق وأسلاك بسيطة وجهاز تحكم عن بُعد.
وهذا التحوّل لم يأتِ من فراغ؛ فللطائرة المسيّرة تاريخ أطول مما يُظن، وجذور تمتد إلى حروب القرن الماضي.
الفكرة ليست وليدة اليوم. عام 1917، قبل أن تصمت مدافع الحرب العالمية الأولى، كان المهندس البريطاني أرشيبالد لو يُجرّب أول طائرة موجَّهة بالراديو. فشلت تقنياً، لكنها زرعت البذرة. الأمريكيون جربوا بعده بأشهر، فشلوا أيضاً، وأغلقوا الملف. فتحته الحرب العالمية الثانية بعنف. الألمان كانوا الأسبق هذه المرة. طائرة الـ«في-1» (القنبلة الطائرة) كانت أول سلاح جوي انتحاري يُستخدم بشكل ممنهج في التاريخ. أطلقها الألمان بالآلاف على لندن منذ عام 1944، بسيطة التصنيع، رخيصة التكلفة، ولا يقودها أحد. في الوقت ذاته، حوّل الأمريكيون قاذفاتهم البي-17 المهترئة إلى قنابل طائرة عملاقة في عملية أفروديت، وأطلقوا طائرة TDR-1 الموجَّهة بالراديو لتضرب أهدافاً يابانية في المحيط الهادئ. أما اليابانيون فاختاروا بديلاً أبشع: وضعوا الإنسان داخل الطائرة (الكاميكازي). الكاميكازي لم يكن بطولة، كان سلاحاً. المنطق واحد في الحالات كلها: أرسِل ما لن يعود.
في الثمانينيات، قرأت إسرائيل الدرس بطريقتها. أنتجت الـ«هارب»، أول ذخيرة تحلّق حقيقية، تحوم ساعات فوق الميدان باحثةً عن رادارات العدو ثم تنقض عليها. لم تكن قنبلة تُلقى، بل صيّاد ينتظر. استخدمتها أذربيجان عام 2020 في حرب قرباغ ودمّرت بها منظومات الدفاع الأرميني في أيام.
ثم جاء عام 2016 فكان الأكثر خطورة في هذا التاريخ كله. في ورشة متواضعة في الرمادي، علّق مسلحو داعش قنبلة يدوية تحت طائرة تجارية رخيصة. في الثاني من أكتوبر، استشهد اثنان من البيشمركة بأول ضربة من طائرة مسيّرة تجارية معدَّلة في التاريخ. لم يخترع داعش الفكرة، لكنه كسر الحاجز الأعلى: أثبت أن هذا السلاح لم يعد حكراً على الدول.
الأمريكيون بدورهم لم يكتفوا بالمشاهدة. طوّرت البحرية الأمريكية برنامج «لوكست» (LOCUST)، وهو منظومة لإطلاق أسراب من المسيّرات الصغيرة بشكل متتابع وسريع من أنبوب واحد. الفكرة ليست مسيّرة واحدة تضرب هدفاً واحداً، بل عشرات المسيّرات تنهمر في وقت واحد، تتواصل فيما بينها وتُشكّل سرباً ذكياً يُربك أي منظومة دفاع جوي مهما كانت متطورة. أجرت البحرية أولى تجاربه الناجحة عام 2016، في العام ذاته الذي كان فيه داعش يعلّق قنابل يدوية تحت طائرات رخيصة في الرمادي. الهوّة بين السلاحَين شاسعة، لكن الهدف واحد: إرباك العدو من الجو بأقل تكلفة ممكنة.
أوكرانيا أكملت المشهد، لكن بأرقام لم يتخيّلها أحد. منذ 2022، باتت طائرات FPV الانتحارية، طائرات سباق تجارية بعبوة ناسفة، تُنتَج بعشرات الآلاف شهرياً. الروس استوردوا من إيران طائرات «شاهد-136»، وهي طائرة انتحارية ذات أجنحة دلتا مثلثة، أعاد الروس تسميتها «غيران-2» وبدأوا تصنيعها محلياً، وفي ذروة الحرب أطلقوا في يوم واحد سبعمئة وثماني وعشرين طائرة من هذا النوع على أوكرانيا.
هذا التراكم التاريخي كله انتهى بمعادلة واحدة: ما كان يستلزم جيشاً أصبح في متناول خلية، وما كان يستلزم خلية أصبح في متناول فرد. وفهم هذا التحوّل يستلزم أولاً أن ندرك حجم ما خسره الإرهاب التقليدي وما ربحه العصر الرقمي.
كان الهجوم الانتحاري بناءً هشاً ومكلفاً قبل أن يتبدّل. المسافة بين الفكرة وتنفيذها كانت تُقاس بالأشهر وأحياناً بالسنوات. كان التنظيم يحتاج أولاً إلى إيجاد شخص يستعد لأن يهب حياته ثمناً لضربة واحدة، وهذا الشرط الأول وحده استنزف طاقة بشرية هائلة: مئات الساعات من التجنيد والإقناع والغسيل الفكري، وما يرافق ذلك من ضخّ إيديولوجي ومحاضرات دينية وترهيب وإغراء في آنٍ معاً. والتأكد من صمود المنفّذ نفسياً حتى اللحظة الأخيرة لم يكن أبداً أمراً مضموناً.
ثم كانت المرحلة الثانية وهي الأصعب: إدخال المنفّذ إلى قلب المدينة المحصّنة. نقاط التفتيش والكاميرات وعناصر الاستخبارات المنتشرة في الأزقة والأسواق كانت تجعل التسلل خطوة شبه مستحيلة. يحتاج المنفّذ إلى وثائق مزوّرة، ويمر عبر حلقات من الوسطاء، وربما يقضي أسابيع مختبئاً في بيوت آمنة ينتظر الإشارة المناسبة. وفي أثناء كل ذلك كان احتمال الكشف عنه يتضاعف مع كل يوم يمر.
ولا تنتهي التكاليف هنا: سيارة مفخخة، عبوات ناسفة، لوجستيات التنقل، شبكة دعم تضمن إيصال المنفّذ إلى هدفه. حوادث كثيرة أثبتت أن تلك الشبكات كانت عرضة للتسريب والخيانة والاختراق الأمني. وفي النهاية، لا ضمانة بأن الشخص لن يتراجع عند اللحظة الحاسمة؛ فالبقاء أصل راسخ في الغريزة الإنسانية، والطبيعة تتدخل دائماً حيث يحاول الفكر المتطرف أن يُطفئ فطرة الحياة. أسقطت الطائرة المسيّرة كل ذلك الحمل الثقيل. لا مجنّد ولا منفّذ ولا جسد بشري يُعرّض للخطر. لا حاجة لاختراق المدينة الحصينة ولا لتهريب العبوات ولا لبيوت آمنة ومسارات سرية. يجلس المشغّل خلف شاشة في غرفة مظلمة، ربما على بُعد مئات الكيلومترات من الهدف، يوجّه الضربة ثم ينسحب دون أن يترك أثراً يُشير إليه.
الطائرات المسيّرة التجارية تُصنع بمئات الدولارات وتُباع علناً عبر الإنترنت. وبتعديلات تقنية بسيطة يمكن لأي شخص يقرأ دليلاً إلكترونياً أن ينجزها، تتحوّل إلى سلاح يحمل متفجرات ويضرب أهدافاً على بُعد عشرات الكيلومترات. الأحجام الصغيرة تجعلها شبه غير مرئية للرادارات التقليدية.
والأهم من كل ذلك: إمكانية الإنكار. لا أحد يعلم بالقطع من أطلق المسيّرة. لا بصمة، لا شاهد، لا خيط يقود إلى المرسِل. هذه المعادلة تجعل توجيه الاتهام سياسياً وقضائياً أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما يمنح الجهة المهاجِمة ميزة استثنائية في عالم تحكمه الحسابات الدبلوماسية والاتهامات التي تحتاج دليلاً لا مجرد دخان.
لم يكن إقليم كوردستان العراق بمنأى عن هذا التحوّل؛ بل كانت في صميمه. وما جرى على أرضها خلال عامَي 2025 و2026 يستحق وقفةً تأملية عميقة من كل مهتم بأمن المنطقة، لأنه يكشف حجم الهشاشة التي باتت تعانيها حتى أكثر المناطق تحصيناً في الشرق الأوسط.
في الأيام الممتدة بين الرابع عشر والسادس عشر من يوليو 2025، اشتعلت النيران في خمسة حقول نفطية رئيسية تتوزع على مقاطعتَي أربيل ودهوك: شيخان، تاوكي، بيشخابور، خورمالة، وسرسنك. أُخرج ما يقارب مئتين وعشرين ألف برميل يومياً من الإنتاج، ما يعني توقّف ما يزيد على سبعين بالمئة من إنتاج الإقليم النفطي. لم تكن أي من تلك الحقول تفتقر إلى الحراسة، غير أن الطائرات المسيّرة مرّت فوقها دون استئذان، ولم تُعلن أي جهة رسمياً مسؤوليتها.
في السادس والعشرين من نوفمبر 2025، كان الليل يقترب من منتصفه حين اخترقت مسيّرتان انتحاريتان سماء حقل كورمور للغاز، أحد أكبر حقول الغاز في العراق. اشتعل خزان النفط، وامتدت النيران إلى خطوط الأنابيب، وتراجع توليد الطاقة الكهربائية في الإقليم فور الضربة، وحُوّل العمال مسرعين إلى ملاجئ إسمنتية. وكما في كل مرة: لا أحد أعلن مسؤوليته، والدخان وحده شهد على من كان هناك.
والأعنف كان ما جرى إبان الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية. فمنذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، رصدت وسائل إعلام كوردستانية ما لا يقل عن أربعمئة وخمسين طائرة مسيّرة وصاروخاً استهدفت الإقليم، وأودت بحياة أربعة عشر شخصاً على الأقل، وأصابت خمسة وثمانين آخرين، في أكثر فترات التوتر كثافةً مرّت على المنطقة في سنوات طويلة.
ما يضاعف الخطورة أن كوردستان كانت تُعرّف نفسها تاريخياً بأنها جزيرة استقرار وسط محيط ملتهب. هذه السمعة جذبت الاستثمارات ورجال الأعمال والشركات النفطية الدولية الكبرى من أمريكا وأوروبا والإمارات. وها هو الاستقرار ذاته بات محلّ مساءلة، لا لأن الأجهزة الأمنية البرية قصّرت، بل لأن التهديد جاء من الفضاء، من حيث لا يُنصب حاجز ولا يُوقَف عابر.
التسليح بالمسيّرات بات في متناول أي جهة تملك بضع مئات من الدولارات وأجهزة إلكترونية متاحة في أي متجر. الشركات التجارية تنتج كل يوم طائرات أكثر كفاءةً وأخف وزناً وأصعب رصداً. وفيما تتسارع وتيرة تطور التكنولوجيا التجارية، تبقى منظومات الدفاع الجوي الكلاسيكية متخلفة عنها بخطوات وأحياناً بأميال.
وهذا ما يجعل المرحلة القادمة أشد وطأةً في التحليل الأمني. فنحن أمام نمط إرهابي جديد لا تكلّفه البنية التنظيمية الثقيلة ولا يستلزم الاستثمار البشري الهائل الذي كان شرطاً لأي عملية كبرى في الجيل السابق من الإرهاب. إنه إرهاب أرخص وأسرع وأصعب مواجهةً، وهذا المزيج هو ما يُبقي المحللين الأمنيين مستيقظين في الليل.
لم يبقَ أمام المنطقة الكوردية خيار سوى مطالبة المجتمع الدولي بما يليق بدورها الاستراتيجي وتضحياتها التاريخية في مواجهة الإرهاب. كوردستان كانت الخندق الأمامي في الحرب على داعش، وقدّمت آلاف الشهداء من قوات البيشمركة التي وقفت حين تقهقر سواها.
منظومات الدفاع الجوي القادرة على تتبع المسيّرات الصغيرة والتعامل معها باتت ضرورةً وجودية لا ترفاً أمنياً. أنظمة الكشف بالرادار المتطور، ومنظومات التشويش الإلكتروني، وبنادق التردد الراديوي التي تُشوّش إشارات التحكم، والقباب الإلكترونية التي تحمي المنشآت الحيوية، كلها حلول باتت متاحة وأثبتت فاعليتها في ميادين أخرى. دعم الشركاء الدوليين لتزويد الإقليم بمثل هذه المنظومات لن يكون منحةً تُقدَّم لطرف محلي، بل استثماراً في الاستقرار الإقليمي كله.