ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
شيوخ بارزان النقشبنديون وحماية البيئة
لم تحظ مواضيع مثل البيئة والطبيعة وحقوق الانسان وحماية الحيوانات بالاعتبار عند المجتمعات الغربية إلا بعيد الحرب العالمية الثانية في سنة 1948م وما بعدها حيث صدرت لائحة حقوق الانسان وتبعتها لوائح اخرى تُنظم علاقة الانسان بغيره من المخلوقات كالحيوان والنبات والطبيعة فيما سمي بالبيئة. وكان الاسلام في حقيقة الامر قد انتبه لهذه الحقوق منذ مجيئه، فلا عجب أن جاءت آيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على الرفق بالحيوان والاهتمام بالطبيعة من بحار وأنهار وأشجار ونباتات. لذا ما أن تشرب شيوخ بارزان بالطريقة النقشبندية حتى نقلوا مجتمعهم البارزاني المرتب نقلة نوعية في المجالين الانساني والبيئي، ولما كان الموضوع يتعلق بالبيئة فإن الانصاف يقتضي التأكيد على انهم بحق مؤسسي حقوق حماية البيئة قبل ان تصدر التشريعات العالمية وقبل ان يؤسس الاوروبيون وتحديداً الالمان أحزاب الخضر في نهاية الستينيات من القرن العشرين وغيرها من الاحزاب والجمعيات التي ظهرت لحماية البيئة فيما بعد.
فشيوخ بارزان رغم أنهم أخذوا فكرة الطريقة النقشبندية من السيد طه النهري(ت1853م) أحد خلفاء مولانا خالد الميكائيلي الجاف(ت1826- 1827م)، فانهم أضافوا الى الطريقة أفكاراً أُخرى جديرة بأن تسمي الطريقة النقشبندية الراديكالية (الثورية) التي تحاول تغيير الواقع قياساً بالمشيخات النقشبندية الأخرى التي بقيت تقليدية تمارس الطريقة وفق الاصول المتبعة عند أسلافهم – التزكية والتربية، كشيوخ بيارة وطويلة وأربيل وبامرني.
فقد طبقت المشيخة البارزانية هذه التعليمات على أرض الواقع، ولما كانت سلسلة الطريقة النقشبندية تنتهي بالخليفة الراشد الاول ابو بكر الصديق (رضي الله عنه) ومنه الى نبينا سيد الخلق محمد بن عبدالله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) فلا عجب ان طبقوا وصاياه الى قواده وولاته التي تتضمن الاتي:
يا أيها الناس قفوا أُوصيكم بعشرٍ، فاحفظوها عني:
- لا تخونوا،
- ولا تغدروا،
- ولا تُمَثلوا،
- ولا تقتلوا طفلاً صغيراً،
- ولا شيخاً كبيراً،
- ولا أمرأة،
- ولا تعقروا نخلاً،
- ولا تحرقوه،
- ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً،
- ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً، ولا بعيراً إلا لمأكلةٍ".
وابتداءاً من الشيخ الاول لبارزان (= الشيخ عبد الرحمن بن ملا عبدالله بن ملا محمد)، ومروراً بعهد الشيخ الثالث "محمد بن عبدالسلام الاول" (المتوفى سنة1903م) وخلفائه من بعده الشيخ عبدالسلام الثاني(استشهد عام1914م)، والشيخ احمد(1896- 1969م)، والزعيم الكُردي الملا مصطفى البارزاني(1903 – 1979م)، فان الاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها وتنظيفها وإعمارها أستغرق كل أعمارهم، ولما كانت فترة الاضطرابات والانتفاضات والثورات استغرقت زمناً كبيراً من مشيختهم؛ لذا كان الامر يبدو واضحاً جليا في مشيخة الشيخ احمد البارزاني الاخ الاكبر للملا مصطفى البارزاني، وفي زعامة الملا مصطفى البارزاني لقيادة الحركة الكردية لحوالي نصف قرن؛ تجلت حماية البيئة في اصدار التعليمات المشددة كذلك.
1- تم منع قطع الاشجار الطرية لأن كثيراً من سكان المدن والقصبات والقرى يلجأون اليه لبرودة الشتاء وصنع الفحم، ولم يكن دواعي شيوخ بارزان من هذا الاجراء لجمال الطبيعة فقط بل كان لهذا المنع مردودات عديدة منها:
أ- إن جذور هذه الاشجار تمنع انجراف التربة أثناء الامطار والسيول ولذا يمكن تشكيل مدرجات للزراعة أو للأشجار البرية المثمرة أو عمل حدائق غناء تغرد فيها طيور كردستان بالحانها الشجية التي تبعث البهجة والسرور في قلوب الانسان، لا سيما وأنَّ الكردي الذي عزف عن سماع هذه الاصوات الشجية بعد ان حلت أصوات ازيز الطائرات المقاتلة أو السمتية وأصوات ارتجاج قنابل الناپالم والمدافع والهاونات محلها.
ب- ان الكثير من هذه الاشجار البرية ثمار، مثل: كزوان (حبة الخضرة)، والكمثري الجبلية (هیرميكاچيايي)، واللوز والبلوط والعفص يمكن أن يستفيد منها الانسان في أوقات الازمات، وقد انتفع بها الكرد أثناء نضالهم المرير لتحصيل حقوقهم، حيث أقتاتوا على هذه الثمار البرية أثناء الحصار الاقتصادي التي كانت الانظمة المتتالية تفرضها عليهم على أمل شل إرادتهم والإذعان لمطالب السلطات الحكومية.
2- منع صيد الحيوانات الجبلية النادرة وغير النادرة منعاً باتاً مثل الطير الكردي الجميل (القبچ) والماعز الجبلي، لأن منظر هذه الطيور الجميلة وهذه الحيوانات يمنح جمال وغابات ووديان كردستان مناظر بديعة أخاذة تذكرنا بمناظر غابات أوربا المشهورة بجمالها، وغابات افريقيا المشهورة بحيواناتها، أي أن غابات كردستان تضم جمال الطبيعة والانواع النادرة من الحيوانات، ومما يؤسف له ان كثيراً من الحيوانات البرية كالنمور والدببة والفهود والذئاب بدأت تنقرض في جبال كردستان، وكانت منطقة برى كاره الواقعة جنوب قضاء ئاميدى (= العمادية) تحتوي الى زمن قريب كثيراً من النمور فضلاً عن الدببة وغيرها من الحيوانات، ويذهب تقليد أهل دهوك الى أن جبل بيخير الواقع شمال المدينة كان يضم في أخاديده وكهوفه بعض النمور الى ما قبل ثورة ايلول سنة 1961م بسنوات قليلة، ولكن حوادث القتال بين الحركة الكردية والجيش العراقي ادى الى مغادرة بعض هذه الحيوانات الى مناطق أخرى أكثر أماناً لها وتحديداً الى الجبال والوديان القريبة من الحدود من الجهتين الشمالية والشرقية لكردستان.
ولا زالت تتواجد في جبال كردستان الكثير من النمور والدببة والذئاب وغيرها من الحيوانات.
ومع ذلك فإنك ترى الآن بعض الحيوانات الجبلية النادرة كالماعز البري وهي تضم 20-30 ماعزاً تمشي الهوينا داخل منطقة بارزان (= قصبة بارزان وأطرافها) المنضوية تحت إتحاد سبعة عشائر: بةروزي، ونزارى، وشيَروانى، ومزيرى، ودوله مه رى، وكه ردى، وهه ركى بنه جهـ.
3- منع صيد الاسماك بالقنابل والكهرباء وأنواع السموم وأية مواد متفجرة اخرى، لان آلاف الاسماك الصغيرة تذهب ضحية هذا العمل الطائش، فضلاً ان هذه الاسماك تعتبر ثروة قومية كبيرة يجب الحفاظ عليها، حيث ان اقتصاديات بعض دول العالم يعتمد عليها خاصة التي تمتلك بحاراً وانهاراً. وكان شيوخ بارزان يصدرون التعليمات المشددة بهدا الخصوص في موسم تكاثر الاسماك في فصل الربيع تحديداً، ولكن هذا لا يمنع من صيد الاسماك عن طريق الشبكات والوسائل الاخرى غير العنيفة في أوقات محددة.
4- كان الشيخ احمد البارزاني قد أصدر تعليماته بمنع قتل الحية السوداء لانها لا تؤذي الانسان بعكس الحية العمياء (كوره مار) وكان البارزانيون قبل هذه التعليمات يقتلون الحية السوداء.
5- كانت تعليمات شيوخ بارزان صارمة بخصوص منع جني خلايا النحل أو القضاء عليها عن طريق اشعال النيران إلا لتدجينها وتربيتها وفق الاصول المتبعة.
ومن الجدير ذكره ان الزعيم الكردي ملا مصطفى البارزاني كان قد حاول تطبيق اجراءات حماية البيئة على بقية أنحاء كردستان العراق وتم تبليغ كافة القيادات السياسية والعسكرية بذلك، وتم الى حد كبير تطبيق تلك الاجراءات؛ ولكن طبيعة الظروف العسكرية والاقتصادية السيئة التي مر بها الكرد في كردستان العراق إبان ثورتي ايلول (1961 -1975م) وگولان (1976-1991م) حالت دون تطبيقها كلها على ارض الواقع.
ومهما يكن من أمر فان الزائر لمنطقة بارزان من جهة الغرب ابتداءاً من نهر شمدينان (= روي شين) ومروراً بنهر روكجوك (= النهر الصغير) وانتهاء بمناطق عشيرة السورچیین مقابل مضيق بخمة، يرى أن الطبيعة الكردستانية هناك ما زالت محتفظة بعذريتها وأن الاشجار المثمرة المعمرة لم تزل صامدة صمود مقاتلي كردستان، وتستطيع كليات الزراعة ومعاهد البحوث الزراعية الاستفادة من اجراءات حماية البيئة عند عشائر بارزان في خدمة أهداف خطط التنمية الزراعية بشقيها النباتي والحيواني والدوائي؛ نظراً لوجود أعداد نادرة من الاشجار والشجيرات البرية التي لم تزل متواجدة في هذه المنطقة، بعكس مناطق كردستان الاخرى التي لم تراعِ فيها متطلبات البيئة وتم حرقها وتدميرها من قبل اعداء كردستان. فلو عبرت نهر الزاب الكبير جنوباً باتجاه مدينة عقرة لرأيت أن عملية حرق واقتلاع الاشجار جارية على قدم وساق، مع العلم بأن النهر هو الحد الفاصل بين المنطقتين، ولكن مراسيم شيوخ بارزان جدية في هذا الصدد، جعلت أبناء عشائر بارزان السبعة ملتزمين بها الى وقت كتابة هذه الأسطر؛ فان دل هذا على شيء فانما يدل على رقي وسمو حضاري نفتقده في كثير من الشعوب والدول التي تدعي التقدم والنهوض، في الوقت الذي يتهم شعبنا بانه لا زال بدوياً متوحشاً لا يعرف من قيم الحضارة شيء، علماً بأن الاجراءات والمراسيم التي أصدرها شيوخ بارزان تعود دون شك الى الربع الاخير من القرن التاسع عشر.
إذن فما أحرانا أن نجعل من جبال وغابات وأحراش منطقة بارزان و أطرافها مراعي طبيعية وحدائق غناء وبحيرات جميلة يجلب إليها أنواع الطيور النادرة والحيوانات الغريبة، لكي نجعل منها مكاناً يؤمه السواح وهواة الطبيعة، والاقتداء بمنطقة بارزان في حماية البيئة في بقية أجزاء كردستان الأخرى.