صلاح بكر
كاتب
ميزان الشراكة المائل
حين سقط النظام السابق عام 2003، لم يسقط نظام حكم فحسب، بل انهارت فكرة الحزب الواحد و الدولة المركزية بأكملها ، وُلد العراق الجديد من رحم وعد بأن تكون الشراكة والتوازن والتوافق أعمدة ثلاثة لا ينهض بناء الدولة إلا بها ، في تلك اللحظة التأسيسية ، حين شُكّل مجلس الحكم الانتقالي ، كان التمثيل المكوناتي حاضراً بوضوح: ثلاثة عشر عضواً شيعياً ، وخمسة سنة ، وخمسة كورد ، ومسيحي وتركماني. كانت تلك بداية عقد سياسي أراد أن يقول ان لكل مكون صوتا في صناعة القرار ، ثم جاء الدستور الدائم عام 2005 ليكرس هذا المبدأ مؤسسيا ، فتوزعت الرئاسات الثلاث بعرف سياسي ثابت: رئاسة الوزراء للمكون الشيعي، ورئاسة مجلس النواب للمكون السني ، ورئاسة الجمهورية للمكون الكوردي. وتوسعت الشراكة لتشمل المؤسسات الأمنية والعسكرية والهيئات المستقلة.
في تلك السنوات الأولى، كان منصب رئاسة الجمهورية رمزاً للشراكة السياسية، ومنصب رئيس أركان الجيش تجسيداً للشراكة العسكرية، وكان الكورد حاضرين في رئاسة مفوضية الانتخابات وهيئات مستقلة اخری. كانت الشراكة حية ومتجسدة في بنية الدولة. أما المكون السني فكان يشغل رئاسة البرلمان ووزارات سيادية وقيادات أمنية، في توازن كان يعكس الإرادة التأسيسية ويمنح كل طرف شعوراً بالانتماء.
غير أن هذا المسار انعطف انعطافاً حاداً، ولم يكن ذلك وليد الصدفة بل نتاج أسباب بنيوية متراكمة.
أولها: تنامي نزعة الاستحواذ لدى المركز الذي وجد في تمدده التدريجي وسيلة لتعزيز سلطته دون مقاومة.
ثانيها: التشتت الداخلي للمكون الكوردي بين قطبيه الرئيسيين، مما حوّل الخلاف البيني إلى ثغرة استُثمرت لسحب المناصب دون صوت موحد يقف في المواجهة.
ثالثها: ضعف المكون السني وانقسامه بعد سنوات التهميش، مما أفقده القدرة على المطالبة بما يستحق.
رابعها: غياب ضمانات دستورية ملزمة تحمي توزيع المناصب، فبقي الأمر رهين أعراف هشة تُنقض متى اختل ميزان القوى.
خامسها: تراجع الدور الدولي الضاغط باتجاه التوازن، تاركاً الساحة لحسابات القوة الداخلية.
هذه الأسباب أنتجت تآكلاً منهجيا: سحب منصب رئيس أركان الجيش من المكون الكوردي عام 2015 وثبت لمكون آخر عام 2026، وفقدت رئاسة مفوضية الانتخابات ، وغاب الكورد عن الكثير من المناصب و المواقع المهمة، لم يعد الأمر خلافاً على منصب، بل نمطاً يعيد رسم خريطة السلطة لصالح طرف واحد.
لكن من يحتكر الطاولة وحده، يأكل وحده ويختنق وحده. إن الدولة التي تبنى على إقصاء شركائها لا تصنع قوة بل تصنع وهماً يتغذى على صمت المهمشين ، وحين ينفد الصمت تنفد الدولة معه. إن احتكار السلطة لا ينتج استقرار بل ينتج هدوءا مؤقتا يشبه سكون البركان قبل انفجاره. من يقصي شريكه اليوم يصنع خصمه غداً، ومن يفرغ الشراكة من معناها يملأ الفراغ بالاحتقان. إن الشعوب التي تحرم من التمثيل لا تختفي، بل تتحول طاقتها من البناء المشترك الى قوة صامتة، فكل إمبراطورية بنيت على الإقصاء انتهت بالتفتت من داخلها، لا بسقوطها من خارجها.
هنا يبرز التساؤل الأعمق: هل هذا استحقاق انتخابي مشروع أم فرض ارادة مقنع؟ ان الاستحقاق الانتخابي في النظم التوافقية لا يلغي حقوق المكونات في الشراكة، بل يحدد أوزانها داخلها. والمعادلة السليمة ليست في الغاء احدهما لصالح الآخر، بل في الالتزام بمبدأ الشراكة في ادارة الحكم وصنع القرار مع الأخذ بنظر الاعتبار الاستحقاق الانتخابي، فالشراكة تضمن أن لا يقصى احد، والاستحقاق يضمن أن يكون التمثيل منسجماً مع ارادة الناخبين. ما يحدث اليوم براغماتية تستثمر في تشتت الآخرين لفرض واقع يتنكر لروح الدستور.
ان المسافة بين عراق 2003 وعراق اليوم هي المسافة بين الوعد والنكوص ، وهو التراجع عن المكتسبات او العهود بعد الاقبال عليها. دولة تتنكر لأسس تأسيسها تسير نحو التشظي. والعراق بحاجة إلى استعادة صادقة لروح العقد الأول، حيث تكون الشراكة التزاما لا غنيمة، والتوازن ضمانة لا منة، والتوافق منهج حكم لا أداة إقصاء.