د. إبراهیم خالد
أكاديمي
الأرقام تتحدث: قراءة في فجوة الفقر بين العراق وإقليم كوردستان وفق بيانات وزارة التخطيط
في المجتمعات الناضجة يستخدم غالبية المواطنين والإداريين والساسة الأرقام والبيانات والإحصاءات كمصدر أساسي لفهم الواقع المحيط بهم بينما في المجتمعات المتخلفة ومنها المجتمعات الشرق أوسطية تستمد الغالبية العظمة معلوماتها ومواقفها من الخطابات والشعارات والتأويلات الفضفاضة. بيانات وزارة التخطيط العراقية لا تثير اهتمام الرأي العام في العراق لكنها تعطي صورة اكثر مصداقية مقارنةً بكل مصادر المعلومات الأخرى في البلد.
بيانات وزارة التخطيط تبين ان ادنى نسبة للفقر على مستوى العراق موجودة في أربيل وان نسبة الفقر في المحافظات العراقية إجمالاً أعلى من نسبة الفقر في محافظات اقليم كوردستان و تصل أحياناً إلى أكثر من ٦ أضعاف (٦٠٠٪ ) مما هو عليه في كوردستان. الأرقام الموجودة في نهاية هذا المنشور مأخوذ مباشرةً من بيانات وزارة التخطيط العراقية التي تم نشرها في ٣٠ نيسان ٢٠٢٦.
هذه ليس حالة جديدة فمعظم الدراسات توثق منذ ٢٠٠٣ ان الوضع المعاشي في كوردستان ورغم كل التحديات والمضايقات التي تخلقها بغداد أفضل بكثير من بقية العراق. إذاً نحن أمام حالة موثقة ومستدامة منذ اكثر من عقدين الشيئ الذي يكشف المزيد من الخلل و القصور و سوء النية في ذهنية الأطراف المهيمنة في بغداد و زيف ادعائات "المعارضة" الكردستانية المرتبطة بها.
الحكومات المتتالية في بغداد تسعى منذ عشرات السنين وبكل الوسائل إلى تقليص دور حكومة اقليم كوردستان و فرض الوصاية عليها مستخدمةً في ذلك مختلف الحجج أهمها ان غياب رقابة الحكومة المركزية يؤدي إلى انتشار الفساد في كوردستان وإلى ظهور قوات مسلحة خارج القانون لكن الواقع يثبت عكس ذلك وهناك المزيد من الأمثلة على ذلك نذكر منها مسألة الكهرباء، ميزانية وزارة الكهرباء العراقية لعام ٢٠٢٥ لوحدها كانت بحجم كل ميزانية كوردستان لنفس العام. حكومًة الاقليم برئاسة السيد مسرور بارزاني أستطاعت بتلك الميزانية المتعثرة والمتقطعة ان تنجز شبكة طرق حديثة و تبني مجموعة كبيرة من السدود و تؤمن الكهرباء لمعظم المدن الكبرى في كوردستان بينما ميزانية وزارة الكهرباء العراقية انتهت بنهاية عام ٢٠٢٥ ودون ان تؤمن الكهرباء ولو لمدينة واحدة.
فيما يخص المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون فقد اثبتت الأحداث الأخيرة ان السلاح المنفلت والذي استُخدم ضد كوردستان و دول الخليج وحتى ضد بغداد موجود فقط في مناطق سيطرة حكومة بغداد. كل هذا إضافة إلى بيانات وزارة التخطيط العراقية تكشف ان حجم الفساد والفشل الإداري والسلاح المنفلت أعظم بكثير في كل مناطق العراق مقارنةً بكردستان.
بيانات وزارة التخطيط العراقية تكشف ما لا تريد حكومة بغداد كشفه و تبين بوضوح ان الزرائع التي تستخدمها الحكومات العراقية لافتعال الأزمات مع اقليم كوردستان هي مجرد زرائع و بعيدة عن الواقع هدفها صرف الأنظار عن الفساد والفشل الإداري المستشري في كافة مفاصل الدولة العراقية.
للأسف البنية الذهنية والتاريخية للمجتمعات الشرقية تجعلها عرضة للاستغلال ومن ضمنه الاستغلال السياسي وهذا مايحدث في العراق.
هذه الفروقات التي توثقها بيانات وزارة التخطيط العراقية تكشف من جهة أخرى مدى ضياع و ذيلية المعارضة الكوردستانية ولامعقولية (سخافة) طرحها. برنامج عمل هذه المعارضة بشقيها الإسلامي والعلماني يقتصر فقط على محاربة الأحزاب الحاكمة في كوردستان دون ان تقدم اي مساهمات بنائة أو أي اشتراك حتى شكلي في هيئات و مؤسسات الإقليم بحجة تفشي الفساد عند الأحزاب الحاكمة في كوردستان لكن بنفس الوقت تتسارع للتعامل الذيلي مع الأحزاب الحاكمة في بغداد و تستميت لنيل رضائها والمشاركة معها في كافة المجالات رغم ان حجم الفساد والفشل الإداري عند تلك الأحزاب أسوء بكثير مقارنة بالأحزاب الحاكمة في كوردستان.
نرى دائماً رموز هذه المعارضة يدافعون عن حكومات بغداد و يبررون فشلها الإداري في كل مكان وبكافة السبل ويقللون من قيمة الاحصائيات والبيانات التي تكشف إخفاقاتها، السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة كيف كانت هذه المعارضة ستتصرف لو على سبيل المثال أظهرت احصائيات وزارة التخطيط العراقية نفس الأرقام لكن بشكل معاكس يعني مستوى الفقر في كوردستان أعلى من بقية مناطق العراق وأعلى مستويات الفقر موجودة في زاخو أو كوية؟؟ اعتقد شخصياً أنهم كانوا سيطالبون من بغداد و عدة عواصم أخرى بالتدخل العسكري في كوردستان.
-مقتطف من أحدث بيان لوزارة التخطيط العراقية:
" أعلى المحافظات فقراً: محافظة المثنى أعلى معدل (43.6%)، تليها بابل (34.4%)، ثم الديوانية (28.9%).
أقل المحافظات فقراً: أربيل (7%)، تليها السليمانية(8%)
تعريف الفقير: هو الفرد الذي يقل دخله عن 137 ألف دينار شهرياً لكن التقرير يأخذ بعين الاعتبار أيضاً الحرمان في مجالات الصحة، التعليم، والسكن."