مجلس النواب العراقي والكتل الكوردية المعارضة: إشكالية الازدواجية السياسية

مجلس النواب العراقي والكتل الكوردية المعارضة: إشكالية الازدواجية السياسية
مجلس النواب العراقي والكتل الكوردية المعارضة: إشكالية الازدواجية السياسية

يُعدّ المشهد السياسي في العراق من أكثر المشاهد تعقيداً وتشابكاً في المنطقة، وربما لا تعكس هذه التعقيد صورةٌ أوضح مما يجري داخل أروقة مجلس النواب العراقي حين يتصدر المشهدَ نوابٌ كورد معارضون يحملون في يدٍ راية نقد حكومة الإقليم، وفي اليد الأخرى صمتاً مريباً إزاء ما تعجّ به المحافظات العراقية من فساد متجذّر ونهب ممنهج.

هؤلاء النواب يجدون أنفسهم أمام معادلة مكشوفة لمن يُمعن النظر فيها. على الصعيد الكوردي يُقدّمون أنفسهم معارضةً شريفة تُحاسب حكومة الإقليم وتكشف إخفاقاتها، بينما على الصعيد العراقي يؤدون دور الشريك الصامت مع كتل سياسية تتقاسم مغانم الدولة وتتوزع حصصها على مرأى من الجميع. هذا التناقض لا يُمكن تفسيره بحسن النية أو الانشغال بالشأن الكوردي وحده، بل يكشف بجلاء أن المعارضة في كثير من حالاتها ليست موقفاً مبدئياً بقدر ما هي أداة تفاوضية لانتزاع نفوذ داخل الإقليم.

والخطر الأول في هذه الظاهرة أنها تُحوّل خلافاً داخلياً كوردياً إلى ورقة ضغط فيدرالية. حين يستخدم النائب الكوردي المعارض منصة بغداد لاستهداف أربيل، فإنه لا يُمارس معارضةً سياسية بالمعنى الصحيح، بل يُعطي الحكومة الاتحادية أذرعاً إضافية للتدخل في شؤون الإقليم، ويُضعف موقفه التفاوضي في الملفات الحساسة كالنفط والميزانية وقضايا البيشمركة. المعارضة الداخلية حق مشروع لكنها حين تتحول إلى سلاح في يد بغداد ضد أربيل، يتوقف الأمر عن كونه نقاشاً ديمقراطياً ليصبح تقويضاً لمصالح الإقليم الاستراتيجية.

أما الخطر الثاني فيتجلى في الانتقائية الصارخة في محاربة الفساد. المبدأ الديمقراطي الأصيل يقتضي أن يُحارب النائب الفساد أينما وُجد، لا أن يُوجّه نيرانه في اتجاه واحد ويُحجم عن الآخر. غير أن المشهد يُظهر نواباً يُضجّون بملفات الإقليم ويصمتون تماماً عن سرقة أموال إعادة الإعمار في المحافظات المحررة، وعن الهدر الفاضح في عقود الوزارات السيادية، وعن فساد العقود النفطية التي تبتلع المليارات دون رقابة حقيقية. هذا الصمت المُحسوب ليس غفلةً ولا تجاهلاً، بل هو ثمن التحالفات التي تُبقي هؤلاء النواب في دائرة الأضواء وتُحقق لهم مكاسبهم داخل المنظومة البغدادية.

والأخطر من ذلك كله أن ثمة تحالفات تكتيكية تنشأ بين بعض هؤلاء النواب وكتل عراقية موصومة بالفساد، تقوم على منطق المقايضة الصريح: دعمٌ لمرشحيها في المناصب الحكومية مقابل دعمها لمواقفهم في مواجهة حكومة الإقليم. وحين يصل الأمر إلى هذا الحد، لا يعود بالإمكان الحديث عن معارضة بأي معنى حقيقي، بل عن شراكة مصلحية تتخذ من النقد الكوردي الداخلي واجهةً لأهداف لا علاقة لها بالإصلاح.

وفي المقابل، يجلس نواب الأحزاب العراقية في مقاعدهم صامتين على ما تشهده بلادهم من نهب مُمنهج، وقد أدركوا أن المنظومة تسير على قاعدة راسخة هي التغطية المتبادلة. كل كتلة تصمت على فساد الأخرى طالما حصلت على حصتها، وهذا ما يُفسر لماذا يبقى مجلس النواب العراقي خاملاً أمام الملفات الكبرى وناشطاً فقط حين تتعلق الأمور بالتوازنات الحزبية والمناصب والامتيازات.

ما ينتج عن كل هذا أزمةٌ ثقة عميقة لا يشعر بوطأتها السياسيون في أروقة البرلمان، بل يعيشها المواطن الكردي والعراقي على حدٍّ سواء. المواطن الذي يرى نائبه يُحارب حكومة الإقليم من بغداد بينما يتغاضى عن فساد بغداد ذاتها، لا يستطيع أن يُقنع نفسه بأن هذا النائب يمثله حقاً. والمواطن العراقي الذي يرى ممثليه يتقاسمون الصمت بدلاً من المساءلة، يجد نفسه أمام مؤسسة تشريعية تشبه كل شيء إلا الرقابة الحقيقية على السلطة.

المعارضة السياسية ليست شراً في ذاتها، بل هي ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي سليم. لكنها تستحق هذا الوصف فقط حين تقوم على معيار واحد لا يتغير بحسب الجهة والحساب. المعارضة التي تصرخ في أربيل وتهمس في بغداد ليست معارضةً، والنائب الذي يُحاسب الإقليم ويُشارك في تغطية فساد الدولة ليس مُصلحاً. وما لم يُدرك المواطن هذا الفرق ويُحاسب على أساسه، فإن هذه الازدواجية ستبقى سيدة المشهد، وستبقى معها الخسارة دائماً من نصيب الشعب وحده.