د. دلدار فرزنده زيباري
عميد كلية عقرة التقنية - جامعة عقرة للعلوم التطبيقية
اليوم الدولي للعيش المشترك بسلام: رسالة ذات معنى للمنطقة
في السادس عشر من مايو/أيار من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للعيش المشترك بسلام، وهو يوم أقرّته الأمم المتحدة لتعزيز المصالحة والتسامح والشمول والتفاهم والتضامن بين الشعوب والأمم. وفي منطقة عانت طويلًا من الصراع وانعدام الثقة والانقسام السياسي، لا يقتصر هذا اليوم على كونه رمزًا فحسب، بل يُعدّ تذكيرًا بأن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو أيضًا حضور العدل والكرامة والاعتراف المتبادل.
وبالنسبة للشعب الكوردي، تحمل هذه الرسالة دلالة خاصة. فعلى امتداد التاريخ الحديث، عبّر الكورد باستمرار عن رغبتهم في العيش بسلام مع جميع شعوب المنطقة، من العرب والأتراك والفرس وغيرهم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على لغتهم وثقافتهم وهويتهم وحقوقهم السياسية والمدنية المشروعة. ولم تكن القضية الكوردية يومًا قضية سياسية فحسب، بل هي أيضًا قضية إنسانية، متجذّرة في المبادئ العالمية للكرامة والمساواة والاعتراف.
إن العيش بسلام لا يعني مطالبة شعبٍ ما بإنكار هويته من أجل طمأنة الآخرين. فالتعايش الحقيقي يقوم على القبول لا على الذوبان، وعلى الشراكة لا على الهيمنة. وقد أثبت الشعب الكوردي مرارًا سعيه إلى تعايش سلمي قائم على الاحترام المتبادل. وفي إقليم كوردستان، ورغم التحديات الكثيرة، تُبذل جهود متواصلة لبناء مجتمع تتعايش فيه مختلف المكوّنات العرقية والدينية جنبًا إلى جنب. ويدرك الكورد، ربما أكثر من غيرهم، قيمة التعايش لأنهم عانوا من الإقصاء وصمدوا في وجهه.
وفي الوقت نفسه، يتطلب السلام الحقيقي الاعتراف بالحقوق الكوردية، لا التعامل معها بوصفها تنازلات مؤقتة أو أدوات للمساومة السياسية. فالحقوق الثقافية، بما في ذلك التعليم باللغة الأم وحرية الحفاظ على التراث التاريخي، هي حقوق أساسية. والحقوق المدنية والسياسية لا تقل أهمية، إذ تمكّن الناس من المشاركة الكاملة في الحياة العامة وصياغة مستقبلهم ديمقراطيًا. فالسلام بلا حقوق هش، والكرامة بلا اعتراف ناقصة.
لذا، يقدّم اليوم الدولي للعيش المشترك بسلام درسًا مهمًا للحكومات والمجتمعات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط: لا يمكن تحقيق الاستقرار من خلال إنكار الهوية أو قمع التطلعات المشروعة. إن السلام الدائم يتحقق عندما تشعر جميع الشعوب بالاحترام والانتماء. ولا يطالب الشعب الكوردي بامتيازات على حساب الآخرين، بل يطالب بالمساواة معهم. وهذا التمييز جوهري. فالمطالبة بالكرامة ليست تهديدًا للوحدة الوطنية، بل هي أساس لعقد اجتماعي أكثر قوة وعدلًا.
علاوة على ذلك، يمكن للتجربة الكوردية أن تُسهم إسهامًا إيجابيًا في السلام الإقليمي. فقد أكّد المجتمع الكوردي على الدوام قيم الاعتدال والتعددية والانفتاح. وفي أوقات هدّد فيها التطرف والطائفية المنطقة، قدّم التطلع الكوردي إلى التعايش السلمي نموذجًا مختلفًا، قائمًا على الشراكة المدنية والإنسانية المشتركة. وينبغي الاعتراف بهذا النموذج وتشجيعه، لا الخوف منه.
وفي هذا اليوم الدولي، علينا أن نتذكر أن السلام التزام متبادل. فالكوردد، شأنهم شأن سائر الشعوب، مدعوون إلى مواصلة تعزيز الحوار والتسامح والقيم الديمقراطية. لكن الدول المجاورة والجهات الفاعلة الإقليمية تتحمل أيضًا مسؤولية أخلاقية وسياسية في الاعتراف بالشعب الكوردي أمةً شرعية ذات ثقافة غنية وحقوق لا جدال فيها. فالاعتراف ليس منحة، بل هو حق من حقوق الإنسان.
ورسالة السادس عشر من مايو واضحة و لا يمكن التعايش بسلام إلا عندما يُسمح لكل مجتمع بأن يعيش بكرامة. وبالنسبة للشعب الكوردي، لم يكن السلام يومًا يعني التخلي عن الهوية، بل بناء مستقبل تتعايش فيه الحقوق جنبًا إلى جنب. وإذا كانت المنطقة تسعى حقًا إلى مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية، فعليها أن تتبنى هذا المبدأ، لا في أيام الذكرى الدولية فحسب، بل في السياسات والممارسات اليومية أيضًا.