عادل الجبوري
كاتب وصحافي عراقي
أوربا التائهة في غياهب المعارك والحروب
خلال الأعوام الأربعة المنصرمة، فشلت اوربا بإمتدادها التأريخي، وعمقها الجيوسياسي، وثقلها الاقتصادي، في اختبارين كبيرين، ربما لم تتعرض لمثلهما منذ ان وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها في الثاني من أيلول-سبتمبر عام 1945، وبادرت الولايات المتحدة الأميركية الى انتشالها من بين ركام تلك الحرب عبر مشروع "مارشال".
تمثل الاختبار الأول بالحرب الروسية الأوكرانية، التي ما كان لها ان تندلع وتتوسع وتستمر لاكثر من أربعة أعوام، لولا الحسابات والتقديرات الخاطئة للرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي، ولولا الدفع والتشجيع الأوربي غير المحسوب، والدعم العسكري الاميركي اللامحدود.
كان من بين الاهداف الاوربية من وراء تلك الحرب، وان بدا ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو من اشعل شرارتها الأولى، توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ليشمل أوكرانيا وبيلاروسيا، بعد ان كانت قد انضمت اليه عشر دول من منظومة المعسكر الاشتراكي، وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وبالتالي لتصل جغرافية ذلك الحلف الى تخوم روسيا، تمهيدا لمحاصرتها وتضييق الخناق عليها.
بيد ان اوربا سرعان ما وجدت نفسها امام اكثر من مأزق، فمن جانب شكل انقطاع الغاز الروسي عنها معضلة اقتصادية وحياتية كبيرة بالنسبة لملايين المواطنين من دول الاتحاد الأوربي، ناهيك عن ارتباك الحراك والنشاط الاقتصادي المتعدد الأوجه والمجالات مع روسيا، التي كانت بمثابة الشريك الأول لاوربا، لاسيما وان الأخيرة لم تحقق نجاحا فعليا ملموسا في ايجاد بدائل عملية وسريعة عن النفط والغاز الروسي.
ومن جانب اخر، فإن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية-وشاركتها في ذلك اغلب دول الاتحاد الأوربي-كان لها ارتدادات عكسية واضحة. اضف الى ذلك، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، راح يضغط بدرجة اكبر على حلفائه الاوربيين ليقدموا المزيد من التمويل لاوكرانيا اذا اريد لها ان تنتصر، او في اسوأ الأحوال، ان لاتنهزم امام روسيا.
كل ذلك، وربما غيره جعل اوربا، وخصوصا دولها الكبيرة والفاعلة والمؤثرة، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تتخبط في مواقفها وخطواتها واجراءاتها حيال الحرب بين موسكو وكييف.
اما الاختبار الثاني لاوربا فقد تمثل بالحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد ايران، التي اندلعت أواخر شهر شباط-فبراير الماضي، وتوقفت مؤقتا بعد أربعين يوما، دون ان تطوي كل صفحاتها بالكامل حتى الان.
وهذه المرة بدا واضحا ان مأزق اوربا، اكبر واعقد مما واجهته جراء الحرب الروسية-الأوكرانية. فبينما هي تفاجئت بالحرب، ولم تقم واشنطن بالتشاور معها بشأنها مسبقا، كما اكد ذلك العديد من الزعماء الاوربيين، طالبها ترامب بالمشاركة الفعلية، من خلال تقديم الأسلحة لإسرائيل، وفتح قواعدها العسكرية للطائرات الأميركية، وارسال جيوشها الى الخليج لاعادة فتح مضيق هرمز بالقوة بعد ان اقدمت ايران على اغلاقه، فضلا عن تقليص تمثيلها الدبلوماسي في طهران.
ولم يكن اصل المشكلة بالنسبة لاوربا، هو خطأ الانسياق-فيما لو حصل- وراء واشنطن وتل ابيب بحرب غير واضحة الأهداف والمسارات والمالات، وانما كان يكمن في غياب الموقف الواحد الموحد. ففي الوقت الذي أعلنت دول اوربية مثل اسبانيا، موقفها الواضح المعارض لشن الحرب على ايران، بإعتبارا حربا عدوانية، والمنتقد بشدة لسياسات الولايات المتحدة المثيرة للفوضى والاضطراب، والمهددة للسلم والامن الدوليين، بقيت دولا أخرى مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تقدم قدما وتؤخر أخرى، فهي من جانب لاتريد الاصطدام المباشر والحاد مع واشنطن، لان ذلك قد يفضي الى انفراط عقد حلف الناتو، ومن جانب اخر كانت تحاول تجنب الدخول كطرف في الحرب، خصوصا وانه لم تلح في الافق أي بوادر تشير الى ان الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في طريقهما لتحقيق الانتصار الناجز على ايران، بل بالعكس، تبلورت الكثير من المؤشرات والمعطيات على ارض الواقع عن نجاح ايران في الإمساك بزمام الأمور، خصوصا مع احكام قبضتها على مضيق هرمز، الذي تمر منه 20% من امدادات الطاقة العالمية، وبروز الاثار والتداعيات الهائلة على عموم مفاصل الاقتصاديات العالمية الكبرى في اوربا والولايات المتحدة الأميركية واسيا، فضلا عن الاقتصاديات النامية والناشئة.
فأوربا التي ما زالت تأن تحت وطأة اسقاطات الحرب الروسية-الأوكرانية، ولم تصل مرحلة التعافي الاقتصادي، وجدت نفسها على حين غرّة تواجه المزيد من الصعوبات والمخاطر والتحديات نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران، اذ ان معدلات التضخم فيها قد ازدات بوضوح، وأسعار الوقود تضاعفت، وكذلك الكثير من السلع الأخرى، حتى وصلت الأمور الى عجز العديد من شركات الطيران في اوربا وخارجها عن تأمين الوقود اللازم للطائرات، مما ارغمها على الغاء عشرات الرحلات المقررة مسبقا.
واذا كانت هذه الحرب، سواء انتهت اليوم او غدا او بعد شهر او بعد عام، ستفضي الى إعادة رسم خارطة التوازنات العالمية، وصياغة معادلات جديدة، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، فإن اوربا ستكون في قلب عاصفة المتغيرات والتحولات، او هي دخلت بالفعل فيها.
وكما يعد البعض "موقف أوروبا الرافض للحرب، الخطوة الأولى في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية، خاصة وأنه للمرة الأولى تسلك أوروبا مسلكًا مختلفًا عن واشنطن، لاختلاف رؤيتهما بشأن الملف النووي الإيراني، ولتصاعد التوترات بينهما في ملفات أخرى، ومن المحتمل أن يواجه حلف الناتو تبعات هذا الاختلاف، ما قد يؤثر على التعاون الاستخباراتي والعسكري، ويزيد من التهديدات الأمنية لأوروبا". فإنه في ذات الوقت، ينبغي الالتفات الى حقيقة ان المتغيرات والتحولات، وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، يمكن ان تأتي تباعا على شكل صدمات عنيفة للقارة العجوز، ارتباطا باختلالات الأوضاع في الولايات المتحدة الأميركية، الراعي الأكبر لحلف الناتو، والحامية لاوربا منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وارتباطا بمظاهر الانقسام والتشضي والتقاطع في هيكل وبنية الاتحاد الأوربي، وارتباطا بالصعود المنتظم والمدروس لقوى عالمية وإقليمية مختلفة، كالصين وروسيا والهند وتركيا وايران وباكستان والبرازيل، وكذلك ارتباطا بفشل إسرائيل في الحاق الهزيمة بأي من اعدائها وخصومها في المنطقة.