صلاح بكر
كاتب
أصوات بلا قيمة
يعتبر النظام الانتخابي الركيزة الاساسية لأي نظام ديمقراطي يسعى لتمثيل ارادة الشعب بشكل حقيقي وعادل. في العراق ومنذ اقرار الدستور الدائم في عام 2005،شهدت الساحة السياسية جدلا مستمرا حول طبيعة قانون الانتخابات الأنسب الذي يضمن تمثيلا عادلا لجميع أطياف الشعب العراقي وقواه السياسية، ويبرز في قلب هذا الجدل النقاش حول اعتماد العراق كدائرة انتخابية واحدة ، مقابل تقسيمه الى دوائر متعددة على مستوى المحافظات (19 دائرة انتخابية). إن العودة إلى نظام الدائرة الانتخابية الواحدة تمثل خطوة ضرورية نحو تحقيق العدالة والمساواة التي نص عليها قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023، وضماناً حقيقياً للحفاظ على أصوات الناخبين من الضياع والتهميش.
أساس المساواة وعدالة الانتخابات
ان اعتماد العراق كدائرة انتخابية واحدة يتوافق بشكل وثيق مع روح قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023، وتحديداً مع المادة (3) في فقراتها (ثانياً/ ثالثاً/ رابعاً) التي تنص على مبادئ اساسية تتعلق بالمساواة وضمان حقوق الناخب وعدالة الانتخابات. هذه المادة تؤكد بان جميع الناخبين متساوون في حقوقهم السياسية. ان هذه المبادئ القانونية الاساسية تعني ان كل ناخب عراقي له الحق في التصويت بحرية وسرية، وان قيمة صوته يجب أن تكون متساوية مع اصوات جميع الناخبين الآخرين، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي أو انتماؤهم.
ان هذه المبادئ تتطلب ان يكون لكل صوت انتخابي نفس الوزن والقيمة في تحديد ممثلي الشعب ، وهو ما لا يتحقق إلا عندما يكون الوطن بأسره دائرة واحدة. ففي هذا النظام، يتم احتساب الأصوات على المستوى الوطني، مما يضمن أن كل صوت يذهب للقائمة أو المرشح الذي اختاره الناخب ، بغض النظر عن موقعه الجغرافي. هذا يعني أن المادة (3) من قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023 لا تكتفي بضمان حق الناخب في التصويت، بل تضمن أيضاً أن يكون لصوته قيمة حقيقية وفعالة في تحديد ممثليه.
ضمان العدالة والمساواة في انتخابات مجلس النواب
ان نظام الدائرة الانتخابية الواحدة في انتخابات مجلس النواب يعتبر النظام الوحيد الذي يحقق العدالة الحقيقية والمساواة الفعلية بين جميع الناخبين العراقيين. في هذا النظام ، يكون لكل ناخب صوت واحد متساوي القيمة والوزن مع جميع الناخبين الآخرين في جميع أنحاء الوطن، بغض النظر عن محافظتهم أو موقعهم الجغرافي، هذا يعني أن الناخب في محافظة بغداد له نفس قيمة الصوت التي يملكها الناخب في محافظة دهوك أو البصرة او اي محافظة أخرى.
كما أن الدائرة الواحدة تضمن ان حقوق الناخبين كاملة وغير منقوصة، فلا يتم اهدار اصواتهم أو تجاهل اختياراتهم السياسية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا النظام يحافظ على قيمة أصوات جميع القوائم والمرشحين، حيث يتم احتساب كل صوت بشكل مباشر في توزيع المقاعد على المستوى الوطني، مما يزيل الغبن ويضمن تمثيلا عادلا لجميع التيارات السياسية والاجتماعية في المجتمع العراقي. وبهذا الشكل، يتم تطبيق حقيقي لما نصت عليه المادة (3) من قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023 بشأن المساواة وضمان حقوق الناخب.
مخالفة الدوائر المتعددة لمبادئ المساواة وعدالة الانتخابات
للأسف، فإن نظام الدوائر المتعددة (19 دائرة انتخابية) في انتخابات مجلس النواب يخالف بشكل واضح ومباشر نص المادة (2) فقراتها (ب/ج) من الدستور العراقي 2005، والذي ينص علی "لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، والحقوق والحريات" وكذلك نصوص المادة (3) بفقرتها (ثانياً/ ثالثاً/ رابعاً) من قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023. فهذا النظام يقسم الناخبين حسب المحافظات الجغرافية، مما يؤدي إلى عدم المساواة الفعلية في قيمة الصوت الانتخابي.
الناخب في محافظة معينة قد يكون صوته أقوى من ناخب في محافظة أخرى، بسبب الفروقات السكانية والتفاوت في عدد المقاعد المخصصة لكل محافظة.
هذا التفاوت يمثل خرقاً واضحاً لمبدأ المساواة الذي نصت عليه المادة (3) من القانون، حيث أن المساواة تعني أن جميع الأصوات متساوية في القيمة والوزن. بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام الدوائر المتعددة في انتخابات مجلس النواب يخالف مبدأ ضمان حقوق الناخب، لأنه قد يؤدي إلى إهدار أصوات الناخبين دون أن تحصل على تمثيل فعلي.
الأصوات المهدرة: حقيقة مرة في نظام الدوائر المتعددة
ان أحد أبرز عيوب نظام الدوائر المتعددة في انتخابات مجلس النواب هو ظاهرة الأصوات المهدرة والمتناثرة. قد تحصل قائمة معينة على آلاف الأصوات المشتتة عبر عدة محافظات، ولكنها لا تتمكن من حصد أي مقعد برلماني لأنها لم تصل إلى العتبة الانتخابية في أي دائرة بمفردها. هذا يؤدي إلى إقصاء شريحة واسعة من الناخبين والغاء ارادتهم السياسية بشكل كامل، مما يخالف بشكل مباشر مبدأ ضمان حقوق الناخب الذي نصت عليه المادة (3) من قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023.
في هذا السياق، تصبح أصوات هؤلاء الناخبين "أصواتاً بلا قيمة"، حيث أنها لا تؤثر على النتيجة النهائية للانتخابات ولا تحصل على تمثيل يعكس إرادتهم السياسية. بالمقابل، يتيح نظام الدائرة الواحدة تجميع هذه الأصوات المتناثرة، مما يمنح هذه القوائم فرصاً عادلة للحصول على تمثيل يتناسب مع حجم تأييدها الفعلي على مستوى البلاد، وبالتالي يزيل الغبن ويعزز من التعددية السياسية ويحقق مبدأ عدالة الانتخابات.
التمييز الضروري: الدوائر المتعددة في انتخابات مجالس المحافظات والأقضية
من المهم جداً التمييز والفصل بين نظام الدوائر المتعددة في انتخابات مجلس النواب وبين نفس النظام في انتخابات مجالس المحافظات والأقضية. فبينما يكون نظام الدوائر المتعددة ظالماً وغير عادل في انتخابات مجلس النواب، إلا أنه يكون عادلاً ومنصفاً في انتخابات مجالس المحافظات والأقضية. والسبب في ذلك واضح جداً: أن مجالس المحافظات والأقضية هي هيئات محلية تختص بإدارة شؤون محافظتها أو قضائها بالذات، وبالتالي فإن تقسيم الناخبين حسب المحافظات والأقضية يتناسب مع طبيعة هذه الهيئات المحلية.
في هذا السياق، ينطبق قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي رقم 12 لسنة 2018 المعدل على انتخابات المجالس المحلية، حيث يكون من المنطقي والعادل أن يكون لكل محافظة دائرة انتخابية خاصة بها، لأن أعضاء مجلس المحافظة يمثلون سكان تلك المحافظة تحديداً، لكن الحال مختلف تماماً في انتخابات مجلس النواب، حيث أن أعضاء مجلس النواب يمثلون الشعب العراقي بأكمله وليس محافظاتهم فقط، كما نصت على ذلك المادة (49) من الدستور العراقي.
عيوب نظام الدوائر المتعددة والتفاوت السكاني في انتخابات مجلس النواب
في المقابل، يكتنف نظام تقسيم العراق إلى 19 دائرة انتخابية في انتخابات مجلس النواب عيوب جوهرية تتناقض مع مبادئ المساواة وضمان حقوق الناخب وعدالة الانتخابات التي نصت عليها المادة (3) من قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023. أبرز هذه العيوب هو التفاوت الكبير في عدد المقاعد المخصصة لكل محافظة مقارنة بكثافتها السكانية الحقيقية. فرغم أن المادة (49) من الدستور العراقي تنص في فقرتها الأولى على أن: "يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي بأكمله، يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري المباشر"، إلا أن غياب اعتماد نتيجة التعداد السكاني للعراق والاكتفاء بتقديرات قديمة يؤدي إلى توزيع غير عادل للمقاعد.
هذا التفاوت يجعل وزن الصوت الانتخابي في محافظة ما مختلفاً عن وزنه في محافظة أخرى، مما يمثل خرقاً واضحاً لمبدأ المساواة والعدالة الذي نصت عليه المادة (3) من القانون نفسه. كما أن هذا التفاوت يؤدي إلى عدم تحقيق مبدأ ضمان حقوق الناخب، لأن الناخب في محافظة قد لا يحصل على نفس قيمة التمثيل التي يحصل عليها الناخب في محافظة أخرى.
تكريس المحاصصة والانقسامات المناطقية في انتخابات مجلس النواب
إن نظام الدوائر المتعددة على مستوى المحافظات في انتخابات مجلس النواب يكرس الانقسامات المناطقية والمحاصصة الجغرافية والطائفية، حيث ينصب تركيز المرشحين على مصالح دوائرهم الضيقة بدلاً من التركيز على المصالح الوطنية العليا. هذا يؤدي إلى تفتيت الرؤية الوطنية وإضعاف دور مجلس النواب كسلطة تشريعية تمثل "الشعب العراقي بأكمله" كما نصت المادة (49) من الدستور.
إن ممثل الشعب يجب أن يحمل هموم الوطن بأسره، ونظام الدائرة الواحدة يدفع المرشحين والقوائم إلى صياغة برامج وطنية شاملة تخاطب جميع العراقيين من زاخو إلى الفاو. بهذا الشكل، يتم تحقيق مبدأ عدالة الانتخابات الذي نصت عليه المادة (3) من قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023.
نحو تطبيق حقيقي لمبادئ المساواة وعدالة الانتخابات
ختاماً، إن الانتقال إلى نظام الدائرة الانتخابية الواحدة في انتخابات مجلس النواب ليس مجرد تغيير فني في قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023، بل هو إصلاح بنيوي عميق يهدف إلى تصحيح مسار العملية الديمقراطية في العراق وتطبيق حقيقي لنصوص الدستور كما جاء في المادة (2) وفقراتها لمبادئ المساواة وضمان حقوق الناخب وعدالة الانتخابات. إن مزايا هذا النظام في تحقيق المساواة المطلقة بين أصوات الناخبين، والحفاظ على استحقاقات جميع القوائم دون تهميش، وتعزيز اللحمة الوطنية، تجعله الخيار الأمثل لتجاوز عيوب نظام الـ 19 دائرة الذي أثبت قصوره في تحقيق العدالة التمثيلية.
إن نظام الدوائر المتعددة يخالف بشكل مباشر المادة (3) بفقراتها المختلفة (ثانياً/ ثالثاً/ رابعاً) من قانون انتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بقانون رقم 3 لسنة 2023 وبالتالي يخالف الفقرات (ب/ج) من المادة-2 من الدستور ، لأنه يؤدي إلى عدم المساواة الفعلية بين الناخبين ويجعل قيمة الصوت الواحد تختلف من محافظة إلى أخرى، وبالتالي يحول أصوات الناخبين إلى "أصوات بلا قيمة". الالتزام الحقيقي بنصوص القانون يحتم على المشّرع العراقي صياغة قانون انتخابات يعكس حقيقة أن جميع الناخبين العراقيين متساوون في حقوقهم السياسية، وأن ممثليهم يجب أن يجسدوا إرادة الشعب بأكمله.
ليكن العراق دائرة واحدة في انتخابات مجلس النواب، وصوتاً واحداً نحو مستقبل ديمقراطي مشرق يقوم على أساس المساواة الحقيقية والعدالة الانتخابية وضمان حقوق الناخب، بينما تبقى الدوائر المتعددة عادلة ومنصفة في انتخابات مجالس المحافظات والأقضية التي تختص بالشؤون المحلية. فلا تكون أصوات الناخبين بلا قيمة، بل تكون لها قيمة حقيقية وفعالة في تحديد مستقبل الوطن.