صلاح بكر
كاتب
سر الاستدامة في عقيدة بارزاني
حينما تعانق الجبال الشاهقة سماء كوردستان، وتنساب الجداول العذبة بين وديانها الخضراء، لا يقتصر المشهد على كونه لوحة فنية أبدعها الخالق، بل يتجاوز ذلك ليصبح تجسيداً حياً لرقي حضاري عميق الجذور، يستمد إلهامه من إرث عظيم. إن حماية البيئة في إقليم كوردستان ليست وليدة الصدفة أو مجرد استجابة لضغوط عالمية، بل هي امتداد طبيعي وعميق لفكر وعقيدة القائد التاريخي بارزاني الخالد ملا مصطفى، الذي غرس في وجدان شعبه حب الطبيعة وتقديسها. لقد كان بارزاني الخالد صديقاً ودوداً للبيئة، يرى في جبال كوردستان وأشجارها وينابيعها حصناً للحرية ورمزاً للكرامة والاستقلال، مؤمناً بأن الأمة التي تحترم أرضها وتصون طبيعتها، هي وحدها القادرة على بناء مستقبل مستدام وحضاري لأجيالها القادمة.
مستلهما هذا الفكر النير والعقيدة الراسخة لنهج المدرسة البارزانية، وهنا تقف حكومة إقليم كوردستان اليوم كحارس أمين لطبيعة كوردستان الساحرة والخصبة. فقد أدركت الحكومة أن التنمية الحقيقية والرقي الحضاري لا يكتملان إلا بانسجام تام مع البيئة، متخذة من مبادئ بارزاني الخالد بوصلة ترشدها في كل خطوة وقرار. ومن هنا، انطلقت ثورة بيئية صامتة ولكنها عميقة الأثر والتأثير، تقودها الكابينة الحكومية التاسعة، لتضع حماية الطبيعة في صميم استراتيجيتها الوطنية، مترجمةً وفاءها للإرث البارزاني إلى واقع ملموس وملهم.
لقد تجلى هذا الالتزام العقائدي والعملي في خطوات جبارة ومشاريع طموحة وحقيقية، كان من أبرزها "مشروع روناكي"، الذي أضاء سماء الإقليم بنور الطاقه المستدامة والنظيفه. هذا المشروع الرائد لم يقتصر على توفير طاقة نظيفة فحسب، بل أسهم في إسكات ضجيج الآلاف من المولدات الأهلية، مبدداً سحب الدخان الكثيف، ومخفضاً تلوث الهواء بنسب غير مسبوقة تصل إلى 70 بالمئة. إنها خطوة عظيمة نحو سماء صافية وهواء نقي، يعكسان صفاء الرؤية الحكومية المستمدة من حب نقي وأصيل للبيئة.
ولم تقف الجهود عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل حماية شريان الحياة، المياه التي طالما كانت مقدسة في الفكر البارزاني. فقد شرعت الحكومة في بناء سدود استراتيجية جديدة، زادت من القدرة التخزينية للإقليم بشكل ملحوظ وكبير، في الوقت الذي تصدت فيه بحزم لاستنزاف المياه الجوفية من خلال إغلاق الآبار غير القانونية. هذه الإجراءات الحازمة تضمن استمرار تدفق الحياة في عروق كوردستان، وتؤمن مستقبلاً مائياً مستداماً وآمناً.
ولعل من أجمل المبادرات التي تزين وجه الإقليم، وتجسد مقولة بارزاني الخالد في الحفاظ على كل شجرة وكل نبع، هو مشروع "الحزام الأخضر" في العاصمة أربيل. هذا المشروع الذي يمتد كشريط من الزمرد، يهدف إلى زراعة ملايين الأشجار من الزيتون والفستق، لتكون رئة جديدة تتنفس من خلالها المدينة، ومصداً طبيعياً يحميها من قسوة العوامل المناخيه والغبار. إن إلزام المشاريع الاستثماريه بتخصيص مساحات واسعة للخضرة، يعكس رؤية ثاقبة وحكيمة تدرك أن العمران الحقيقي هو الذي يتناغم مع الطبيعة ولا يعتدي عليها.
إن مزايا هذا التطور البيئي تتجاوز الجانب الجمالي لتلامس جوهر الحياة الإنسانية والرقي الحضاري. فالهواء النقي والمساحات الخضراء الشاسعة ينعكسان إيجاباً على الصحة العامة للمواطنين، ويقللان من وطأة الأمراض المرتبطة بالتلوث والتدهور البيئي. كما أن هذه الجهود تفتح آفاقاً اقتصادية جديدة وواعدة، من خلال الدخول في أسواق الكربون الدولية، حيث يمكن بيع الأرصدة الكربونية الناتجة عن امتصاص الأشجار لغاز ثاني أكسيد الكربون، وخلق آلاف فرص العمل في قطاعات الطاقة النظيفة والزراعة المستدامة.
في الختام، يمكننا القول إن كوردستان ترسم اليوم لوحة حضارية فريدة وجميلة، تمزج بين الأصالة والتطور، مستندة إلى قاعدة صلبة من فكر وعقيدة بارزاني الخالد. إن جهود حكومة إقليم كوردستان في حماية البيئة ليست مجرد التزام إداري روتيني، بل هي رسالة حب ووفاء للأرض، وتأكيدا على أن الرقي الحضاري الحقيقي يبدأ من احترام الطبيعة وصونها. هكذا تبقى كوردستان خضراء دائماً وأبداً، رمزاً للحياة والأمل، وتجسيداً حياً لفكر قائد أحب بيئته فخلدته في كل شجرة تزرع وكل نبع يتدفق وكل هواء نقي يتنفسه الأجيال القادمة.