د. حمدي سنجاري
اراء
الحزب الديمقراطي الكوردستاني: سبعة عقود من الوفاء الوطني
في زمن تتآكل فيه المبادئ وتتآكل معها الثقة، ويصبح الوفاء بالوعد نادراً كالمطر في الصحراء، يبقى الحزب الديمقراطي الكوردستاني «البارتي» علامةً فارقة في المشهد السياسي العراقي والإقليمي. فمنذ تأسيسه عام 1946 على يد القائد الخالد ملا مصطفى البارزاني، لم يكن هذا الحزب مجرد تنظيم سياسي يسعى لمصالح ضيقة، بل كان ولا يزال مشروعاً حضارياً متكاملاً يرتكز على ثلاثة ركائز لا تقبل المساومة: الكرامة، والوعد، والضمير.
من هو البارتي؟
يخطئ من يختزل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في خانة الأحزاب القومية ذات الأفق المحدود، فهو أشمل وأعمق من ذلك بكثير. «البارتي» حزب يحمل في دمه تاريخاً طويلاً من النضال من أجل الحرية والكرامة، لكنه في الوقت ذاته حزب يرى في وحدة العراق وسيادته ركيزةً لا يمكن التفريط بها. وقد أثبت ذلك عملياً لا خطابياً، في أصعب المحطات وأشدها اختباراً للمواقف.
منذ اللحظات الأولى لتأسيسه، حمل «البارتي» رسالةً مزدوجة: الدفاع عن الهوية الكوردية وصون حقوقها من جهة، والانخراط الكامل في بناء الدولة العراقية من جهة أخرى. ولم يكن ذلك ترفاً سياسياً أو ازدواجية في الولاء، بل كان تعبيراً صادقاً عن قناعة راسخة مفادها أن الأخوة العربية الكوردية ليست شعاراً انتخابياً، بل حقيقة تاريخية وإنسانية يجب صونها والبناء عليها.
عام 2003: حين وحّد الكورد العراق
حين سقط نظام صدام عام 2003، وجد العراق نفسه أمام فراغ سياسي هائل وتحديات وجودية مصيرية. في تلك اللحظة الحرجة، كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني شريكاً فاعلاً ومحورياً في إعادة بناء الدولة العراقية، ومقدماً نموذجاً للشراكة السياسية البنّاءة في مرحلة بالغة الدقة والتعقيد.
عام 2005: حين رسم الكورد قواعد اللعبة الديمقراطية
مع صياغة منظومة الحكم العراقي عام 2005، وتثبيت الأعراف المتعلقة بتوزيع الرئاسات الثلاث، كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني طرفاً رئيسياً في ترسيخ هذا التوافق الوطني. وفي مشهد بالغ الدلالة، يكشف عمق نظرته إلى المصلحة الوطنية العليا، آثر الرئيس مسعود بارزاني تقديم مرشح للرئاسة العراقية من خارج صفوف حزبه، فرشّح الزعيم الراحل جلال طالباني لهذا المنصب الرفيع، بعد أن رفض لنفسه هذا الموقع رفضاً قاطعاً لا تردد فيه ولا مراجعة. وهو موقف لا يصدر إلا عن قائد راسخ، يضع مصلحة الوطن فوق كل حسابات الحزب والذات.
وعلى هذا المنوال ذاته، دأب الرئيس بارزاني على التأكيد أن لقب «البيشمركة» ـ (المقاتل الذي يواجه الموت) بصدر رحب ـ يظل أعز الألقاب وأقربها إلى قلبه، متقدماً به على ما سواه من مناصب سياسية أو إدارية رفيعة تقلّدها على مدار مسيرته. وفي ذلك دلالة عميقة على هوية رجل عسكري صنعه الكفاح، قبل أن يصنعه الحكم.
معركة داعش: حين دافع الكورد عن العراق كله
حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي مساحات شاسعة من الأراضي العراقية عام 2014، وأسقط مدناً بأكملها في غضون أيام، وقفت قوات البيشمركة سداً منيعاً في وجه هذا المد الإجرامي؛ ليس دفاعاً عن الكورد وحدهم، بل دفاعاً عن العراق بجميع مكوناته وأطيافه، بل عن الإنسانية جمعاء، وهو ما أقرّ به المجتمع الدولي وأكدته شهادات قادة ومسؤولين من شتى أنحاء العالم.
وقد نُسجت في تلك الملاحم الكبرى صور خالدة من التضامن الإنساني الرفيع، حين وقف الكورد جنباً إلى جنب مع إخوانهم العرب وسائر مكونات الشعب العراقي، في مواجهة واحدة للإرهاب الأعمى. وهذا الموقف التاريخي لا تمحوه الأيام، ولا تطمسه حسابات السياسة ومنعطفاتها.
وتكتمل هذه الصورة بمشهد إنساني لا يقل عمقاً ورسوخاً؛ إذ أشارت إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن قرابة ثلاثة ملايين ونصف المليون نازح فرّوا من المناطق التي اجتاحها التنظيم، في وقت كانت فيه المعابر الأخرى مغلقة والطرق موحشة. غير أن الرئيس مسعود بارزاني فتح أبواب إقليم كوردستان أمام هؤلاء النازحين دون تمييز أو تردد، وهو ما أشاد به الكثيرون، وأكدوا أن موقف بارزاني ذاك كان نموذجاً استثنائياً في الإخاء الوطني والمسؤولية الإنسانية.
كوردستان نموذجاً للتعايش
في خضم محيط إقليمي يغلي بالصراعات والتوترات، يقف إقليم كوردستان العراق نموذجاً استثنائياً يشهد له المجتمع الدولي قبل غيره. فهي منطقة استقبلت مئات الآلاف من النازحين العرب والمسيحيين وسائر المكونات، وأمّنت لهم الملجأ والكرامة والحياة الكريمة. وفي كوردستان، يسكن العرب والكورد والمسيحيون والإيزيديون جنباً إلى جنب في نسيج اجتماعي متماسك يعكس عمق الأخوة الإنسانية لا زيفها.
وهذا بالطبع لا يتحقق من فراغ، بل هو نتاج سياسات ثابتة يرسيها الحزب الديمقراطي الكوردستاني على مدى عقود، سياسات تنظر إلى التنوع بوصفه ثروة لا عبئاً، وإلى الآخر بوصفه شريكاً لا خصماً.
القيادة التي تعني ما تقول
ثمة فارق جوهري بين القائد الذي يقود وبين المسؤول الذي يدير. الرئيس مسعود بارزاني ينتمي إلى صنف القادة النادرين الذين يحملون هموم الوطن كله، لا هموم طائفة بعينها أو جغرافية محددة. فهو الرجل الذي لا يمر على أنين مواطن عراقي سواء جاء من البصرة أم من النجف أم من بابل أم من أي بقعة في العراق إلا ويتعامل معه بذات الاهتمام والرعاية التي يوليها للمواطن الكوردي. وهذا ليس ادعاءً، بل سلوك موثق وتاريخ يشهد عليه المقربون والبعيدون على حد سواء.
وما يقوم به الرئيس بارزاني اليوم ليس ابتكاراً شخصياً، بل هو امتداد طبيعي لإرث عريق ورثه من والده القائد الخالد ملا مصطفى بارزاني، الذي آمن بأن الزعامة الحقيقية رسالة إنسانية شاملة قبل أن تكون مركزاً للسلطة. وفي هذا المعنى يجتهد الرئيس مسعود في أن يكون الوريث الأمين لهذا الإرث، ساعياً إلى تخليده وتعليمه للأجيال القادمة.
موقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني من رئاسة الجمهورية
لم يكن موقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني من ملف رئاسة الجمهورية نابعاً من تعصب للأسماء أو تشبثاً بالأشخاص، بل كان تعبيراً صادقاً عن مبدأ راسخ يؤمن به الرئيس مسعود بارزاني: أن يكون هذا المنصب الرفيع حكراً على شخصية كوردية تليق بحجم العراق ومكانته، وأن يُتوصل إليها بتوافق حقيقي داخل البيت الكوردي، على غرار ما هو معمول به في منصب رئيس الوزراء داخل البيت الشيعي، ومنصب رئيس البرلمان داخل البيت السني. وفي هذا الإطار، ضمانة جوهرية لصون مبدأ التوازن السياسي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل مكوّن.
وعلى هذه القاعدة تحديداً، أبدى الرئيس بارزاني موافقته على ترشيح نزار أميدي لهذا المنصب، غير أنه اشترط لذلك استيفاء شرط لا تنازل عنه: أن يسبق ذلك توافق كوردي-كوردي حقيقي، يُفضي إلى سحب ترشيح فؤاد حسين، والدخول إلى قبة البرلمان بصوت كوردي موحد. وقد جرى التوصل إلى اتفاق مبدئي مع قيادات الاتحاد الوطني الكوردستاني على هذا الأساس، إلا أن تلك الاتفاقات لم تصمد طويلاً أمام مناورات أُديرت خلف الكواليس، سعت إلى تجاوز هذا المبدأ وكسره. والتاريخ السياسي وشواهد المشهد الراهن خير شاهد على ما آل إليه ذلك، والحليم تكفيه الإشارة.
واقع سياسي يستوجب المراجعة والوعي
لا تستقيم أي قراءة أمينة للمشهد السياسي الكوردي دون الوقوف عند ظاهرة باتت تستأثر بالاهتمام وتستوجب المعالجة الجادة، ظاهرة صعود بعض القيادات الشابة التي تمسك بزمام القرار في بعض الأحزاب، دون أن تمتلك العمق التاريخي أو الرصيد التجريبي اللازمَين لتحمّل هذه المسؤولية الجسيمة. قيادات لا تعير اهتماماً يُذكر لحرمة التاريخ، ولا لقيمة الكرامة، ولا لثقل العهود والمواثيق. وقد بات من المألوف أن تُعلن هذه القيادات توافقاً في اليوم الأول لتنكث به في اليوم التالي، منقلبةً على من فتح لها أبواب الشراكة الوطنية. وهذا السلوك لا يشكّل خطراً على العلاقات الكوردية-الكوردية وحدها، بل يمتد ليطال علاقة الكورد بشركائهم العرب وسائر مكونات النسيج العراقي.
في المقابل، يبقى الحزب الديمقراطي الكوردستاني راسخاً على مبادئه التي لم تتزعزع بتبدّل الرياح، ووفياً بعهوده التي طالما ميّزته. والتاريخ، لا الشعارات، هو الشاهد الأعدل والأبقى.
جذور أعمق من المواقف العابرة
في نهاية المطاف، لن تعكّر مواقف الضعيف أو نزوات التهور الفردي صفاءَ العلاقة التاريخية بين العرب والكورد. فهذه الأخوة لم تُبنَ في يوم، ولن تُهدم بموقف. إنها معجونة بالدم المشترك والكفاح المشترك والألم المشترك عبر عقود.
وما كان الدم الكوردي يجري في عروق أبناء الجنوب العراقي وحدهم وهم يحتضنون عائلات كوردية فارّة من بطش النظام، بل كانت ذلك شهادة حية على وحدة المصير. فقد أسدت مناطق كنكرة سلمان والسماوة والناصرية يداً بيضاء لأبناء كوردستان في أحلك ساعات المحنة، حين كانت آلة القمع البعثية لا تُفرّق في ضحاياها بين كوردي وعربي وتركماني ومسيحي وشيعي وسني. وفي سجون أبو غريب المظلمة، نُسجت بين السجناء من مختلف المكونات أواصر إنسانية عصيّة على النسيان، تشهد على أن النظام الديكتاتوري لم يرحم أحداً، وأن المعاناة المشتركة ولّدت أخوةً حقيقية لا تصطنعها السياسة.
لذلك، فإن الشراكة الوطنية الحقيقية ينبغي أن تُبنى بين أصحاب التاريخ النضالي الأصيل، لا بين من جاؤوا على أمواج الخلافات وأفرزتهم صراعات المكونات. ومن هنا تتأكد ضرورة أن يكون المواطن العراقي يقظاً واعياً، لا تستهويه التصريحات الرنانة ولا تستدرجه الادعاءات الزائفة، ولا سيما تلك التي تروّج لها أبواق تخدم مصالح ضيقة، وتوظّف الجيوش الإلكترونية لتشويش الرأي العام وتزوير الحقائق، في مسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل عام 2003.
«البارتي» شريك في الوطن لا طرف في الانقسام
إن ما يؤكده الرئيس مسعود بارزاني في كل مناسبة، وما يُجسّده توجيهه لأعضاء كتلة الحزب البرلمانية بأن يمثّلوا العراق كله وأن يكونوا في خدمة جميع العراقيين بمختلف ألوانهم ومدنهم، يُفنّد بجلاء كل ادعاء يصف الحزب بالنزعة الانفصالية. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكن يوماً حزباً انفصالياً، ولم يدعُ إلى تفتيت العراق، بل هو ماضٍ في تأكيد أخوة العرب والكورد وترسيخها وتعليمها للأجيال القادمة، لأنه يعلم يقيناً أن العراق الموحد هو الوطن الذي يستحق الدفاع عنه والبناء فيه.
والحقيقة لا يصحّ إلا الصحيح، والتاريخ يُسجّل، والأجيال القادمة ستعرف من وقف مع الوطن ومن تاجر به.