الحرب والطاقة والبقاء: كيف يُعيد صراع الخليج تشكيل النظام العالمي؟

الحرب والطاقة والبقاء: كيف يُعيد صراع الخليج تشكيل النظام العالمي؟
الحرب والطاقة والبقاء: كيف يُعيد صراع الخليج تشكيل النظام العالمي؟

المقدمة

على الصعيد الإقليمي، يُمكن تسمية هذا الحرب بـ"حرب الخليج الثالثة"، إذ أن 83% من الهجمات الصاروخية والطائرات المُسيّرة الإيرانية استهدفت دول الخليج، ما جعل التهديد المباشر لمنطقة الخليج تهديدًا عالميًا. فالحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران ليست عسكرية وسياسية فحسب، بل أصبحت حربًا اقتصادية مباشرة للعالم أجمع. وتُعد هذه اللحظة حاسمة بالنسبة للولايات المتحدة. فعلى مدى عقدين تقريبًا، سلطت عناوين الأخبار الضوء على تآكل النظام والأعراف داخل النظام الدولي. ولا تُمثل هذه الحرب في إيران استثناءً من نقطة التحول التي شهدها العالم؛ فهل ستُغير هذه الحرب النظام الأحادي القطب في العالم تغييرًا جذريًا، أم ستنجح الولايات المتحدة وإسرائيل في تشكيل الديناميكيات الإقليمية والعالمية بما يتوافق مع مصالحهما الاستراتيجية في الشرق الأوسط؟
في الوقت عينه، يُثير تزايد الطلب العالمي على النفط والغاز قلقًا متزايدًا. لماذا تتزايد الحاجة إلى النفط والغاز، وكيف أصبح أمن الطاقة عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي، مما قد يُعيد تشكيل النظام العالمي؟ علاوة على ذلك، كيف يُمكن أن تُغير نتائج هذا الصراع بشكل جذري الوضع السياسي والاقتصادي والاستراتيجي للعراق؟


أولًا، فهم التصور المفاهيمي
وفقًا لنظرية الواقعية، تُعد الدولة الفاعل الرئيسي في النظام الدولي. وفي هذا السياق، يجب أن يكون للدولة هدفان رئيسيان: أولهما: بقاؤها، وثانيهما: تعزيز قوتها وهيمنتها. هذه الحرب ليست حاسمة لإسرائيل فحسب، بل أيضًا لبقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظامها، الذي نسج لنفسه تاريخًا تحت مسمى التشيع لعقود، بل لقرون.
لا تقتصر العلاقات الدولية على صراع الدول أو الجهات الفاعلة غير الحكومية، بل تشمل أيضًا حركة الدول داخل هذا النظام.
* القواعد- Rules: تشير القواعد إلى الاتفاقيات المكتوبة الرسمية التي يجب على الجهات الفاعلة (الدول) الالتزام بها، مثل اتفاقيات ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات التجارة والبيئة، واتفاقيات ترسيم الحدود المائية في مختلف المناطق، وما إلى ذلك.
** المعيار-Norm: هو ما ليس مكتوبًا، ولكن لا يجوز انتهاكه، ومن البديهي أن الدول نفسها تدرك أن هذه قيمة يجب احترامها، كما هو الحال في ملعب كرة القدم، فعندما يُصاب لاعب، يهرع لاعب آخر لمساعدته. وكأن الأسلحة النووية لم تُستخدم منذ الحرب العالمية الثانية، وكما هو الحال مع أي قيم وأخلاقيات أخرى تُظهرها الدول تجاه بعضها البعض، لا يُعاقب أحد، ولكن في حال انتهاكها، يُلام الجاني من قِبل جمهور واسع.
* النظام- Order: هي كل التفاهمات والاتفاقيات الجماعية اللازمة لإرساء السلام والاستقرار العالميين أو الإقليميين، تمامًا كما هو الحال في عزف الموسيقى، حيث يجب مراعاة الايقاع والنغمات لكي يخرج اللحن بشكل صحيح. يختل النظام الإقليمي أو العالمي عند حدوث توترات جيوسياسية أو حروب او مسائل اخرى. بعد انتهاء الحرب الباردة، وزوال الثنائية القطبية، اتفق الجميع ووقعوا على أن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة القادرة على إدارة النظام العالمي وفقًا لقيم الديمقراطية الليبرالية، بهدف إرساء الازدهار والسلام والأمن.
عندما تتعطل القواعد والأعراف والأنظمة الإقليمية والعالمية، يجب على البشرية أن تستعد للتحول الجذري. 

 

ثانيًا، لا يُستثنى أمن الطاقة من الأمن القومي.
فعندما يُواجه مضيق باب المندب في البحر الأحمر أزمة، فهذا يعني أن 40% من سلع العالم مُعرّضة للخطر. وتُسبب الحرب في الشرق الأوسط مشاكل لـ 95% من النفط الذي تستخدمه اليابان في صناعتها، مما يمنع مرور 21 مليون برميل من النفط يوميًا عبر المضيق إلى العالم، و34% من المواد الكيميائية الضرورية للأمن الغذائي. كما أدت الحرب إلى توقف حركة 138 سفينة وحاوية يوميًا في ميناء جبل علي بالإمارات العربية المتحدة، مما أدى إلى قطع حوالي 14% من تدفقات الغاز المسال من قطر إلى أوروبا. ثم هناك التهديد الكامل للعراق، الذي يفتقر بدوره إلى استراتيجية شاملة للحفاظ على أمن الطاقة في هذا المشهد العالمي المُعقد! تاتي  95% من إيرادات العراق من النفط (وهذه كارثة!). ويتم تصدير معظم هذا النفط من خليج البصرة، الذي يمر عبر مضيق هرمز!
بشكل عام، فان ما افترضناه في تقاريرنا وأبحاثنا قبل عشر سنوات أصبح واقع حال، ويجب التعامل معه! تعرف النخبة ومركز السلطة في العراق ما يجب أن تكون عليه مصالح الدولة العليا، ولكن نظرًا لانتهاك إيران للقواعد والأعراف الإقليمية، فإن قرارات العراق تُتخذ بالكامل من قبل إيران، ما يُظهر عجز العراق عن اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحته! يُعد إطلاق 555 طائرة مسيرة وصاروخًا على إقليم كوردستان من قبل فصائل مسلحة مقربة من إيران وداخل العراق في شهر واحد فقط، أحد مئات الأدلة على عجز الدولة العراقية عن حماية سيادتها وأمنها؛ فبحسب الدستور العراقي (المادتين 109 و110)، يقع على عاتق الحكومة الاتحادية في بغداد واجب الحفاظ على سيادة العراق واستقراره. 
بصراحة، كان ينبغي على العراق تنويع طرق تصدير نفطه، لكن إيران لم تسمح بذلك، ما أدى إلى خسارة العراق 9.6 مليار دولار في شهر واحد من الحرب نتيجة توقف مبيعات النفط بمقدار 3.5 مليون برميل يوميًا. يمتلك العراق خطًا إلى العقبة، لكن مروره بالأردن والأنبار يجعل إيران تعتبره خطأً فادحًا. يمتلك العراق خط تصدير إلى ميناء على البحر الأبيض المتوسط منذ عام 1976. من جهة، يبدوا أن العراق لا يميل الى تصدير النفط عبر البحر الأبيض المتوسط، رغم أن تكلفة تصدير النفط من محافظات وسط وشمال العراق إلى البحر الأبيض المتوسط أقل، فضلاً عن كونها طريقاً أكثر استقراراً وقاعدة عملاء أكثر تجانساً، إلا أن العراق واجه سابقاً مشاكل مع إقليم كوردستان بشأن إنشاء خط أنابيب كوردستان-فيشخابور. ففي السنوات الماضية، أعلنت المحاكم والبرلمان العراقيان مراراً وتكراراً عدم دستورية خط أنابيب كوردستان وعدم شرعيته، بينما يُجبر العراق الآن على تصدير النفط عبره!
"وأخيراً، إذا لم ينفتح العراق على السوق وينوع قنواته، فسيفقد القدرة على المناورة اقتصادياً ودبلوماسياً وثقافياً. " 
يرتبط أمن الطاقة ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي وأجهزة الدولة؛ فبدونه، ستُصاب الدولة بالشلل على صعيد الحكم والاقتصاد والمجتمع. لننظر كيف تُجبر الأردن ومصر على استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل. تُعد مصر دولةً رئيسيةً في العالم العربي. خلال حرب غزة، وقّعت الحكومة المصرية عقد استيراد بقيمة 35 مليار دولار مع إسرائيل، بموجب هذا العقد ستبيع إسرائيل 130 مليار متر مكعب من الغاز من حقل الليفاسان إلى مصر بحلول عام 2040. تُعتبر هذه الصفقة الأكبر في تاريخ إسرائيل ومصر، ورغم الإعلان عنها، التزمت مصر الصمت. علاوة على ذلك، ارتفع مستوى واردات الغاز بنسبة 14% . 

من جهة أخرى، أصبحت الفصائل المسلحة في أماكن مثل العراق عائقًا أمام تنمية الدولة: ففي عام 2023، بلغت ميزانية الحشد الشعبي 2.6 مليار دولار، وفي عام 2025 وصل عدد عناصره إلى 237 ألفًا وبلغت ميزانيته 3.5 مليار دولار! إضافةً إلى ذلك، فأن تكلفة النفقات التشغيلية وتسليح هذه الفصائل المسلحة باهظة. علاوة على ذلك، ينبغي أن تصل كل دولة في العالم إلى مستوى "التنمية المستدامة"، ولكن لأن القرار في العراق ليس بيد مجلس الوزراء، ولا تملك الدولة سلطتها الخاصة بل ان القرار بيد الفصائل المسلحة التى تتلقى الأوامر من إيران، وليس من العراق. [وهذا ما كان عليه الحال في سوريا ولبنان واليمن]، في هذه الحالة يمتنع "الاستثمار الأجنبي" الاستثمار في البلاد، ولا يخفى على أحد ان الاستثمار الأجنبي أهم سبل تعزيز الاقتصاد والازدهار.


ثالثًا، ضمان أمن الطاقة أمر بالغ الأهمية للإدارة الأمريكية.
فعلى الرغم من جميع السياسات البيئية والجهود الحثيثة التي تبذلها الدول المتقدمة لإيجاد بدائل للوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم)، فإن الطلب العالمي على النفط والغاز لم ينخفض فحسب، بل ازداد بشكل ملحوظ:
فالولايات المتحدة وحدها، أكبر منتج ومستهلك للنفط في العالم (إذ يعتمد 35% من صناعتها على الغاز الطبيعي، و25% على النفط، و12% على الفحم)، تعتمد الولايات المتحدة على الهيدروكربونات بنسبة 72%، في حين يسعى العالم جاهدًا لخفض انبعاثات الكربون في الصناعات. 
تُثبت جميع البيانات الواقعية أن استهلاك النفط والغاز الطبيعي قد ازداد بشكل ملحوظ: ففي عام 2005، بلغ الطلب العالمي على الغاز الطبيعي 2.74 تريليون متر مكعب، ولكن في عام 2025، ارتفعت مستوى الاستهلاك العالمي إلى 4.29 تريليون متر مكعب. وينطبق الأمر نفسه على النفط؛ ففي عام 2005، بلغ الاستهلاك العالمي 84.7 مليون برميل يوميًا، ولكن في عام 2025، وصل الاستهلاك العالمي إلى 105 ملايين برميل يوميًا. واليوم، في عام 2026، سيحتاج العالم إلى 106 ملايين برميل يوميًا، ووفقًا لتوقعات منظمة أوبك وغيرها، سيصل مستوى الطلب في عام 2040 إلى أكثر من 114 مليون برميل يوميًا!
عندما تمتلك الولايات المتحدة، بصفتها قوة عظمى، وإسرائيل، بصفتها المنتصرة في الحرب الإقليمية، أجندة استراتيجية وحاسمة، فإنهما تمتلكان خريطة تمتد من شرق البحر الأبيض المتوسط، تتضمن أسماء جميع حقول الغاز والنفط وصولاً إلى أنبار و كركوك وكورمور...فهل ستقبل الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل  مهاجمة مصالحهما؟! 
يجب أن تتخيل الأمر من منظور شرق المتوسط: من حقول ظهر ونور في مصر، ومن أفروديت وكاليبسو في قبرص، ومن حقول ليفاسان وتامار وكاريش وتانين وداليت في إسرائيل، إلى حقل مارين-مارين على ساحل غزة في شمال شرق سوريا (غرب كوردستان )، وصولاً إلى كركوك (حيث استحوذت شركة بريتيش بتروليوم على خمسة حقول)، وحقل عكاظ في الأنبار (الذي يُقدّر احتياطيه بـ 5.6 تريليون قدم مكعب من الغاز). هناك 57 رقعة نفطية وغازية في إقليم كوردستان: حقول كورمور وجمجمال الغازية، استثمرت شركتان إماراتيتان في المشروع على مدى عشرين عامًا منذ عام 2006 (ومن المتوقع أن يصل إنتاج حقل كورمور وحده إلى مليار قدم مكعب يوميًا بحلول عام 2027). في حزيران 2025، وقع رئيس وزراء حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني وفريق مرافق له عقدين رئيسيين في واشنطن مع شركتين أمريكيتين للاستثمار في كل من حقلي توبخانة وكوردامير (بقيمة تزيد عن 100 مليار دولار).
نعم، كل هذا مُدرج على خريطة الطاقة الأمريكية الإسرائيلية. وهو موضوع يُناقش بوضوح في حكوماتهم ومراكز الأبحاث في المنطقة والعالم. حتى أطروحتي للدكتوراه يتناول هذا الموضوع. وقد ورد كل هذا في كتابنا الذي صدر عام 2024 من قبل مجموعة إميرالد في المملكة المتحدة بعنوان " Deciphering the Eastern Mediterranean's Hydrocarbon Dynamics: Unravelling Regional Shifts" وموجود على صفحة أمازون ويمكن الحصول عليه في 140 دولة. منذ عام 2016، وقد قمنا بانشاء مركز للدراسات تحت اسم "المؤسسة المتوسطية للدراسات الإقليمية" ونشرنا مئات البحوث والمقالات والمقابلات بثلاث لغات. كيف يُعقل أن تغفل مراكز صنع القرار العراقية والكوردية عن هذا؟


رابعًا، الإمارات العربية المتحدة وجزرها الثلاث
تضررت دول الخليج بشدة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. فالبحرين، التي لا تتجاوز مساحتها 786 كيلومترًا مربعًا (بحجم منطقة جمجمال)، هاجمتها إيران بـ 186 صاروخًا و419 طائرة مسيرة في شهر واحد فقط!
منذ سبعينيات القرن الماضي، تحلم الإمارات العربية المتحدة بتحرير جزرها الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسا) من السيطرة الإيرانية. وقد انظمت كل من الإمارات والبحرين إلى الاتفاق الإبراهيمي. وتستثمر شركتا مبادلة للبترول والطاقة، المملوكتان للدولة في الإمارات، في حقل تمار بالمياه الإسرائيلية منذ أكثر من ثلاث سنوات، كما اشترت الإمارات حصة 18% في شركة ديليك دريلينج بأكثر من مليار دولار.

تُعد هذه الحرب حربًا وجودية للخليج العربي عمومًا وللإمارات العربية المتحدة خصوصًا، إلا أن أقل الدول اهتمامًا وتهديدًا في الخليج هي سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية (لأسباب التأريخية وموقهم الجغرافي والافتصادي).


خامساً، هل تحول النظام العالمي؟
كما أوضح فريد زكريا في كتابه "العالم بعد أمريكا" عام ٢٠٠٨، ولاحقاً في كتابه "مستقبل الحرية"، أن الولايات المتحدة لم تعد تنظّم الجغرافيا السياسية كما كانت تفعل سابقاً. في الوقت الراهن أطول المباني ليست في الولايات المتحدة،  أكبر مصافي النفط موجودة في الهند، وشركات السيارات والهواتف المحمولة الأكثر مبيعاً ليست أمريكية بل صينية، وكذلك الأفلام الأكثر مشاهدة، وهكذا. كما يوضح فريد، نحن لا نتحدث عن تراجع الولايات المتحدة، بل عن صعود قوى أخرى، مثل الصين والهند (اللتان يزيد عدد سكانهما عن الولايات المتحدة بخمسة أضعاف على الأقل). إضافةً إلى ذلك، في هذا النظام العالمي الجديد، تتنافس قوى متوسطة-Middle Powers عديدة، مثل اليابان، والمملكة العربية السعودية، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وإسرائيل، وتركيا، وإيران، والبرازيل، وروسيا، وفرنسا، وغيرها، على صدارة المشهد العالمي. والأهم من ذلك، أن الصين وشركاتها التكنولوجية قد غزت كل بيت في العالم، مدعومةً بالذكاء الاصطناعي.
كما أوضحتُ بالتفصيل في كتابي الأكاديمي الأخير " Middle East Geopolitics and the Rise of Multipolarity: Global Turning Point" (دار سبرينغر للنشر)، فإنه، على الأقل من الآن فصاعدًا، يجب إدراك أن دور عمالقة التكنولوجيا والطاقة أمرٌ لا مفرّ منه. ومن هنا بدأ عصر شركات مثل: مايكروسوفت، وميتا، وتيك توك، وأمازون، وأوبن إيه آي، وألفابت، وتينسنت، وآبل، وستارلينك، وعلي بابا، وهواوي، وأوراكل، وأرامكو، وشيفرون، وتوتال إنرجيز، ونكست إيرا، وإيني، ومئات الشركات الكبرى الأخرى في مجالي الطاقة والتكنولوجيا، حيث يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تشكيل النظام العالمي.
يُطلق جوزيف ناي وروبرت كيوهان على هذا الوضع مصطلحي "تبادل القوى" و"تآكل القوى- Power Erosion". ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لا تقف بريطانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى جانب الولايات المتحدة. وتسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على هيمنتها وتعزيز قوتها الاقتصادية (كما فرض دونالد ترامب تعريفات جمركية على 180 دولة، بما في ذلك جميع حلفائه).

"من حيث الموقع والجيوسياسة، يُمثل الشرق الأوسط عمومًا، والخليج العربي خصوصًا، قلب التحول العالمي؛ أو بتعبير أدق، يُحدد ميزان القوى العالمي بين آسيا (الصين وإيران وروسيا) والعالم الغربي."
 هذه لحظة حساسة للبشرية.. كما قال فلاديمير لينين: "هناك عقود لا يحدث فيها شيء، وهناك أسبوع تحدث فيها أحداث عقود". تأتي الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في وقت حرج. فمنذ أحداث 11 سبتمبر 2001، انخرطت الولايات المتحدة في سلسلة من الحروب المدمرة في الشرق الأوسط، كلفت الولايات المتحدة وحلفاءها أكثر من 7 تريليونات دولار. وفي عام 2008، اندلعت الأزمة المالية العالمية، وفي عام 2020، شكل فيروس كورونا ضربة قاصمة للعالم، تلتها مباشرة الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، والتي لم تُشكّل بعدُ المشهد والنظام العالميين بشكل كامل. وأخيراً، ستضع الحرب الإسرائيلية الأمريكية في عام 2026 البشرية في مرحلة عصيبة، حيث ستدمر التحالفات والممرات المائية والأمن الغذائي والطاقة، وسيُعمّ التضخم الاقتصادي العالمي كل ركن من أركان العالم.
علاوة على ذلك، يعيش العالم في فوضى خطيرة، ويتضح أكثر فأكثر أنه لا توجد جهة أو قوة العظمى (أو أكثر) قادرة على إعادة تنظيم النظام العالمي. على سبيل المثال، لا توجد استراتيجية عالمية موحدة يمكن للدول أن تجتمع حولها لمواجهة التهديدات التي تشكلها عواقب الذكاء الاصطناعي على البشرية، أو التهديدات التي يشكلها تغير المناخ والاحتباس الحراري، أو أي وباء...!

النتائج
أمن الطاقة في الصميم: يقع أمن الطاقة في قلب الاستقرار المنظومي على المستويين الإقليمي والعالمي. يطرح الصراع في إيران خيارًا حادًا: إما أن يرضخ الحرس الثوري الإيراني، أو ستتعرض الأهداف الاستراتيجية في ايران الى هجوم الولايات المتحدة واسرائيل. وإذا فشلت المفاوضات، فقد يتطلب حسم الحرب حدثًا حاسمًا يعطّل القدرات البشرية والاقتصادية لإيران. وفي نهاية المطاف، سيتعيّن على المنتصرين صياغة سردية مقنعة لإضفاء الشرعية على أفعالهم على الساحة الدولية.
النفوذ العسكري والتكنولوجي والاقتصادي للولايات المتحدة: لا تزال الولايات المتحدة قوة مهيمنة عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا. ومنذ نهاية الحرب الباردة، قدّمت أيضًا دعمًا غير مسبوق لمجتمعات مثل الكورد. وبالنسبة للكورد، تتيح هذه المرحلة فرصًا فريدة ولكن فقط إذا أدركوا اللحظة الاستراتيجية وبنوا مؤسسات قوية، لا سيما في مجال أمن الطاقة الذي يشكّل أساس الاستقرار طويل الأمد والحكم الذاتي.
التأثير التحولي على العراق: بغض النظر عن النتائج المباشرة للحرب، سيشهد العراق تغييرات حاسمة وجذرية. سيعيد الصراع تشكيل البنى السياسية والاقتصادية والأمنية، مسلطًا الضوء على نقاط الضعف وحالات الاعتماد التي قيّدت السيادة العراقية لفترة طويلة.
صراع متعدد المراحل وممتد عبر مناطق متعددة: لن يحدث انتهاء الحرب في منطقة واحدة أو خلال فترة زمنية قصيرة. تتبع إسرائيل والولايات المتحدة استراتيجية مرحلية، إدراكًا منهما أن الطاقة تمثّل شريان الحياة لكلٍّ من الاقتصاد والدولار. ويركّز هذا النهج على السيطرة على طرق التجارة واحتياطيات النفط والغاز، وسيتم تنفيذه على مراحل عبر مناطق جغرافية متعددة.
مقاومة مستمرة وقيود داخلية: لا يقتصر التحدي الرئيسي أمام الولايات المتحدة وإسرائيل على الهجمات على السفارات أو عدم القدرة على إسقاط النظام الإيراني بشكل مباشر. فالمعارضة الشعبية للحرب، سواء داخل الولايات المتحدة أو عالميًا، تقيّد التحرك الفوري. وحتى إذا توقفت الأعمال العدائية مؤقتًا، فمن المرجح أن تعود الصراعات الكامنة إلى الظهور إلى أن تتحقق الأهداف الاستراتيجية بالكامل. وإذا تم السعي إلى تغيير النظام، فستكون جنوب إيران—موطن إقليم خوزستان النفطي الاستراتيجي—محورًا رئيسيًا. وتشير تقارير إلى أن مجموعات مختلفة، بما في ذلك مجاهدي خلق في ايران، والقوات الكوردية، والأذريون، والبلوش، تحتفظ بقدرات مسلحة جاهزة، مما يجعل وسط إيران العقبة الرئيسية. وقد استهدفت الضربات الجوية الإسرائيلية والأمريكية بالفعل ما يقارب 13,000 موقع في أنحاء البلاد، بما في ذلك طهران وأصفهان وكرج ومراكز حضرية أخرى.
الهجرة، والأزمات الإنسانية، وعدم الاستقرار المستمر: إن العواقب الإنسانية للحرب، بما في ذلك الهجرة الجماعية ومعاناة المدنيين، مفهومة جيدًا لدى الوكالات الدولية وصنّاع السياسات، بما في ذلك إدارة ترامب السابقة. وكما يشير جون ميرشايمر، قد تؤدي الصراعات إلى إضعاف الميليشيات مؤقتًا، لكنها غالبًا ما تعيد تشكيل نفسها مع مرور الوقت. وعليه، قد تتوقف الحرب، لكن اضطراباتها الأوسع—السياسية والاقتصادية والإنسانية من المرجح أن تستمر.

 

*خبير في أمن الطاقة وجغرافيا الطاقة السياسية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة قبرص الدولية. أحدث كتبه الأكاديمية بعنوان "جيوسياسية الشرق الأوسط وصعود التعددية القطبية: نقطة تحول عالمية" صدر عن دار Springer Nature، وزع في 180 دولة ويُحفظ في أكثر من 7,000 مكتبة ومؤسسة حول العالم.