الأمير ثريا بدرخان.. كرديُّ الأصل.. مصريُّ الجنسية!!

الأمير ثريا بدرخان.. كرديُّ الأصل.. مصريُّ الجنسية!!
الأمير ثريا بدرخان.. كرديُّ الأصل.. مصريُّ الجنسية!!

الأمير ثُرَيَّا بدرخان (1883-1936م) سليل أسرة كردية كبيرة عددًا وعدة، اشتهرت بالنشاط الثقافي والسياسي والعسكري في الحركة التحررية الكردية الحديثة ضد الاستبداد العثماني والشوفينية الأتاتوركية وغيرهما. درس الحقوق والهندسة الزراعية. ونشأ على سفوح من النضال، ومراتع من الكفاح، ومنغصات من الهموم الساعية لتحقيق الحلم الكردي الكبير، المتمثل في وطن مستقل للشعب الكردي على أرضه كردستان.

تزدهر الأدبيات الكردية بالكتابات التي تتحدث عن دور ثريا بدرخان وعائلته في الحركة التحررية الكردية الحديثة، وكيف أنها وتابعيها عانوا من سياسات الظلم والعدوان العثماني والأتاتوركي. وأفاضت تلك الكتابات عن تشتت عائلته البدرخانية جغرافيًّا بين تركيا والشام ومصر وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها؛ فرارًا من الشوفينية التركية، وإعلاءً لصوت الحق الكردي في أروقة المحافل الدولية.

مع ذلك، لا توجد أي كتابات حتى الآن – لحد علمي - تشير إلى أن الأمير ثريا بدرخان سعى سعيًا حثيثًا لحصوله على الجنسية المصرية بداية من أواخر عام 1929م!! وفي أثناء بحثي في أرشيف دار الوثائق القومية المصرية عثرت على ملفٍّ في الوثائق الخاصة بوزارة الخارجية المصرية يخص طلب الأمير ثريا بدرخان من السلطات المصرية منحه الجنسية المصرية.

وخلاصة ذلك، أنه حينما كان الأمير ثريا بدرخان في بيروت كتب رسالة إلى القنصلية المصرية فيها مؤرخة في أغسطس 1929م، يطلب فيها من قسم الجوازات – بإدارة عموم الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية المصرية التصريحَ بعودته ودخوله القطر المصري، والسماح بتجديد تذكرة المرور المصرية التي في حوزته. وذكر أنه أقام في مصر أربعة عشر عامًا. وفي 21 من الشهر نفسه استفسرت الداخلية المصرية من وكيل الخارجية المصرية في: هل يصحُّ تجديد تذكرة المرور لـ ثريا بدرخان أم لا. وبدورها أحالت إدارة الشؤون السياسية والتجارية بالخارجية المصرية طلب ثريا برخان إلى إدارة التبعييات بالوزارة للنظر فيه والإفادة بما تراه. ويبدو أن الرد تأخر وقتًا ما، مما حدا بالداخلية المصرية أن ترسل إلى الخارجية خطابين في 10 و30 سبتمبر 1929م تستعجل فيهما الرد والإفادة فيما يخص تجديد تذكرة مرور السيد ثريا بدرخان.

برهنت الخارجية المصرية بما يثبت عدم إهمالها للموضوع، وإنما في عين اهتمامها، وتكثّف الجهد لإنجازه، وطمأنت الداخلية المصرية في 17 أكتوبر 1929م بأن الموضوع لا يزال تحت النظر، وأنها سوف توافي الداخلية بالمطلوب في الوقت المناسب. وفي 4 نوفمبر من السنة نفسها أفادت إدارة التبعيات بوزارة الخارجية بمذكرة إلى إدارة الشؤون السياسية والتجارية جاء فيها: «إن محافظة مصر (القاهرة) لم تتمكن من إجراء التحريات اللازمة عن ثريا بدرخان لغياب عائلته في الإسكندرية وقتذاك، وأن إدارة التبعيات طلبت من محافظة مصر مراقبة عودة العائلة لإجراء التحريات المطلوبة».

وظلت خطابات الاستعجال في ذهاب وإياب بين كل من الخارجية والداخلية ومحافظة مصر حتى إبريل 1930م، مفيدةً أنه سوف يتم الإبلاغ بالنتائج حال ورودها. وفي 20 من إبريل ردّتْ إدارة التبعييات بوزارة الخارجية على إدارة الشؤون السياسية والتجارية بمذكرة جاء فيها ما نصّه: «بشأن جنسية المذكور بعاليه (ثريا بدرخان) نفيد بأنه ثبت من التحريات التي أجرتها محافظة مصر أن صحةَ اسمه أحمدُ ثريا بدرخان، وأنه كردي الجنس، عثماني الأصل، وأنه حضر للقطر المصري سنة 1913م، وأنه لم يختر تبعية بلده الأصلية؛ لذلك يقتضي اعتباره مصري الجنس». وتم إبلاغ وزارة الداخلية بذلك بعد بثلاثة أيام. وبناءً عليه قامت الداخلية بمنح أحمد ثريا بدرخان الجنسية المصرية، واستخراج جواز سفر مصري له.

ومن ثم، حلّ الأمير ثريا بدرخان على مصر مواطنًا من مواطنيها، له ما لهم وعليه ما عليهم. وعاش واستقر بها عدة سنوات نموذجًا مشرّفًا. وكانت له أسرة تسكن في 14 شارع يعقوب أرتين باشا بحيّ مصر الجديدة، أحد الأحياء الراقية بالقاهرة. متكونة من زوجة وبنت وولد، أما الزوجة فلم تشر الوثائق أي معلومات عنها سوى أنها كانت ميسورة الحال. أما البنت فكانت تدعى «قُدرت»، وتزوجت من ولي العهد الأردني «ركان الهاشمي»، أما الابن فكان يدعى «سليمان حقي»، ولد في 25 مايو 1911م، وتلقى تعليمه الأولي والثانوي في مدارس الفرير والليسيه الفرنسية بالقاهرة، وسافر في بعثة إلى فرنسا على نفقة والدته في يناير 1935م لدراسة الزراعة لمدة عامين تحت إشراف ورعاية وزارة المعارف المصرية. وبعد انتهاء دراسته عاد إلى القاهرة مستقرًا بها حتى وفاته.

على أية حال، فإن ثريا بدرخان طوال إقامته في مصر لم يكلّ ولم يملّ سياسيًّا وثقافيًّا لتقرير مصير بني وطنه من الكرد؛ فإليه يعود الفضل في إصدار جريدة كردستان (النسخة الثانية) عام 1917م في القاهرة، والتي لم يعثر منها إلا على أحد عشر عددًا فقط. حيث عمل منذ وصوله لمصر في نفس السنة، مديرًا ومهندسًا زراعيًا لمزرعة «نعمت مختار» زوجة «محمود مختار باشا».

وفي القاهرة أيضًا أسّس ثريا بدرخان: «جمعية الاستقلال الكردي» عام 1917م، بمؤازرة الطلاب الكرد الذين كانوا يدرسون بالأزهر الشريف – طلاب «رواق الأكراد». ونشطت هذه الجمعية ثقافيًّا وسياسيًّا لكسب تأييد الدول الغربية بإقرار ودعم تأسيس دولة كردستان.

وعندما تأسست جمعية «خوبيون» أي "الاستقلال" عام 1927م في الشام، كان الأمير ثريا بدرخان مسؤولاً عن إعلاء الصوت الكردي الحر إلى الولايات المتحدة وأوروبا حتى عام 1930م، لحنكته السياسية والقانونية، ولإتقانه عدة لغات عالمية. وظل ثريا بدرخان في مصر حتى قبيل وفاته، حيث انتقل إلى منزل له في باريس (11 شارع أوبليجادو)، وتوفي بها عام 1936م.

ومما لا شك فيه: أن اختيار ثريا بدرخان لمصر لم يكن اختيارًا عشوائيًّا؛ فمصر في العقلية الكردية آنذاك هي منبر الأحرار الكرد، ومأوى لمضطهديهم الذين لجأوا إليها، حيث فتحت مصر لهم أبوابها، ولم تستغربهم مصر، ولم تـثـتـثـقـلهم، ولم تئن منهم، بل خلقت لهم أطر الحماية والرعاية، يزاولون على أرضها أنشطتهم الثقافية والسياسية المحرمة عليهم في وطنهم من قبل الحكومات التي تتقاسم أرضهم. فلا ضير؛ إن مصر عبر تاريخها تحترم كل الشعوب المظلومة، وتدعم نضالهم وكفاحهم وفق السبل الممكنة.

ومن إنصاف القول: إن الشعب الكردي وقادته لم ينسوا لمصر يوما هذه الحقيقة، بل تترجم وتستثمر فيما يقوّي أواصر العلاقات التاريخية الأصيلة بين الشعبين المصري والكردي لخلق واقع أفضل، وبناء مستقبل مزدهر لهما ولعموم شعوب المنطقة.

* الكاتب مصري – أستاذ (برفسيور) بجامعة الأزهر – متخصص في الشؤون الكردية

المصادر:

(1) دار الوثائق المصرية، وثائق وزارة الخارجية، الكود الأرشيفي: (0078 – 029774)، من الوثيقة رقم (1) حتى الوثيقة رقم (11). 

(2) دار الوثائق المصرية، وثائق البعثات، الكود الأرشيفي (4031 – 003688)، الملف رقم (213).