حكمة الرئیس مسعود بارزاني تحمي إقلیم كوردستان من حروب المنطقة

حكمة الرئیس مسعود بارزاني تحمي إقلیم كوردستان من حروب المنطقة
حكمة الرئیس مسعود بارزاني تحمي إقلیم كوردستان من حروب المنطقة

شهد الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في طبيعة الصراع الدولي والإقليمي، حيث انتقلت المواجهة الإيرانية–الأمريكية–الإسرائيلية من سياقات حرب الظل والوكلاء التقليديين إلى مواجهة شبه مباشرة، تضع النظام الإقليمي بأسره أمام إعادة تشكيل قسرية للجغرافيا السياسية. 

وفي قلب هذا التموج العنيف، يقف إقليم كوردستان بموقعه الجيوسياسي الحساس—الملتصق جغرافياً بإيران، والمتحالف استراتيجياً مع الغرب، والمتداخل مصيرياً مع العمق العراقي والتركي—أمام اختبار تاريخي يتطلب تفكيكاً علمياً للمخاطر، وصياغة استراتيجية بقاء وازدهار تتمحور حول المصلحة الوطنية العليا للإقليم أولاً وأخيراً. 

ولا يمكن فهم آليات حماية الإقليم دون تفكيك عناصر قوته الذاتية وموقعه في الحسابات الدولية؛ إذ يمتلك إقليم كوردستان أبعاداً استراتيجية رئيسية تشكل حائط الصد وحجر الزاوية في أي معادلة توازن، بدءاً من موقعه الرابط كمنطقة عازلة مانعة للانفجار الكلي تجعل منه حاجة حيوية للأمن والسلم الدوليين، مروراً بدبلوماسية الطاقة وسلاسل الإمداد التي ترفعه كشريك اقتصادي موثوق للمجتمع الدولي الباحث عن تنويع مصادر الطاقة، وصولاً إلى بنيته المؤسساتية والأمنية المستدامة المتمثلة في واحة الاستقرار السياسي النسبي وقوات البيشمركة الشرعية والمنظمة التي تحظى باعتراف ودعم دوليين.

وتعلمنا أدبيات العلاقات الدولية أن الأزمات الوجودية للأقاليم شبه المستقلة تحتاج إلى قيادة كاريزمية واقعية قادرة على قراءة موازين القوى دون عاطفة، وهنا يبرز الدور المحوري والمستمر للرئيس مسعود بارزاني في هندسة سياسة الحياد الإيجابي والشرعية الدستورية. إن السياسة الحكيمة التي ينتهجها الرئيس بارزاني، کونه المرجع السياسي والأمني لکوردستان، تقوم على رفض قطعي لتحويل أراضي كوردستان إلى منطلق لتهديد أمن الجيران، وتحديداً الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالمقابل يرفض بشكل قاطع تقديم أي تنازلات تمس بالسيادة الدستورية للإقليم أو تجعله لقمة سائغة للصراعات بالوكالة.

وتتجلى حكمة هذه السياسة في الاحتواء الهادئ واستيعاب الضغوطات الصاروخية والسياسية عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية بالتنسيق مع بغداد والمجتمع الدولي بدلاً من الانجرار إلى ردود فعل عسكرية غير متكافئة، فضلاً عن تركيزه المستمر على ترسيخ الجبهة الداخلية ووحدة الصف الكوردستاني، انطلاقاً من قاعدة ثابتة مفادها أن الأمن القومي للإقليم يبدأ من تماسكه الداخلي.

هذه القيادة الحكيمة تبدو اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى بالنظر إلى مصفوفة التهديدات وسيناريوهات الصراع التي تحيط بالإقليم؛ ففي حال توجيه ضربات غربية أو إسرائيلية مباشرة للعمق الإيراني، يبرز سيناريو التصعيد العسكري المباشر حيث قد تلجأ طهران استراتيجياً لتوسيع رقعة الردع والاعتراض عبر جغرافية الإقليم بالقصف الصاروخي أو استهداف البنية التحتية للطاقة لإرسال رسائل دولية. 

أما السيناريو الثاني والأكثر ترجيحاً، فيتمثل في حرب الوكلاء واستنزاف الداخل عبر تفعيل الفصائل المسلحة الحليفة لإيران في العراق للضغط على أربیل، عاصمة إقلیم کوردستان الفدرالي، عسكرياً واقتصادياً، من خلال تكرار استهداف حقول الغاز الحيوية أو المطارات لخلخلة استقرار الإقليم ودفعه لفك الارتباط الاستراتيجي مع واشنطن.

وتتزامن هذه المخاطر مع تداعيات إنسانية واجتماعية واقتصادية محتملة، تشمل تدفقات النزوح البشري وضغوطاً على الخدمات العامة، ناهيك عن احتمالية استغلال قوى إقليمية مجاورة مثل تركيا لأي ثغرة أمنية لإعادة ضبط نفوذها في المناطق المحادية لإقلیم کوردستان، مما يفرض على كوردستان تبني سيناريو الاحتواء الدبلوماسي المتنبه الذي يبقي حدة التوتر تحت سقف الحرب الشاملة مع تعزيز أوراق المناورة الذاتية.

ولمواجهة هذه المخاطر والعبور بالبلاد إلى بر الأمان، تقتضي المصلحة الوطنية العليا للإقليم صياغة مصفوفة استراتيجية رباعية الأبعاد تتكامل فيها المسارات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والمجتمعية بشكل صارم وعقلاني. على الصعيد الدفاعي، يغدو المضي السريع في توحيد وتحديث قوات البيشمركة تحت مظلة الوزارة وبدعم من التحالف الدولي ضرورة ملحة، مع التركيز على اقتناء منظومات الدفاع الجوي السلبي والتشويش الإلكتروني لحماية الأجواء، بالتوازي مع تفعيل غرف العمليات المشتركة مع الجيش العراقي لسد الثغرات الأمنية.

ودبلوماسياً، يتطلب المشهد حراكاً عابراً للمحاور يضغط باتجاه تفعيل التزامات الولايات المتحدة والمجتمع الدولي تجاه أمن الإقليم ضمن الاتفاقيات الاستراتيجية، مع السير قدماً في تصفير الذرائع وتطبيق التفاهمات الأمنية مع طهران بدقة لسحب أي مبرر واهٍ لاستهداف أراضي كوردستان. ويتكامل هذا التحوط الدبلوماسي مع مرونة اقتصادية صارمة تضع حقول النفط والغاز تحت حماية فائقة وتخرجها من دائرة النزاع، مع تنويع الموارد والتبادل التجاري مع تركيا ودول الخليج وعمق بغداد لضمان تدفق السلع وتجنب الاختناقات الاقتصادية، يرافقها خطط طوارئ وطنية لتأمين مخزون استراتيجي من الغذاء والدواء لضمان صمود وتماسك الجبهة الداخلية.

إن إقليم كوردستان لا يمتلك ترف اختيار جيرانه، لكنه يمتلك بفضل إرثه النضالي ومؤسساته الدستورية وحكمة قيادته المتمثلة في الرئيس مسعود بارزاني القدرة على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص للثبات والانتزاع المستمر للاعتراف الدولي. إن المصلحة الوطنية العليا للإقليم تقتضي اليوم الالتزام بالعقلانية السياسية الصارمة والابتعاد عن محاور الحروب المباشرة والرفض القاطع للتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مع التمسك بالعمق الدستوري العراقي والمظلة الدولية؛ فكوردستان القوية، الموحدة، والمحصنة دفاعياً ودبلوماسياً، هي وحدها القادرة على العبور بسلام من عاصفة الشرق الأوسط المشتعلة، لتظل كما كانت دائماً رقماً صعباً ومعادلة استقرار لا يمكن تجاوزها في حسابات المنطقة والعالم.