كاوه عارب عمر
محامٍ متخصص في القانون الدولي
المدنيون تحت التهديد: التزامات القانون الدولي الإنساني والمسؤولية القانونية في إقليم كوردستان العراق
شهدت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، ولا سيما التصعيد في النزاع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، تدهورًا ملحوظًا في الوضع الأمني الإقليمي.
وفي هذا السياق، أدى التصعيد الذي شمل الجماعات المرتبطة بإيران في المنطقة، مثل الفصائل المسلحة في العراق، وحزب الله في لبنان، وجماعة الحوثيين (أنصار الله) في اليمن. وقد أصبح الإقليم هدفًا لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، رغم موقعه ضمن وموقف المحايد متزامن مع موقف الدولة العراقية الاتحادية وبُعده النسبي عن خطوط المواجهة المباشرة مازال تحت القصف يومي.
وتشير التقارير إلى أن هذه الهجمات، التي نفذتها قوات الفصائل المسلحة والقوات المسلحة الإيرانية، استهدفت المدنيين والأعيان المدنية، وهو ما يُحظر بموجب القانون الدولي الإنساني. وقد شملت هذه الهجمات مطارات مدنية، وسكانًا مدنيين، وقوات البيشمركة، وحتى المقرات الرسمية، بما في ذلك مقر إقامة رئيس إقليم كوردستان العراق.
وتفيد التقارير بأنه منذ أواخر فبراير 2026، تعرضت مناطق في الإقليم لمئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية والمرافق الأساسية. وتثير هذه التطورات تساؤلات قانونية وإنسانية مهمة، لا سيما فيما يتعلق بحماية المدنيين ومسؤوليات الدول والقوات المرتبطة بها بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي.
الإطار القانوني
ينطبق القانون الدولي الإنساني في حالات النزاع المسلح، سواء كان نزاعًا دوليًا أو غير دولي. ويُعد مبدأ التمييز من المبادئ الأساسية في هذا القانون، حيث يتوجب على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.
وتُعد الهجمات التي لا تحترم هذا المبدأ، أو التي تُلحق أضرارًا مفرطة بالمدنيين، أو التي تستخدم أسلحة و وسائل عشوائية في هجمات غير مشروعة، وقد ترقى إلى جرائم حرب.
وقد أكدت الاجتهادات القضائية الدولية، ومنها قضية دسكو تاديتش أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، أن النزاع المسلح موجد كلما تم اللجوء إلى القوة المسلحة أو استمرار أعمال العنف بين أطراف و جماعات منظمة، وأن الالتزامات القانونية تستمر حتى التوصل إلى تسوية سلمية. وفي هذا السياق، تبقى حماية المدنيين التزامًا قانونيًا أساسيًا لجميع الأطراف.
كما يحظر القانون الدولي الإنساني العرفي الهجمات العشوائية التي لا تُوجه إلى هدف عسكري محدد أو التي تستخدم وسائل لا يمكنها التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. إضافة إلى ذلك، يُعد العراق طرفًا في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف وكذلك اتفاقية جنيف الرابعة.
تأثير الهجمات على المدنيين ومخاوف الحماية
يثير نمط وحجم الهجمات الأخيرة مخاوف جدية بشأن آثارها الإنسانية على السكان المدنيين. وتشير المصادر المفتوحة إلى أضرار واسعة في البنية التحتية المدنية، بما في ذلك منشآت الطاقة ومطار أربيل الدولي والخدمات الأساسية الأخرى، مما قد يؤدي إلى آثار طويلة الأمد على حياة المدنيين، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا مثل النساء والأطفال.
وقد أكد القانون الدولي باستمرار حظر الهجمات التي تهدف إلى نشر الخوف والرعب بين السكان المدنيين. وعلى الرغم من أن التقييم القانوني لكل حادثة يتطلب دراسة دقيقة، إلا أن حماية المدنيين تظل مبدأً أساسيًا في جميع النزاعات المسلحة.
مسؤولية الدولة والقوات المرتبطة بها
تُعد مسألة المسؤولية من القضايا الأساسية في النزاعات التي تشمل عدة أطراف. فبموجب القانون الدولي، يمكن إسناد أفعال أجهزة الدولة أو الكيانات التي تعمل تحت سلطتها إلى الدولة نفسها.
وفي العراق، تم دمج قوات الحشد الشعبي رسميًا ضمن هيكل القوات المسلحة للدولة. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار أفعالها، في بعض الحالات، أفعالًا منسوبة إلى الدولة، خاصة عندما تعمل ضمن هياكل القيادة الرسمية.
وفي الوقت ذاته، فإن الطبيعة المعقدة لقوات الحشد الشعبي، التي تضم وحدات متعددة بدرجات متفاوتة من التنسيق، تعني أن مسألة الإسناد والمسؤولية قد تختلف بحسب كل حالة.
دور سلطة الدولة
تقع على عاتق الدول التزامات لا تقتصر على الامتناع عن ارتكاب الأفعال غير المشروعة، بل تشمل أيضًا اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الانتهاكات داخل نطاق ولايتها. ويتضمن ذلك ضمان امتثال جميع القوات المرتبطة بها للمعايير القانونية الدولية.
ويُستخدم مفهوم "غير راغب أو غير قادر" في بعض النقاشات الدولية لتقييم ما إذا كانت الدولة تتخذ الإجراءات الكافية لمعالجة الأفعال الضارة و الجرائم الصادرة من داخل أراضيها أو من قبل جهات خاضعة لسلطتها. ويعكس هذا المفهوم مبدأ واجب العناية الواجبة في منع الضرر وضمان المساءلة.
وفي هذا الإطار، تلعب السلطات الاتحادية، وخاصة القيادة العليا و القائد العام لقوات المسلحة العراقية، دورًا حاسمًا في ضمان الرقابة والتنسيق والامتثال للالتزامات الدولية.
المساءلة والشفافية
في ظل البيئة الدولية الحالية، يتم توثيق حوادث العنف المسلح على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام والمصادر المفتوحة. وقد أقرت الممارسات القانونية الدولية، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية، بأن المعلومات المتاحة علنًا يمكن أن تكون ذات صلة كدليل في تقييم مدى علم المسؤولين بالأحداث الجارية.
وتتطلب المساءلة وجود شفافية وتوثيق واستعداد للتحقيق في مزاعم الانتهاكات. وهذه الاجرأت و العمليات ضرورية ليس فقط لتحقيق العدالة، بل أيضًا للحفاظ على الثقة العامة ومنع المزيد من التصعيد.
الخاتمة
تعكس الحالة في إقليم كوردستان التداخل المعقد بين الأمن والسيادة والمسؤولية القانونية في أوقات النزاع. وعلى الرغم من استمرار تطور السياق الإقليمي، فإن حماية المدنيين تظل التزامًا أساسيًا وغير قابل للتفاوض بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القواعد وواجبات الدولة تجاه الجميع المواطنين في بذل العناية الواجبة والتوفير الحماية اللازمة.
ويتطلب التعامل مع هذه التحديات حوكمة مسؤولة، ورقابة فعالة، والتزامًا حقيقيًا بسيادة القانون. وقد يؤدي الإخفاق في ذلك إلى إثارة تساؤلات أوسع حول مسؤولية الدولة بموجب القانون الدولي، ودور المجتمع الدولي في دعم حماية المدنيين، بما في ذلك من .(R2P) واجب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تحت الية مبدأ المسؤولية الحماية.