الجزء الاول.. المهدي المنتظر والمسيح المنتظر - انعكاسات عقائد الخلاص على الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني

الجزء الاول.. المهدي المنتظر والمسيح المنتظر - انعكاسات عقائد الخلاص على الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني
الجزء الاول.. المهدي المنتظر والمسيح المنتظر - انعكاسات عقائد الخلاص على الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني

ارتبطت فكرة “المنقذ” أو “المخلّص” بتاريخ البشرية منذ العصور القديمة، إذ لجأت الشعوب والأديان إلى تصور شخصية غيبية تظهر في زمن الفوضى والانهيار لتعيد العدالة والنظام إلى العالم. وقد تجلت هذه الفكرة بصورة واضحة في الديانات الوضعية، حيث يتمحور مفهوم المنقذ في الهندوسية باعتبارها اقدم الديانات حول تجسدات الإله (أفاتار) لإعادة النظام. يظهر في أوقات الأزمات والمهالك لتخليص المؤمنين وإعادة التوازن.
بينما في البوذية، المنقذ هو معلم يرشد البشرية للتنوير الذاتي (النيرفانا). وفي الهندوسية، يُنتظر "فيشنو- الحافظ" أو تجسداته (كريشنا) لإنقاذ العالم، بينما يتركز الإيمان البوذي على "مايتريا" كبوذا مستقبلي، مع التأكيد على أن التحرر مسؤولية فردية. 
وهناك منقذ في الديانة الزرادشتية، يدعى المنقذ ساوشيانت (Saoshyant) أو سوشيانس (Soshians)، وهو يعني "الشخص الذي يجلب النفع" أو "المُخلّص"، يظهر في آخر الزمان ليقود البشرية في المعركة النهائية ضد الشر، وينشر الحقيقة، ويجدد العالم (فراشوكيريتي).
أما في الديانات الإبراهيمية، فظهر مفهوم “المسيح المنتظر والمسيح المخلص” في اليهودية والمسيحية، ومفهوم “المهدي المنتظر” في الإسلام، ويذكر المستشرق اليهودي الهنغاري "كولدزيهر" (1850 – 1921م) في كتابه "العقيدة والشريعة في الاسلام" بأن مفهوم المنقذ قد انتقل من الزرادشتية الى اليهودية ومن ثم انتقل الى الديانات السماوية الاخرى بصيغة المسيح أو المهدي. لا سيما في العقيدة الشيعية الإمامية الاثني عشرية. ومع مرور الزمن لم تبق هذه التصورات حبيسة البعد الروحي أو العقائدي، بل تحولت إلى أدوات سياسية وأيديولوجية أسهمت في تشكيل الحركات والثورات والدول، وأصبحت جزءًا من فهم الصراعات الدولية المعاصرة، خاصة في الشرق الأوسط، حيث يتداخل الديني مع السياسي بصورة معقدة في الصراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني.
تقوم العقيدة الشيعية الاثنا عشرية على الإيمان بأن الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن العسكري" قد دخل في “الغيبة الصغرى” في سرداب سامراء في سنة (260هـ/874م) وأنه سيعود في آخر الزمان بوصفه "المهدي المنتظر" ليقيم العدل الإلهي. وقد استمرت الغيبة الصغرى الى سنة 329هـ  أي حوالي سبعين سنة عندما أعلن السفير الرابع "علي بن محمد السمري (الصيمري)" ( المتوفى سنة 329هـ/ 941م) انتهاء الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى التي قد تستمر لمئات السنين. غير أن غياب الإمام خلق إشكالية كبرى تتعلق بمصدر السلطة الدينية والسياسية، إذ كان لا بد من إيجاد صيغة تنظّم علاقة الناس بالإمام الغائب، وتحدد من يملك حق تمثيله أو الحديث باسمه، لاسيما تعطيل فرضية الجهاد واقامة صلاة الجمعة وغيرها؛ ومن هنا بدأت تظهر عبر التاريخ الشيعي اتجاهات متعددة حاولت سد هذا الفراغ العقائدي والسياسي.
في البداية ظهرت فكرة (الباب) أو الوسيط الذي يكون حلقة وصل بين الإمام وأتباعه، وقد ارتبطت هذه الفكرة بعدد من الشخصيات التي ادعت مقامًا خاصًا في علاقتها بالأئمة والنيابة عنهم (أدعوا المهدية)  كالحلاج الصوفي صاحب الحلول (المقتول سنة309هـ/922م) والشلمغاني ( المقتول سنة323هـ/934م) وغيرهم كثير. ومن أبرز هذه الشخصيات التي كان لها دور كبير في ظهور طائفة منشقة عن الشيعة الامامية الاثنا عشرية: محمد بن نصير النميري (المتوفى سنة270هـ/883م)، ادعى أنه "الباب" الى الامام الحادي عشر "الحسن العسكري" (232 – 260هـ/846-874م)، ثم للإمام الغائب من بعده. وقد تطورت أفكاره لاحقًا إلى تيار ديني عرف باسم "النصيرية"، وهي الجماعة التي أطلق عليها الفرنسيون عندما احتلوا سوريا سنة1920م في فترة الانتداب اسم "الطائفة العلوية" لأسباب سياسية واجتماعية تتعلق بإعادة تشكيل الهويات الطائفية في بلاد الشام. وقد حملت النصيرية منذ نشأتها طابعًا باطنيًا شديدًا، يقوم على تأويل النصوص الدينية وإضفاء صفات روحية خاصة على الأئمة، كما احتفظت بفكرة الوساطة السرية والمعرفة الباطنية المرتبطة بالإمام الغائب، وقد حكمت هذه الطائفة سوريا ذات الغالبية السنية قرابة الخمسين عاماً (1970 – 2024م).
ومع مرور الزمن استمرت فكرة النيابة الروحية عن المهدي بالتطور داخل البيئة الشيعية، فظهرت الحركة الشيخية في القرن التاسع عشر على يد الشيخ أحمد الأحسائي(1753 – 1826م)، الذي ركز على البعد العرفاني والباطني في فهم الدين، واعتبر أن هناك أشخاصًا يمتلكون قدرة خاصة على إدراك أسرار الإمام المهدي والتواصل الروحي معه؛ وقد مهدت هذه الأفكار لظهور ما عرف لاحقًا بالكشفية على يد الشيخ كاظم الرشتي  (1793-1843). والركنية، حيث برز مفهوم “الركن الرابع”، على يد صاحب الركنية  "محمد كريم خان الكرماني"(1810 -1871م) لقول الاخير بـ "الركن الرابع" كأصل من أصول الدين (بعد التوحيد، النبوة، والإمامة)، وهو ما عرّفه بمعرفة الشيعي الكامل (الناطق الأول) الذي يكون واسطة بين الشيعة والإمام الغائب. أي الشخصية الروحية الكاملة التي تمثل الواسطة بين الإمام الغائب والناس. ولم يكن هذا التطور مجرد اجتهاد ديني، بل كان تعبيرًا عن حاجة نفسية وسياسية لدى الجماعات الشيعية للبحث عن سلطة حاضرة تعوض غياب الإمام الذي طال انتظاره.
ومن رحم هذه الاتجاهات خرجت “البابية” عندما أعلن "علي محمد الشيرازي" (1819/ 1850م) في إيران سنة 1260هـ/1844م اي بعد مرور الف سنة على غيبة المهدي المنتظر (محمد بن الحسن العسكري) أنه " الباب الى المهدي"  أي الوسيط الخاص بين الإمام الغائب وأتباعه، ثم تطورت دعواه لاحقًا إلى ادعاء المهدية نفسها ثم النبوة لاحقاً، واخيرا ادعى أنه أحد ظهورات الله جلت قدرته ، أي بعبارة أخرى أن روح الله قد حلت فيه، وهذا مما دعى علماء الشيعة الاثنا عشرية في دولة ايران القاجارية الى الحكم بردته وقتله في 9 يوليو/ تموز عام1850م في عهد السلطان ناصر الدين شاه القاجاري(1848 – 1896م).
وقد أحدثت البابية اضطرابات واسعة في المجتمع الإيراني القاجاري، لأنها لم تكن مجرد حركة روحية، بل حملت مشروعًا تغييريًا هدد البنية الدينية والسياسية القائمة. ومن البابية خرجت لاحقًا "البهائية" على يد "حسين علي النوري المعروف ببهاء الله"(1817 – 1892م)، الذي أعلن نفسه صاحب رسالة عالمية جديدة. بدعم من دولة روسيا القيصرية في البداية ومن ثم بريطانيا في مرحلة لاحقة، حيث استقر بهاء الله في مدينة عكا الفلسطينية الى موته وأصبحت بمثابة كعبة للبهائيين حول العالم. ورغم أن البهائية خرجت عن الدين الاسلامي، فإن جذورها تعكس استمرار أزمة "النيابة" والبحث عن ممثل للغيب داخل البيئة الشيعية الاثنا عشرية.
غير أن التحول الأكبر في تاريخ الفكر السياسي الشيعي جاء مع نظرية "ولاية الفقيه" التي يُنسب تأسيسها الفقهي والنظري لاول مرة منذ الغيبة الكبرى للمهدي المنتظرعام (329هـ/ 940م) لفكرة "الولاية العامة" للفقيه الملا "أحمد بن محمد مهدي النراقي"(1771 -1829م) في كتابه "عوائد الأيام" في أصول الفقه. وفيما بعد أصل لها نظريا  آية الله روح الله الموسوي الخميني (1902 – 1989م) في كتابه الحكومة الاسلامية التي كان يلقيها كمحاضرات على طلبة الحوزة في مدينة النجف في العراق عندما كان لاجئاً فيها ما بين شهر شباط ونيسان عام 1970م باللغة الفارسية وترجمها الى اللغة العربية الشيخ محمد مهدي الاصفي (1939 -2015م) وهو عام دين شيعي عراقي من أصول ايرانية وتحديداً الى مدينة بروجرد، وكان ممثلا للمرشد الايراني آية الله علي الخامنئي(1989 – 2026م)  في العراق الى وفاته سنة2015م. 
وفيما بعد طبقها عمليا على أرض الواقع آية الله الخميني باعتباره مؤسس الثورة الاسلامية الايرانية في سنة1979. فقد كان الفكر الشيعي التقليدي يميل إلى تجنب إقامة سلطة سياسية مطلقة في زمن الغيبة، باعتبار أن الحكم الكامل حق حصري للإمام المعصوم. لكن آية الله الخميني رأى أن تعطيل إقامة الدولة الإسلامية بانتظار ظهور المهدي يؤدي إلى ضياع الأمة، ولذلك منح الفقيه الجامع للشرائط سلطة سياسية ودينية واسعة بوصفه نائبًا عامًا عن الإمام الغائب. وهكذا تحولت المرجعية الدينية إلى نظام حكم كامل بعد الثورة الإيرانية عام 1979م، وأصبح “المرشد الأعلى” في الجمهورية الإسلامية يمثل الامتداد السياسي والديني لسلطة المهدي.