لا تلتوي القامة التي سُقيت بدماء الشهداء

لا تلتوي القامة التي سُقيت بدماء الشهداء
لا تلتوي القامة التي سُقيت بدماء الشهداء

قد تلتوي المياه، وقد تنحني الطرق، وقد تتبدل المواقف مع أول ريح، لكن الإنسان الكوردي لا يلتوي ولا ينحني. لأنه لم يُصغ من كلمات عابرة، بل من تاريخٍ كُتب بالتضحيات، ومن ذاكرةٍ مثقلة بأسماء الشهداء.

ليس الثبات شعارًا يُرفع، بل ثمنٌ يُدفع. وكلما حاولت العواصف أن تُخضع هذه القامة، كانت الجبال تذكّر بأن من قدّم كل هذا الدم، لا يمكن أن يساوم على كرامته. هنا، لا تُقاس المواقف بما يُقال في الخطب، بل بما دُفع في ساحات المواجهة، وبما خُطّ على شواهد القبور.

الكورد لم يكونوا يومًا عشّاق حرب، لكنهم كانوا دائمًا أهل صمود. دافعوا حين فُرض الدفاع، ووقفوا حين كان السقوط أسهل، ودفعوا من أرواح أبنائهم ما يكفي ليكون الثبات قدرًا لا خيارًا. لذلك، حين يُطلب منهم أن ينحنوا، يبدو الطلب كأنه جهلٌ بكل هذا التاريخ، أو تجاهلٌ متعمّد له.

 قد تُغري الطرقُ المنحنية بالسير، وقد تبدو المياه الملتوية أكثر سهولة، لكن الكوردي تعلّم من دماء شهدائه أن الطريق المستقيم، مهما كان قاسيًا، هو الطريق الوحيد الذي لا يُفقده نفسه. لهذا، حين تلتوي المياه وتنحني الطرق، يبقى الكوردي واقفًا، لأن وراءه دماءً لا تسمح له بالانحناء، وأمامَه كرامةٌ لا تقبل الالتواء.

  رحيل الزوجين الشهيدين (موسى وموزده) بهذه الطريقة ليس مجرد فقدان. بل كسرٌ عميق في معنى العدالة نفسها. أما ترك طفلتين في الثالثة والخامسة من عمرهما فجأة في مواجهة عالم لا يفهمان قسوته بعد، فهذا وحده كافٍ لنسف كل الشعارات التي تُرفع باسم الشرعية أو الإنسانية، أو حتى الحرب.

  لا توجد شريعة حقيقية (أيًا كان مصدرها) تقبل بالقتل بسبب مرتبط بالأصل أو اللغة أو الانتماء. ولا عدالة يمكن أن تُبنى فوق أجساد الأبرياء. ولا إنسانية تبقى إن صمتت أمام هذا المشهد.

   ما حدث ليس مجرد خطأ أوأثر جانبي، بل جريمة مضاعفة وفشل أخلاقي كامل، فشل في حماية القيم، وفشل في ضبط القوة، وفشل في تذكّر أن الإنسان، أي إنسان، ليس رقمًا في معادلة.

  في النهاية، ضحايا هذه الجریمة المتعمدة ليست عائلة واحدة فقط، بل معنى العيش المشترك نفسه في منطقة تبرر فيها ما لا يُبرَّر، وتُقاس العدالة فيها بالقوة وإسكات الضمير، وتُفسَّر بالسياسة، وتُجزَّأ الإنسانية حسب الهوية. وعندما يحاول أحدهم أن يغلّف ذلك بكلمات مثل (الخطأ)، فهذا لا يخفف الجريمة، بل يضيف إليها طبقة أخرى من قسوة: قتل الحقيقة، وتبرير جريمة كهذه هو جريمة بحدّ ذاته، وأخطر من الجريمة نفسها، لأنه يفتح الباب لتكرارها.

رحم الله الزوجين الشهيدين برحمته الواسعة، وجعل لهاتين الطفلتين من هذا الألم بابًا لرحمةٍ تحيط بهما. وألهمهما من الصبر ما يفوق أعمارهن، وهيأ لهما قلوبًا لا تقسو، وأيادي لا تتركهما وحدهما في هذا العالم.