نظافة أربيل تبهر العالم

نظافة أربيل تبهر العالم
نظافة أربيل تبهر العالم

في منطقةٍ تعاني فيها مدن كثيرة من التلوث والفوضى العمرانية وتراجع الخدمات البيئية، تبرز أربيل بوصفها نموذجاً مختلفاً؛ مدينة تحاول أن تبني صورتها الحديثة ليس فقط عبر الأبراج والمشاريع الاقتصادية، بل أيضاً من خلال احترام البيئة والطبيعة والإنسان. ولهذا لم يعد غريباً أن يصف كثير من السياح الأجانب أربيل بأنها واحدة من أكثر مدن العراق نظافةً وأماناً وتنظيماً.

القرار الأخير الذي اتخذته وزارة الداخلية في إقليم كوردستان بفرض غرامات تصل إلى 40 ألف دينار على من يرمي النفايات من المركبات، يعكس تحوّلاً واضحاً في طريقة إدارة المدن داخل الإقليم. فالحكومة لم تعد تنظر إلى النظافة بوصفها خدمة بلدية بسيطة، بل باعتبارها جزءاً من ثقافة المجتمع وهيبة القانون وصورة المدينة أمام العالم.

ولم تكتفِ السلطات بفرض الغرامات، بل دعمت ذلك بمنظومة مراقبة بالكاميرات، وتفعيل التبليغ الإلكتروني، ونشر فرق جوالة في المواقع السياحية والأماكن العامة، إلى جانب حملات توعية داخل المدارس والجامعات لتقليل استخدام البلاستيك وتعزيز ثقافة فرز النفايات والحفاظ على المساحات الخضراء.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن اهتمام حكومة الإقليم بالبيئة لا يقتصر على الشوارع والنفايات فقط، بل يمتد إلى الطبيعة والمياه والحياة البرية. ففي السنوات الأخيرة، توسعت مشاريع السدود والخزانات المائية بهدف حماية الموارد المائية ومواجهة الجفاف والتغير المناخي، وهي تحديات باتت تهدد المنطقة بأكملها. كما تعمل الحكومة على تطوير الأحزمة الخضراء وزراعة آلاف الأشجار في محيط المدن والطرق الرئيسية لتحسين جودة الهواء وتقليل التصحر.
وفي جانب آخر، تحاول حكومة الإقليم ترسيخ مفهوم حماية الحياة البرية والحيوانات، وهو أمر ظل مهمشاً لسنوات طويلة في أجزاء واسعة من المنطقة. وتبرز هنا محمية بارزان الطبيعية كواحدة من أهم التجارب البيئية في كوردستان، حيث تحولت إلى مساحة لحماية التنوع الحيوي والحفاظ على الحيوانات والطيور والطبيعة الجبلية الخلابة. هذه المحمية لم تعد مجرد موقع طبيعي، بل أصبحت رمزاً لوعي بيئي جديد يسعى إلى تحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على الطبيعة.

كما أن إزالة آلاف المولدات الأهلية من داخل المدن، وتقليل الانبعاثات الضارة، والتوسع في مشاريع الطاقة وتحسين الكهرباء، كلها خطوات تعكس إدراكاً متزايداً لدى حكومة الإقليم بأن البيئة لم تعد قضية ثانوية، بل جزء من الأمن الصحي والاقتصادي والاجتماعي.

وبحسب تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن إقليم كوردستان شهد خلال السنوات الماضية تنفيذ مشاريع مرتبطة بالتنمية المستدامة وتحسين البنية البيئية ودعم البلديات وإدارة النفايات. كما تؤكد تقارير بيئية دولية أن الاستثمار في المساحات الخضراء والمياه والطاقة النظيفة أصبح ضرورة حقيقية لمواجهة آثار التغير المناخي في العراق والمنطقة.

وربما ما يجعل تجربة أربيل مختلفة هو أن المواطن نفسه بدأ يشعر بأن نظافة المدينة والطبيعة المحيطة بها ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية جماعية أيضاً. لذلك، جاءت فكرة تخصيص أرقام ساخنة للإبلاغ عن المخالفين كمحاولة لتحويل المجتمع إلى شريك فعلي في حماية البيئة.

اليوم، لا تحاول أربيل فقط أن تكون مدينة جميلة، بل تسعى إلى بناء نموذج حضاري يقول إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج فقط، بل بوجود هواء أنظف، ومياه محفوظة، وطبيعة محمية، وحيوانات تجد مكاناً آمناً للعيش، وشوارع يشعر الناس فيها بأن النظام والاحترام جزء من حياتهم اليومية.