ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
كورش الفارسي وأستير اليهودية أساطير الخلاص في مرآة الصراع الايراني- الاسرائيلي
حين تتواجه الدول، لا تتصادم الجيوش وحدها، بل تتقاطع أيضًا الذاكرة والأسطورة. فالحرب الحديثة بين إيران وامريكا وإسرائيل لا تُفهم فقط بلغة السياسة، بل تُغذّيها طبقات أعمق من السرديات التاريخية والدينية. وفي قلب هذه السرديات يقف اسمان لافتان: كورش الكبير(550 – 529ق.م) مؤسس أول امبراطورية فارسية في التاريخ، وأستير اليهودية التي سلبت قلب الامبراطور الاخميني الفارسي احشويرش الاول، اللذان يجسّدان مفارقة فريدة ورموزٌ مشتركة بين تراثين متنازعين اليوم.
ففي النصوص اليهودية، يظهر كورش بوصفه محرِّرًا ومخلِّصًا. ففي التوراة، يُذكر كملكٍ فارسي سمح لليهود بالعودة من السبي البابلي إلى أورشليم عام539ق.م، وأمر بإعادة بناء الهيكل الثاني. هذه الصورة جعلت منه شخصية استثنائية؛ حاكمًا غير يهودي يدخل ذاكرة الخلاص الديني، حتى وُصف أحيانًا بأنه “ممسوح من الرب”،
لذا أبدى أنبياء بني اسرائيل احتراماً فوق العادة لكورش حيث جاء في كتاب (عزرا، الاصحاح الأول ٢-٤ ): {هكذا قال كورش ملك فارس: جميع ممالك الارض دفعها الى الرب اله السماء وهو أوصاني أن أبني له بيتاً في أورشليم التي في يهوذا. من منكم من كل شعبه ليكن الهه معه ويصعد الى أورشليم التي في يهوذا فيبني بيت الرب اله اسرائيل هو الاله الذي في أورشليم}.
وقد أطلق على الملك الأخميني كورش الثاني (559-530 ق.م)، – المسيح المنتظر والمخلص والمنقذ- تكريماً له، جراء قضائه على المملكة الكلدانية (البابلية)، واحتلال عاصمتها بابل عام 539ق.م، وإصداره أوامر تقضي بالسماح ليهود الأسر البابلي بالعودة إلى فلسطين، ومساعدتهم مادياً من أجل إعادة بناء المعبد السليماني (هيكل سليمان) الذي دمره الملك البابلي نبوخذ نصر عام586 ق.م، فجاء في سفر اشعيا: [ وهذا ما قاله الرب لكورش الذي مسحه وأخذ بيمينه ليخضع له الشعوب، ويضعف سلطان الملوك حتى يفتح أمامه المصاريع فلا تغلق في وجهه الأبواب، أسير قدامك، فأمهد الجبال، وأحطم مصاريع النحاس، وأكسر مغاليق الحديد، وأعطيك الكنوز الدفينة والذخائر المخبأة، فتعلم إني أنا الرب، اله إسرائيل، الذي دعاك باسمك، (أي الممسوح)].
وهي صفة نادرة تُمنح لغير الأنبياء في المخيال التوراتي. بذلك، تحوّل كورش إلى رمز للتسامح الإلهي والتدبير التاريخي الذي يعمل عبر أممٍ مختلفة.
لكن في الذاكرة الإيرانية، يُستحضر كورش بصورة مختلفة، وإن لم تكن متناقضة تمامًا. فهو مؤسس الإمبراطورية الأخمينية، وبطل قومي جسّد القوة والوحدة والعدل الإمبراطوري. يُنسب إليه وضع أسس حكمٍ يتسم بالتعددية واحترام الشعوب، وهو ما يظهر في نصوص مثل أسطوانة كورش التي تُعدّ عند البعض من أقدم إعلانات حقوق الإنسان. هكذا، لا يُرى كورش كمخلّص ديني، بل كرمز سيادي وحضاري لإيران القديمة. فقد عمل شاه ايران "محمد رضا بهلوي" (1941 – 1979م) احتفالات اسطورية في شهر اكتوبر/ تشرين الاول عام 1971م في موقع برسيبوليس التاريخي (= تخت جمشيد) باعتباره عاصمة الامبراطور كورش الذي يبعد 70 كم عن شمال شرق مدينة شيراز الايرانية بمناسبة قيام أول دولة فارسية في التاريخ قبل 2500عام، وصرف على هذه الاحتفالات اموالاً طائلة تعد بملايين الدولارات في تلك الحقبةوُصفت بأنها "حفل القرن" والأغلى في التاريخ. حضرها ملوك ورؤساء العالم، واستمرت ثلاثة أيام بتكلفة باهظة تجاوزت ملايين الدولارات، مما أثار سخطاً شعبياً واسعاً ومهد لسقوط عرشه امام المد الثوري للثورة التي قادها آية الله الخميني (1902 -1989م) عام1979م.
هذه الازدواجية لا تُنتج تناقضًا بقدر ما تكشف عن تعدد زوايا الرؤية. غير أن المفارقة تشتد حين ننتقل إلى شخصية (أستير- النجمة)، وهي امرأة يهودية جميلة كان لها دور كبير بمساندة عمها (مردخاي) في تحريض الملك الاخميني الفارسي"أحشويروش الاول- زركسيس الأول (Xerxes I) أو خشايارشا الأول (٤٨٥ - ٤٦٥ ق.م ) على الانتقام من وزيره الفارسي (هامان) وشيعته المعادين لليهود، لذا فلا عجب أن رد أحبار يهود الجميل لفتاتهم (أستير) من خلال إطلاق اسمها على أحد أسفار التوراة تحت اسم (سفر أستير)، واعتبار يوم الانتقام من اعداء اليهود - الرابع عشر من شهر آذار/ مارس - عيداً لهم تحت اسم (البوريم) أي الفوز. ولهذه اليهودية (استير) وعمها مردخاي ضريح فخم في مدينة (همدان) الايرانية، تعد إحدى معالم المدينة الرئيسية ولها زيارات مستمرة من قبل يهود ايران واليهود الآخرين. (سفر عزرا 6:14).
ففي سفر أستير، تظهر أستير كملكة يهودية في البلاط الاخميني الفارسي، تخفي هويتها ثم تكشفها في اللحظة الحاسمة لإنقاذ شعبها اليهودي من مؤامرة الإبادة. قصتها تُحتفل بها سنويًا في عيد عيد البوريم، حيث تُروى كحكاية نجاة وانتصار على التهديد.
لكن قراءة هذه القصة من منظور إيراني تقليدي قد تحمل ظلالًا مختلفة. فالأحداث تدور في قلب الإمبراطورية الفارسية، وتُصوَّر السلطة فيها كبيئة مؤامرات وصراعات داخلية. بعض التأويلات ترى في القصة تصويرًا دراميًا مبالغًا فيه، أو حتى سردية تعكس مخاوف جماعة أقلية أكثر مما تعكس واقع الدولة. ومع ذلك، تبقى أستير رمزًا قويًا لامرأة تتحرك بين هويتين، وتستغل موقعها داخل “الآخر” لحماية “الأنا".
هنا يلتقي كورش وأستير في نقطة عميقة: كلاهما يعبر الحدود بين الهويات. كورش، الفارسي، يصبح جزءًا من قصة الخلاص اليهودية. وأستير، اليهودية، تتحول إلى فاعل مؤثر داخل البلاط الفارسي. كلاهما يُظهر أن التاريخ لم يكن يومًا خطوطًا فاصلة، بل شبكة من التداخلات والتبادلات.
غير أن الحاضر يعيد تشكيل هذه الرموز. في ظل االصراع السياسي والحرب الحالية بين إيران وإسرائيل، تميل السرديات إلى التبسيط: “نحن” مقابل “هم”. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب استيعاب شخصيات مثل كورش وأستير، لأنهما يهددان هذه الثنائية. فكيف يمكن لرمزٍ إيراني أن يكون مخلِّصًا في الذاكرة اليهودية؟ وكيف يمكن لبطلة يهودية أن تتحرك داخل مركز السلطة الفارسية؟.
الإجابة تكمن في فهم أن الأسطورة ليست مجرد حكاية عن الماضي، بل أداة لإعادة تفسير الحاضر. فكل طرف يعيد قراءة كورش وأستير بما يخدم رؤيته وهويته. في إسرائيل، يُستدعى كورش كدليل على إمكانية وجود “آخر” عادل، حتى لو كان من خارج الجماعة. وفي إيران، يُستحضر كرمز لعظمة تاريخية مستقلة عن أي تأويل ديني خارجي. أما أستير، فتظل رمزًا للمقاومة الذكية في المخيال اليهودي، بينما قد تُقرأ في سياقات أخرى كجزء من سردية أكثر تعقيدًا عن السلطة والهوية.
في الختام، تكشف قصتا كورش وأستير أن التاريخ لا ينقسم بسهولة إلى معسكرات متقابلة. فبين الأسطورة والسياسة، وبين الدين والهوية، توجد مناطق رمادية غنية بالتناقضات والتداخلات. وربما في هذه المناطق بالذات يكمن مفتاح فهم أعمق للصراع ليس بوصفه مواجهة بين طرفين متمايزين تمامًا، بل كتاريخ مشترك؛ نظرا للتواجد اليهودي الكبير في ايران حالياً ، حيث أعيدت كتابة هذه السردية مرات عديدة، كل مرة بلغة مختلفة.
أما على صعيد العلاقات الايرانية – الاسرائيلية في التاريخ المعاصر، فقد أصدرت إسرائيل، في الاونة الاخيرة، طابعا بريديا يحمل صورة لأسطوانة طينية اشتهرت باسم "بيان كوروش"، وذلك تكريما للملك الإخميني الذي ينسب إليه هذا البيان وهو "كوروش بن كمبوجيه"، محرر اليهود بعد سيطرته على ما بين النهرين (العراق).
واستناداً الى الموقع الرسمي لاذاعة الكيان العبري الناطقة باللغة الفارسية، فقد نشر هذا الطابع تكريما للزعيم الايراني "كوروش العظيم"، وذكرت أن عالم التاريخ الإسرائيلي "أمنون نتصر" المتخصص في شؤون يهود إيران أكد في مقابلات عدة أن "التوراة التي حافظت على اسم كوروش تعد الوثيقة التاريخية الأكثر وضوحا التي تذكر اسمه".
هكذا، لا يكون كورش مجرد امبراطور قديم، ولا أستير مجرد بطلة أسطورية، بل مرآتين تعكسان كيف يمكن للذاكرة أن توحّد وتفرّق في آنٍ واحد. وفي زمن الحرب، تصبح العودة إلى هذه الرموز فرصة ليس فقط لفهم الآخر، بل لإدراك أن الحدود التي نرسمها اليوم قد لا تكون صلبة كما نظن.
وعلى اية حال فهناك صراع نفوذ بين الجانبان بشكل يصعب فصلهما، ففي الواقع برز هذا الواقع الجديد منذ الثورة الإيرانية عام 1979م، رغم الدعم الاسرائيلي لالة الحرب الايرانية ايام الحرب العراقية الايرانية 1980 – 1988م في فضيحة إيران- كونترا (Iran-Contra Affair)، ورغم ذلك يرفع الايرانيون الشعارات التي يستهونها من خلالها دغدغة عواطف الشعوب العربية والاسلامية من خلال القول : الموت لامريكا، الموت لاسرائيل.
ويبدو أن صراع النفوذ على منطقة الشرق الاوسط من خلال سماح الادارات الامريكية بالتغلغل الايراني في المشرق العربي، وسمح للاخيرة بالتحول الى بعبع وخصم ايديولوجي لاسرائيل، فيما كان الخطاب الرسمي الإيراني يرفض شرعية الدولة الإسرائيلية، بينما ترى إسرائيل في إيران تهديدًا وجوديًا، خصوصًا بسبب برنامجها النووي ودعمها لقوى مسلحة معادية لإسرائيل مثل : حزب الله والمليشيات الموالية لها في العراق، فضلاً عن الحوثيين وغيرهم.