الأنفال .. جرحٌ لا يزال نازفاً في ذاكرة كوردستان

الأنفال .. جرحٌ لا يزال نازفاً في ذاكرة كوردستان
الأنفال .. جرحٌ لا يزال نازفاً في ذاكرة كوردستان

‎في 14 من نيسان/أبريل من كل عام، يستذكر إقليم كوردستان العراق شهداء وضحايا حملة الأنفال التي ارتكبها النظام البائد عام 1988 بحق المدنيين الأبرياء العزّل في مختلف مناطق وقرى كوردستان وقد راح ضحية هذه الجريمة عشرات الآلاف من الأشخاص من مختلف الفئات العمرية فقط لأنهم رفضوا الظلم والجور ولم يقبلوا الخضوع لسياسات القمع والاستبداد.

وتُعد حملة الأنفال واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي العراقي السابق ضد الكورد والكوردستانيين إذ لم تقتصر على القتل الجماعي فحسب، بل شملت النفي القسري، والاعتقال والإخفاء والدفن في المقابر الجماعية بل ودفن العديد من الضحايا وهم أحياء في صحارى وسط العراق وجنوبه وحتى اليوم ما يزال عدد كبير من الضحايا في عداد المفقودين، ولا يزال مصيرهم مجهولاً في مشهد يعكس حجم المأساة التي تعرض لها هذا الشعب.

ثماني مراحل من القتل والتدمير:

شملت حملة الأنفال ثماني عمليات كبرى نُفذت على ثماني مراحل استمر كل منها نحو أسبوعين وقد بدأ التخطيط لهذه الحملة منذ عام 1987، بعد أسبوعين فقط من تعيين صدام حسين لابن عمه علي حسن المجيد رئيساً لمكتب شؤون الشمال في مجلس قيادة الثورة حيث كُلّف بإعادة السيطرة على المنطقة عبر استخدام مختلف أساليب القمع والترويع.

وخلال تلك المراحل تعرضت مناطق واسعة من كوردستان إلى القصف والتدمير بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية ضد القرى والمناطق المأهولة بالسكان كما تضمنت الحملة عمليات إعدام جماعية وتهجيراً واسعاً، وأسفرت عن إخلاء أكثر من 4000 قرية ومنطقة كوردية ومحو عدد كبير منها بالكامل من الخارطة.

وشملت المناطق المتضررة قرى وبلدات ومناطق عديدة، منها: سركلو، بركلو، سورداشي، قراداغ، خورماتو، كلار، كفري، دربندخان، جمجمال، منطقة النهر الصغير، آغجلر، كوبتكه، عسكر، شيخ بزيني، كويه، خالكان، دوكان، باليسان، شقلاوة، هيران، نازنين، سماقولي، دولي آلان، رواندوز، جومان، سلسلة جبال قنديل، رانية، چوارقورنه، هزوب، جبال باواجى، إضافة إلى أجزاء من قرى كويه، ديبگە، پردێ، آميدي، دهوك، زاخو، شيخان، آكري وبارزان. وقد مُحيت بعض هذه القرى تماماً من الوجود، في محاولة واضحة لاقتلاع الإنسان الكوردي من أرضه وتاريخه وذاكرته.

اعتراف قضائي يؤكد بشاعة الجريمة:

وفي مطلع عام 2010، اعتبرت المحكمة الجنائية العليا العراقية حملة الأنفال جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية في خطوة مهمة على طريق تثبيت الحقيقة وإنصاف الضحايا كما أدانت علي حسن المجيد بالإشراف على الهجوم الكيميائي الذي استهدف مدينة حلبجة الكوردستانية وصدر بحقه حكم بالإعدام الذي نُفذ في 25 كانون الثاني/يناير 2010.

وقد مثّل هذا القرار القضائي اعترافاً رسمياً بحجم الجريمة التي ارتُكبت لكنه لم يكن نهاية المطاف لأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بإنصاف الضحايا وذويهم والكشف عن مصير المفقودين وتعويض المتضررين وصون الذاكرة الوطنية من النسيان أو التهميش.

الإنصاف حق دستوري وإنساني:

وفي هذه المناسبة الأليمة أكد رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني أن ما يثير الأسف والقلق هو عدم تنفيذ المادة 132 من الدستور العراقي حتى الآن، وهي المادة التي تتعلق بتعويض وإنصاف المتضررين من النظام السابق ومن بينهم ذوو ضحايا حملات الأنفال وسائر الجرائم الأخرى التي ارتكبها النظام البعثي.

ويُعد تنفيذ هذه المادة استحقاقاً دستورياً وأخلاقياً لا يحتمل التأخير لأن إنصاف الضحايا ليس تفضلاً من أحد، بل حق ثابت تكفله القوانين وتفرضه العدالة. كما أن تعويض المتضررين وذوي الضحايا تعويضاً عادلاً ومنصفاً يليق بما تحملوه من ألم ومعاناة يمثل خطوة أساسية في ترسيخ العدالة الانتقالية وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة وضمان عدم تكرار مثل هذه الإبادات مستقبلاً.

وتؤكد حكومة إقليم كوردستان استمرار سعيها الحثيث، بالتعاون مع البرلمان العراقي والحكومة الاتحادية، لتنفيذ المادة 132 من الدستور العراقي، بما يضمن تعويض المتضررين من حملات الأنفال وسائر الجرائم التي ارتكبها النظام السابق تعويضاً عادلاً ومستحقاً يحفظ كرامتهم ويصون حقوقهم.

الذاكرة الحية ضمانة لعدم التكرار:

إن حملة الأنفال ليست مجرد ذكرى مؤلمة من الماضي، بل جرح مفتوح في الضمير الإنساني ودليل صارخ على ما يمكن أن يفعله الاستبداد حين يتجرد من كل القيم، ومن هنا فإن إحياء هذه الذكرى يجب ألا يقتصر على المراسم السنوية، بل ينبغي أن يتحول إلى التزام دائم بالتوثيق والتوعية وتعريف الأجيال الجديدة بحقيقة ما جرى حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم تحت أي ظرف أو ذريعة.

فالشعوب التي تحفظ ذاكرتها وتواجه ماضيها بشجاعة تكون أكثر قدرة على بناء مستقبل قائم على العدالة والكرامة وحقوق الإنسان والوفاء الحقيقي لشهداء الأنفال لا يكون فقط برثائهم بل بالعمل الجاد من أجل إنصافهم والدفاع عن حقوق ذويهم وترسيخ ثقافة السلام والتعايش ورفض كل أشكال الإبادة والعنصرية والاضطهاد.

خاتمة

بعد 38 عاماً، ما تزال حملة الأنفال واحدة من أكثر الصفحات ألماً وسواداً في تاريخ العراق الحديث لكنها في الوقت نفسه تبقى شاهداً على صمود شعبٍ واجه الإبادة بالقوة والإيمان والتمسك بالحياة إن إحياء هذه الذكرى اليوم ليس مجرد استرجاع لماضٍ موجع بل هو تأكيد متجدد على أن دماء الضحايا لن تُنسى وأن حقوقهم وحقوق ذويهم ستبقى مطلباً مشروعاً حتى يتحقق الإنصاف الكامل.

إن العدالة لشهداء الأنفال تبدأ بالاعتراف الصادق بحجم الجريمة وتمضي عبر تعويض المتضررين والكشف عن مصير المفقودين وتنتهي ببناء مستقبل لا مكان فيه للظلم أو الإقصاء أو التمييز وهكذا فقط تتحول الذكرى من ألمٍ عميق إلى قوة أخلاقية ووطنية تحمي الإنسان وتصون الكرامة وتمنع تكرار المأساة.