کامران عزیز عبداللە
أكادیمیي - دكتوراه في علم الاجتماع
اليوم الذي قنّنت فيه بغداد النفي: الكورد الفيليون وآليات نزع الملكية والإقصاء
في الرابع من نيسان/أبريل عام 1980، أقدم نظام صدام حسين على ترحيل الكورد الفيليين وتجريدهم من ممتلكاتهم، حاصداً أرواح الآلاف ومصادراً ثروات طائلة. وعقب الاعتراف بهذه الجرائم كإبادة جماعية في عام 2010، تبين أن هذا النفي والمحو الممنهج قد ترك ندوباً غائرة في جسد المجتمع العراقي وفي حقوق مكوناته العرقية والدينية.
إن التجول عبر الأزقة المتشابكة لسوق الشورجة ببغداد في منتصف القرن العشرين، كان بمثابة التنقل في القلب التجاري النابض لبلاد الرافدين. هاهنا، وسط عبق حب الهال الثقيل، والعروض الزاهية للمنسوجات المستوردة، والإيقاع الرتيب لطرْق النحاسين، برزت طائفة متميزة ومزدهرة فرضت حضورها؛ وهم الكورد الفيليون، مكوّن ديموغرافي تنحدر جذوره الأسلافية من السفوح الوعرة لجبال زاغروس الممتدة عبر الحدود الإيرانية العراقية، والذين هاجروا إلى العاصمة العراقية على مدى أجيال متعاقبة.
وبحلول حقبة السبعينيات، حوّل الفيليون أنفسهم إلى طبقة تجارية لا غنى عنها في المدينة. فقد أحكموا سيطرتهم على سلاسل التوريد الحيوية، وأداروا مشاريع استيراد وتصدير تدر أرباحاً طائلة، وأسسوا مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة فاقت حجمهم الديموغرافي المتواضع نسبياً. إلا أن هذه المكانة البارزة بالذات، والمتشابكة مع المعطيات الثابتة لهويتهم العرقية والطائفية، هي التي ستعجّل قريباً بمحوهم شبه التام من المشهد العراقي.
فقبل ستة وأربعين عاماً من اليوم، وتحديداً في الرابع من نيسان/أبريل 1980، شرعت الدولة العراقية -التي كانت آنذاك تقبع بقوة في قبضة حزب البعث وخضعت حديثاً للسيطرة المطلقة لصدام حسين- في شن حملة من الترحيل القسري، ونزع الملكية، والإخفاء القسري ضد الكورد الفيليين، وهي حملة لا تزال تُعد واحدة من أفظع الفظائع المُمأسسة والمُدارة بيروقراطياً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
وعلى مدى الأشهر والسنوات اللاحقة، جُرّد ما يُقدر بنحو ثلاثمائة ألف إلى خمسمائة ألف كوردي فيلي من جنسيتهم، واقتيدوا كقطعان في مركبات نقل عسكرية، ليُدفع بهم عبر حدود ملغمة بكثافة نحو الأراضي الإيرانية المجاورة. وبالتزامن مع ذلك، احتجزت أجهزة الدولة بشكل ممنهج عشرات الآلاف من الشبان الفيليين، الذين ابتلع نظام السجون السري للنظام أغلبيتهم الساحقة، ولم يُروا بعدها قط.
ومن منظور التاريخ الاستعادي، تمثل أحداث نيسان 1980 ما هو أبعد بكثير من مجرد مشروع محلي للهندسة الديموغرافية؛ بل شكلت البوتقة التي صاغ فيها النظام البعثي الآليات الإدارية والقانونية للتطهير العرقي.
لقد أسس الاضطهاد الممنهج للكورد الفيليين مخططاً مدمراً -بمثابة تجربة إجرائية مظلمة- لحملات الإبادة الجماعية اللاحقة التي رعتها الدولة، بما في ذلك عمليات الإخفاء الجماعي لعشيرة البارزاني في عام 1983، وحملة الأنفال الكارثية في عام 1988. ولفهم الجذور التأسيسية لسياسة "تسليح المواطنة" (استخدام الجنسية كسلاح) من قِبل الدولة العراقية، لا بد من فحص المنطق الدقيق والمشبع بالارتياب الذي أدى إلى تفكيك المجتمع الفيلي.
كانت هشاشة وضع الكورد الفيليين متجذرة في التقاطع المعقد لمركّبات هويتهم. فبصفتهم كورداً من الناحية العرقية، كانوا مرتبطين بروابط الدم والثقافة بالسكان الذين كانوا يناضلون من اجل حقوقهم في كوردستان العراق، الذين طالما قاوموا الإملاءات المركزية لبغداد. وكان يُعرف عن شخصيات فيلية بارزة نشاطها في الحركات المعارضة، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي.
وفي الوقت ذاته، وباعتبارهم يعتنقون في الغالب المذهب الشيعي، فقد تشارك الفيليون في رابطة طائفية مع الأغلبية السكانية في جنوب العراق. وفي نظر جهاز المخابرات البعثي، الذي كانت تهيمن عليه بشكل ساحق نخبة عربية سُنية تعتمد على الولاءات القبلية والمناطقية، شكّل الفيليون تهديداً قوياً ومتعدد الأبعاد. فقد كانوا قوماً منحتهم ثروتهم نفوذاً، وربطهم عرقهم بالكفاح الكوردي في المناطق الكوردية من العراق، ووصلهم دينهم بالاضطرابات العميقة التي كانت تتخمر عبر الحدود الشرقية.
لقد تحركت الصفائح التكتونية الجيوسياسية للمنطقة بعنف في العام السابق.
فقد أثارت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي توجت بتأسيس نظام ثيوقراطي شيعي بقيادة آية الله روح الله الخميني، قلقاً عميقاً لدى الحكومة البعثية ذات التوجهات القومية، وشبه العلمانية، والفاشية الأولية.
ونظر صدام حسين إلى تداعيات الثورة الإيرانية كتهديد وجودي لحكمه؛ فبدأ ينظر إلى السكان الشيعة في العراق، والكورد الفيليين على وجه الخصوص، بوصفهم طابوراً خامساً محتملاً—أي كخصم داخلي قد يضمر التعاطف مع النظام الجديد في طهران.
أما المحفز المباشر لانفجار غضب النظام فقد وقع في الأول من نيسان/أبريل 1980.
ففي تجمع عام بجامعة المستنصرية في بغداد، ألقى مهاجمون قنبلة يدوية على طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء العراقي وأحد المقربين من صدام حسين. نجا عزيز من محاولة الاغتيال، لكن النظام تحرك بسرعة وحسم لتوجيه أصابع الاتهام نحو حزب الدعوة الإسلامية، وهو تنظيم سياسي شيعي مدعوم من إيران.
لم يكن انتقام الدولة سريعاً فحسب، بل كان شاملاً ومطلقاً. ففي غضون اثنتين وسبعين ساعة، شرعت المخابرات -جهاز الأمن الداخلي العراقي المرهوب- في عمليات اعتقال جماعية للكورد الفيليين في جميع أنحاء بغداد والمحافظات الشرقية: ديالى، وواسط، وميسان. لقد تبنت الدولة نهج العقاب الجماعي، مُحملةً خطايا عدو سياسي مُفترض لكتلة ديموغرافية بأكملها.
ولتنفيذ هذا الطرد الجماعي تحت غطاء من الشرعية الإدارية، لم يضطر النظام إلى اختراع إطار قانوني جديد، بل اكتفى بتفعيل إطار قانوني قائم وتحويله إلى سلاح.
تعود البنية التشريعية لإقصاء الفيليين إلى الأيام التأسيسية للدولة العراقية الحديثة، وتحديداً إلى قانون الجنسية العراقي لعام 1924، الذي صِيغ إبان فترة الانتداب البريطاني. صنف تشريع عام 1924 السكان إلى فئتين متمايزتين بناءً على تسجيلهم في إحصاء عام 1920: حملة الجنسية العثمانية وحملة الجنسية الفارسية. ولأن الإمبراطورية العثمانية كانت تخضع مواطنيها تاريخياً لتجنيد عسكري إلزامي قاسٍ، فقد سجّل العديد من الكورد الفيليين -الذين قطنوا المناطق الحدودية المفتوحة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين- أنفسهم كرعايا فرس لحماية أبنائهم من التجنيد.
ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من سكنهم في سهول الرافدين وسفوح زاغروس لقرون، ورثت أجيال من الكورد الفيليين وضعاً قانونياً هشاً من الدرجة الثانية. وصُنفوا رسمياً على أنهم "مواطنون من أصل إيراني" أو من أصحاب "التَبعية".
وعقب استيلاء حزب البعث على السلطة في عام 1968، استغلت الدولة دورياً هذه الثغرة القانونية، وقامت بعمليات ترحيل متقطعة في عامي 1970 و1974 خلال فترات التوتر السياسي. لكن الحملة التي شُنت في 4 نيسان/أبريل 1980 كانت غير مسبوقة في شموليتها المطلقة.
فقد قام مجلس قيادة الثورة، وهو أعلى هيئة تنفيذية في الدولة البعثية، بتقنين عمليات الطرد بأثر رجعي في أيار/مايو 1980 عبر إصدار القرار رقم 666. خوّل هذا المرسوم وزارة الداخلية بسحب الجنسية العراقية من جانب واحد من أي شخص من "أصل أجنبي" يتبين "عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف الوطنية والقومية العليا للثورة."
كانت لغة القرار فضفاضة بشكل متعمد، مما منح الأجهزة الأمنية تفويضاً مطاطياً لا حدود له للاعتقال، وتجريد الجنسية، والنفي.
ووفقاً لسجلات أرشيفية مكثفة، وتحليلات أكاديمية، وشهادات جمعتها منظمات مثل "برنامج الذاكرة الكوردية"، شنت قوات أمن الدولة مداهمات منسقة للغاية على الأحياء الفيلية.
فقد انقضّ ضباط مدججون بالسلاح على المنازل في جوف الليل، وداهموا الأكشاك التجارية المزدحمة في سوق الشورجة، واقتادوا الطلاب مباشرة من قاعاتهم الجامعية. وغالباً ما لم يُمنح أفراد الأسر سوى دقائق معدودة لجمع ما يمكنهم حمله بين أذرعهم من مقتنيات.
وفي مراكز الاحتجاز المحلية ونقاط التفتيش الحدودية، باشرت البيروقراطية عملها في المحو. إذ صادرت السلطات بشكل منهجي وثائق الهوية، وجوازات السفر، وشهادات الميلاد، وسندات الملكية. وبمجرد تجريدهم من كل إثبات قانوني للهوية، تحول المرحّلون في لحظة إلى أشباح بلا جنسية.
ثم جرى تكديسهم في شاحنات عسكرية مسطحة، ونقلهم إلى الحدود الإيرانية، وإجبارهم على العبور إلى الأراضي المجاورة تحت تهديد السلاح، مجتازين تضاريس قاسية لا ترحم.
وتوثق الشهادات التي جمعتها وكالات حقوق الإنسان مسيرات قسرية مروعة عبر ممرات جبلية وعرة، ومسلحة بكثافة، ومزروعة بالألغام. وكثيراً ما قضى كبار السن، والنساء الحوامل، والأطفال الصغار -المحرومون من الغذاء والماء والمأوى- نحبهم نتيجة قسوة الظروف، أو الإعياء، أو الانفجارات الكارثية والمفاجئة للألغام الأرضية أثناء العبور.
ومع ذلك، لم يكن الترحيل سوى وجه واحد من وجوه الاستراتيجية البعثية؛ فقد كانت الحملة بالتوازي مشروعاً هائلاً للسرقة برعاية الدولة. فبالتزامن مع الإبعاد المادي للفيليين، أصدر مجلس قيادة الثورة مراسيم تكميلية تقضي بالمصادرة الفورية لجميع الأصول المنقولة وغير المنقولة العائدة للمُرحّلين.
كان النطاق الذي شملته المصادرات مذهلاً. فقد تضمن عقارات سكنية فاخرة في بغداد، وممتلكات تجارية شاسعة، وبنى تحتية لمصانع، ومخزونات بيع بالتجزئة، وأرصدة بنكية لا حصر لها. وكُلفت وزارة المالية وكيانات عقارية حكومية أخرى بالإشراف على تصفية هذه الأصول وإعادة توزيعها.
ويشير باحثو التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط إلى أن هذا النقل القسري الضخم للثروة خدم غرضاً مزدوجاً للنظام؛ فمن ناحية، قام بتحييد شريحة بارزة ومستقلة من الطبقة التجارية العراقية، مقضياً بذلك على مركز قوة اقتصادية كان موجوداً خارج سيطرة الدولة المباشرة.
ومن ناحية أخرى، وفر للنظام خزاناً هائلاً من الثروة المنهوبة لكي يشتري بها ولاء قاعدته المحلية. إذ مُنحت ممتلكات الفيليين المصادرة بشكل روتيني لمسؤولي حزب البعث، والضباط العسكريين، والموالين للنظام بأسعار مخفضة للغاية، أو قُدمت كمنح وهبات لكسب الولاء قُبيل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.
وقد امتد سعي النظام لطمس الوجود الفيلي ليتغلغل في أعمق المساحات الحميمية للحياة الخاصة. ففي تدخل مذهل في قدسية الأسرة، أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم 474 في عام 1981، والذي عرض مكافأة مالية قدرها أربعة آلاف دينار عراقي لأي رجل عراقي يطلق زوجته إذا كانت مصنفة على أنها من "أصل إيراني".
وهكذا، فقد شجعت الدولة فعلياً على تمزيق الزيجات وتفكيك الأسر ذات الأصول المختلطة، مستخدمة القانون كسلاح لفرض نقاء عرقي وطائفي.
وبقدر ما كانت عمليات الترحيل والخراب الاقتصادي مدمرة، فإن أعمق الصدمات التي أُلحقت بالكورد الفيليين في 4 نيسان/أبريل 1980 والأيام التي تلته، تمثلت في الفصل الممنهج والمُستهدف للعائلات.
فبينما طُردت النساء والأطفال الصغار وكبار السن عبر الحدود، تعمدت الدولة الإبقاء على الشبان. حيث اعتقلت قوات الأمن ما يُقدر بنحو عشرة آلاف إلى عشرين ألف ذكر فيلي -تتراوح أعمارهم عادة بين الثامنة عشرة والثلاثين، على الرغم من اعتقال رجال أكبر سناً ومراهقين أيضاً.
ومع انطلاق شاحنات النقل نحو الحدود الإيرانية، مُلئ الهواء بالصرخات المفجعة للأمهات والزوجات وهنّ يشاهدن أبناءهن وأزواجهن يُقتادون بعيداً تحت حراسة مسلحة.
وتشير الأدلة الأرشيفية إلى نقلهم إلى منشآت احتجاز سيئة السمعة، شملت الزنازين السرية لمديرية الأمن العامة في بغداد، وسجن أبو غريب مترامي الأطراف، وسجن نقرة السلمان الموحش، وهو مركز احتجاز ناءٍ يقع في قلب الصحراء الجنوبية القاسية.
ويظل المصير النهائي لهؤلاء الرجال يمثل واحداً من أظلم الفصول وأكثرها إيلاماً في التاريخ العراقي الحديث. ولعقود من الزمن، تشبثت عائلاتهم في المنفى بأمل يائس في أن يكون هؤلاء الرجال محتجزين في معسكرات عمل سرية، أو رُبما جُندوا كأسرى حرب. ومع ذلك، وعقب تحرير العراق بقيادة الولايات المتحدة في عام 2003 وانهيار النظام البعثي، أدى اكتشاف المقابر الجماعية واسترجاع الوثائق الاستخباراتية الداخلية إلى تقديم وضوح قاتم ومروع.
إذ خَلُص المحققون الجنائيون، والمدافعون عن حقوق الإنسان، والباحثون الدوليون إلى أن الغالبية العظمى من الرجال الفيليين المحتجزين تعرضوا لإعدامات جماعية خارج نطاق القضاء. علاوة على ذلك، استشهدت شهادات مروعة وسجلات المحاكم بأدلة تشير إلى استخدام بعض المعتقلين الفيليين كحقول تجارب بشرية في تطوير أسلحة كيميائية وبيولوجية من قِبل المجمع الصناعي العسكري العراقي خلال سنوات الحرب الثماني الطاحنة مع إيران.
أما بالنسبة للناجين الذين تمكنوا من بلوغ إيران، فقد تضاعفت صدمة الإبعاد لديهم فور اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في أيلول/سبتمبر 1980.
فقد وصل الفيليون المُرحَّلون كلاجئين بلا جنسية إلى بلد كان يعبئ قواته بسرعة لخوض صراع وجودي هائل مع ذات الدولة التي قامت بطردهم للتو. وتم تكديسهم في مخيمات لاجئين بائسة، مثل تلك الموجودة في "جهرم" و"أزنا"، حيث عاشوا في ظروف محفوفة بالمخاطر والفقر المدقع.
وكان وضعهم القانوني والاجتماعي في إيران يكتنفه غموض عميق.
فباعتبارهم أشخاصاً عديمي الجنسية، افتقروا إلى الحمايات القانونية الرسمية، والحق في تأمين عمل قانوني، وحرية التنقل. ورغم أن الحكومة الإيرانية استضافتهم كلاجئين، إلا أن السلطات غالباً ما كانت تنظر إليهم بعين الريبة.
وعلى الرغم من اعتناقهم المذهب الشيعي، فإن أصولهم العراقية وهويتهم الثقافية المتمايزة جعلتهم مهمشين داخل البلد المضيف. وقد استمرت حالة الفراغ القانوني والاجتماعي هذه لعقود، مما أنتج جيلاً من الكورد الفيليين الذين وُلدوا ونشأوا وتلقوا تعليمهم في ظل المنفى، مفتقرين إلى جنسية معترف بها سواء في وطن أجدادهم أو في بلد لجوئهم.
لقد فتح سقوط صدام حسين في عام 2003 مسارات ضيقة ومحفوفة بالمخاطر نحو الإنصاف القانوني والمكاشفة التاريخية، رغم أن العملية أثبتت تعقيدها البالغ والمرير.
ففي عام 2006، أقر البرلمان العراقي المُشكل حديثاً قانوناً مُعدلاً للجنسية، صُمم خصيصاً لإعادة الجنسية لأولئك الذين جُردوا منها بموجب المراسيم الصارمة للقرار رقم 666. ومع ذلك، كان الواقع البيروقراطي المتمثل في إثبات الهوية والملكية، بعد نحو ثلاثة عقود من المحو المتعمد من قِبل الدولة، بمثابة كابوس متاهاتي.
فقد أُتلفت سجلات الأحوال المدنية الأصلية أو حُرفت أو فُقدت. أما الممتلكات التي حازها الفيليون يوماً في بغداد والمحافظات الشرقية، فقد شُغلت أو نُقلت ملكيتها قانونياً أو أُعيد تطويرها من قِبل آخرين منذ زمن بعيد. وبالنسبة للعديد من الفيليين العائدين، كان المشهد المادي والاقتصادي والاجتماعي لحياتهم السابقة قد طُمس بشكل لا رجعة فيه.
وقد تحقق مَعلمٌ بارز في مسار العدالة الانتقالية في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2010.
حيث اعترفت المحكمة الجنائية العراقية العليا رسمياً، بعد جلسات استماع مستفيضة وعرض لشهادات الناجين والأدلة الأرشيفية، بأن عمليات الترحيل، ونزع الملكية، والقتل الجماعي للكورد الفيليين تُمثل جريمة إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.
وقد قدّم هذا الحكم القضائي التاريخي، الذي صادق عليه البرلمان العراقي لاحقاً في عام 2011، قدراً عميقاً من رد الاعتبار التاريخي لمجتمع عانى بصمت لعقود. وأدانت المحكمة العديد من كبار المسؤولين البعثيين السابقين لدورهم في تدبير حملة 1980، ومن بينهم طارق عزيز وسعدون شاكر، مما رسخ السجل القانوني لإدانة الدولة.
ورغم ذلك، يؤكد المدافعون عن حقوق الإنسان والممثلون السياسيون للفيليين باستمرار على أن الاعتراف القانوني، ورغم أهميته الحيوية، لا يمكنه محو العنف البنيوي الذي أُنزل بهذا المجتمع. فالأضرار المادية والاجتماعية التي أُطلقت في 4 نيسان/أبريل 1980 لم يتم جبر كسرها بالكامل بعد.
إذ إن عقوداً من التهميش الممنهج، مقترنة بالفقدان الدائم لمراكزهم التجارية والثقافية التقليدية، تركت المجتمع الفيلي يصارع من أجل استعادة مكانته التي كان يتمتع بها قبل عام 1980 ضمن فسيفساء المجتمع العراقي.
إن الاضطهاد الممنهج للكورد الفيليين يقف اليوم كشاهد تاريخي قاتم على أقصى حالات الضعف والهشاشة التي قد تتعرض لها المكونات العرقية أو الدينية في ظل الأنظمة الشمولية. فلم يكن الأمر مجرد نتاج فوضوي لجنون العظمة وقت الحرب، بل كان جهداً محسوباً وبارداً برعاية الدولة لمحو فئة ديموغرافية بأكملها من النسيج الوطني.
والأهم من ذلك، أن المنهجيات البيروقراطية التي جرى صقلها خلال عمليات الترحيل الفيلية -بداية من استخدام المراسيم التنفيذية لصناعة الغطاء القانوني، مروراً بتعبئة وزارات الدولة المتعددة لتنفيذ المصادرات الجماعية للأصول، وصولاً إلى الفصل الممنهج وإبادة الذكور في سن الخدمة العسكرية- قد شكلت الأساس الإجرائي لحملات الإبادة الجماعية التي عصفت بالعراق في وقت لاحق من ذلك العقد.
إن إرث نيسان 1980 لا يزال يتردد صداه عبر العراق المعاصر، ملقياً بظلاله الطويلة والقاتمة على التعقيدات المستمرة للعدالة الانتقالية، والندوب العميقة العابرة للأجيال الناجمة عن انعدام الجنسية، والديمومة المدمرة للإرهاب المُمأسس بيروقراطياً.