ضياء بطرس
كاتب
خدمة العلم ( التجنيد الالزامي)... ام إعادة انتاج الازمات
ماهي الحكمة بتشريع قانون التجنيد الالزامي تحت مسمى( خدمة العلم) وماهي استفادة العراق من عسكرة الشباب اليس هذا الاصرارا محاولة واضحة لاختزال المواطنة بفوهة البندقية؟ علما في الوقت الحاضر لدينا جيش نظامي وحشد شعبي ومؤسسات امنية واستخباراتية مرتبطة بوزارة الدفاع ولدينا قوات الشرطة والامن المرتبطون بوزارة الداخلية ولدينا قوات البشمرگة وقوات 70 و 80 العسكرية، العراق اليوم يحتاج الى نهضة مدنية مجتمعية، والاستفادة من الموارد البشرية في ظل النظام الديمقراطي الاتحادي اعتمادا على البنود الدستورية التي تساند تشريع القوانين.
ان الدستور العراقي في المادة 9 / ثانيا ينص: (تنظم خدمة العلم بقانون) ولم يتطرق الى التجنيد الالزامي مطلقا، المشرع الدستوري كان بليغا حين دون مصطلح (خدمة العلم ) وليس عسكرة الشباب، خدمة العلم في انظمة الدول الديمقراطية الحديثة هي ان كل واطن ممكن ان يخدم الدولة بدون مقابل وحسب اختصاصه فالطبيب المتخرج حديثا ممكن ان يذهب الى القرى النائية ويخدم باحد المراكز الصحية، وكذلك المهندس يخطط ويشارك بنهضة البناء واصلاح الجسور المحطمة، وايضا المعلم والمدرس يدرس في المدارس التي تعاني من شحة الهيئة التعليمية والتدريسية والاستاذ الجامعي الاكاديمي في المراكز البحثية العليمة، وحتى الذين لم يكملوا دراستهم وتعليمهم استخدامهم كقوى عاملة في كل مؤسسات الدولة التي تعاني من نقص الخدمات، لذا فأن تحويل النص الوارد في المادة 9/ ثانيا الى قانون التجنيد الاجباري ليس إلا التحريف لإرادة المشرع الدستوري.
العراق وفقا للاستقراءات التقديرية حاليا لديه اكثر من مليون ونصف منتسب بكافة الصنوف العسكرية والامنية وشابهتها التي ذكرتها اعلاه، حيث وزارة الدفاع لوحدها ميزانيتها السنوية تفوق 10 ترليون دينار اي بحدود 7% من ميزانية العراق الاجمالي اما لو جمعنا جميع الجهات العسكرية والامنية فان ميزانيتهم السنوية تقدر بين 18- 20 % من الدخل القومي السنوي والعراق حاليا تحت وطأة الترهل الاقتصادي، بعد تشريع القانون ويدخل حيز التنفيذ سيضاف على الميزانية المخصصة مليارات دنانير اخرى لتغطية النفقات اللازمة،وبتقديري عدد الذين يشملهم التجنيد الالزامي يفوق عن مليون مجند، مما يؤدي الى تخصيص ميزانية اكثر من 15 ٪ فقط لوزارة الدفاع من ميزانية العراق في الوقت الذي العراق يعاني من الوضع الاقتصادي السيء حاليا،حقيقة أن هذا لتفكير والتوجه لا يخدم الدولة ولا أمنها، بدلا من صرف مبالغ على المجندين ينبغي تطوير وتحسين القوى العسكرية وادواتها للدفاع عن الدولة، الحروب حاليا تدار بالتكنلوجيا والذكاء الصناعي وبادوات قتالية حديثة متطورة، بتقديري هذا القانون سيفتح أبوابا واسعة لفساد العقود العسكرية وتمويل المكاتب الاقتصادية التابعة للقوى المتنفذة استنادا على الفساد الاداري والمالي المستشري بالبلد.
اعتمادا على مشروع قانون المسمى بخدمة العلم ( التجنيد الاجباري) حسب ما اطلعنا عليه من خلال القراءة الاولى له في مجلس النواب العراقي، وفقا لمواده وفقراته فانه يعتبر تجنيد اجباري لانه تم تحديد عمرالمجند بين ١٩-٣٠ سنة، وايضا تم تحديد مدة الخدمة كما يلي: الذين ليس لهم شهادة دراسية لحد الاعدادية لاي سبب ( ١٨ شهر، وجميع خريجي الكليات والمعاهد( ٩ اشهر)، والماجستير( ٦ اشهر) ، والدكتوراه ( ٣ اشهر)، وهذا يعتبر الزام كل الذكور ( باستثناء من هو وحيد العائلة)، او يدفع البدل النقدي مقابل عدم الخدمة !! فهل هذا هو( صك غفران للأغنياء وعقوبة طبقية بحق الفقراء)،هذا الاجراء او الشرط بحد ذاته يدخل في باب التمييزالسلبي وانتهاك لحقوق الانسان في المجتمع العراقي، لانه يعطي شرعية للميسورين والمتمكنين بعدم الخدمة اما الفقراء واصحاب الدخل الضعيف وهم الغالبية من الشعب العراقي عليهم الالتزام بالتجنيد الالزامي، وكل من لا يلتزم او لايدفع البدل سوف يعاقب، هذه المقايضة تحول الواجب الوطني (خدمة العلم) إلى سلعة تجارية، وتضرب وتقتل مبدأ العدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص، مما يولد شرخا كبيرا في الثقة بين المواطن والسلطة.
العراق لا يحتاج لزيادة عدد حملة البنادق، بل هو بحاجة إلى عقول شبابية تدير موارده لبناء مجتمع مدني يتماشا مع التطور والتكنلوجيا الحديثة، وأيادي تزرع أرضه، وتبني وتعمرالبنية التحتية المتهالكة، إن عسكرة الدولة هي اعتراف صريح بالفشل في بناء اقتصاد مدني منتج يستوعب طاقات الشباب واستخدامهم بالتنمية وليس بالعسكرة، اي شاب حين يتخرج من الهندسة أو الطب أو المعاهد التقنية، يخدم وطنه بفاعلية أكبر إذا ما وفرت له بيئة عمل تخصصية تساهم في الناتج المحلي الإجمالي، لان زج هؤلاء الشباب في نظام عسكري صارم لفترات تتراوح بين 3 - 18 شهرا سيعطل عجلة الإنتاج ويخلق جيلا محبطا يرى في الدولة أداة قمع وهدر لوقته وطموحه بدلا من كونها راعية لمستقبله، انني على ثقة بان الوطنيون والممثليون الحقيقيون لشعبنا العراقي في مجلس النواب العراقي سيرفضون تشريع هذا القانون المخالف دستوريا وقانونيا لان يؤدي الى تحويل الدولة إلى ثكنات عسكرية، الشباب هم طاقة الإعمار لا وقود للسياسات الخاطئة، ينبغي استثمارهم في الجيش الإلكتروني التقني، أو الجيش الطبي، أو فرق الإعمار الهندسي، او الجيش التربوي والتعليمي،هذا الاجراء سيحقق القفزة النوعية للعراق، الا اذا كانت السلطة والقوى السياسية لا سامح الله تخشى من المجتمع الشبابي المدني المنظم والواعي لخدمة الدولة واستنهاضها.
بلدنا اليوم يعاني من بطالة وقسم منها مقنعة، لذا التجنيد الالزامي لعشرات مئات الآلاف من الشباب، يمنح القوى السياسية نفوذا مباشرا عليهم وعلى عوائلهم، أو حتى من خلال العقود التجهيزية الضخمة من احتياجهم (الاسكان،الإطعام، الملابس، التسليح، التدريب) التي تؤدي الى خلق شبكة من المصالح والولاءات وقد تترجم في صناديق الاقتراع إلى أصوات مضمونة.