د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
جولة الفاتيكان وروما تجدد التفويض الدولي لشرعية إقليم كوردستان الدستورية
تتجاوز الجولة الدبلوماسية الرسمية الاخیرة التي قادت وفد إقليم كوردستان إلى روما والكرسي الرسولي (الفاتيكان) حدود الحراك البروتوكولي الإجرائي، لتكشف عن هندسة إستراتيجية تندرج ضمن العقيدة الإستراتيجية العليا (Grand Strategy) للإقليم لتثبيت مكانته الدولية كـفاعل غير دولي شبيه بالدولة (Statelike Non-State Actor) حتمي في جيوبوليتيك الشرق الأوسط.
وتكتسب هذه الحركة ثقلاً مضاعفاً بالنظر إلى التوقيت الجيوسياسي الحساس، حيث تمر المنطقة بمرحلة إعادة ترتيب التحالفات، بالتزامن مع إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي في العراق عقب نيل حكومة رئيس الوزراء الجديد، علي فالح الزيدي، ثقة البرلمان.
وفي هذا المناخ المفصلي تسعى حكومة أربيل لتثبيت استحقاقاتها الدستورية وحماية حصتها المالية في الموازنة المستندة إلى معطيات التعداد العام الأخير، موظفة "دبلوماسية السلام الناعمة" كأداة للمناورة الخارجية ومد الجسور نحو العمق الأوروبي، بهدف تحصين كيانها الدستوري وتدويل مصالحها الحيوية.
إن تفكيك هذه الزيارة من منظور النظرية الواقعية (Realism) والليبرالية المؤسساتية (Institutional Liberalism) في العلاقات الدولية يبرز مفهوم "السيادية الواقعية" (De Facto Sovereignty) والاعتراف الضمني بالوظائف السيادية لإقليم کوردستان ككيان راسخ وفاعل في الأمن الإقليمي.
وتجلى هذا الثقل في القمة الإستراتيجية التي جمعت رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني مع بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر؛ حيث تقاطعت "دبلوماسية السلام" للإقليم مع السلطة الأخلاقية والروحية العليا (Moral Authority) ، التي يمتلكها الكرسي الرسولي كفاعل فريد في النظام الدولي قادر على توجيه الرأي العام العالمي.
ومن منظور "الواقعية النيولبرالية"، نجحت أربيل في تحويل ملف حماية الأقليات الدينية، لاسيما المسيحيين والإيزيديين، من عبء إنساني واقتصادي ضاغط إلى "ميزة تنافسية جيودبلوماسية" أنتجت حزاماً أخلاقياً دولياً يحصّن الإقليم، باعتباره الفضاء الجيوسياسي الآمن للتعددية والتعايش، مع تعزيز مبدأ "الحياد الإيجابي الاستراتيجي" وحل النزاعات الإقليمية عبر القنوات الدبلوماسية لا العسكرية.
وفي الشق الآخر من الجولة، جاءت اللقاءات الرفيعة لرئیس إقلیم کوردستان في روما مع رئيس جمهورية إيطاليا ووزيري الخارجية والدفاع لتترجم مبادئ "الواقعية السياسية" القائمة على الشراكة الإستراتيجية والمصالح الأمنية المتبادلة.
وتعد إيطاليا شريكاً أمنياً حيوياً ضمن التحالف الدولي لدعم البيشمركة، وهو ما يمنح هذه القوات اعترافاً دولياً كشريك شرعي في حفظ الأمن العالمي.
وقد شكلت اللقاءات منصة لتأكيد الالتزام الأوروبي باستقرار كوردستان في وجه التهديدات الإرهابية المستجدة، والتأسيس لتكامل اقتصادي يشمل مجالات الاستثمار والبنية التحتية، مستفيدة من الوزن الإيطالي داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما تجسد في تصريح وزير الخارجية أنطونيو تاياني، بأن بلاده تنظر باهتمام لمكانة كوردستان كعامل استقرار إقليمي، معبراً عن توافقه المطلق مع الرؤية الإستراتيجية للإقليم بتأكيده للرئیس نیجیرفان بارزاني: "I super agree with you".
تأسيساً على ذلك، يثبت التحليل السياسي أن قدرة إقليم كوردستان على الإدراك الإسترايجي والاستشراف الدقيق للتحولات الدولية، والتي ظهرت في تقييمه المبكر لتداعيات الحرب الأوكرانية، جعلت العواصم الكبرى تتعامل معه كـ "شريك فكري وإستراتيجي" وركيزة توازن تقع في قلب التفاعلات الإقليمية.
وبناءً عليه، صاغت الجولة عقداً متجدداً للشراكة مع الغرب، وأظهرت نضجاً فائقاً في إدارة توازن مزدوج يجمع بين تمثيل المصالح الدستورية والمالية العليا للإقليم، والتعاطي البناء مع الملفات الاتحادية للعراق، لتكرس حقيقة راسخة في الوعي الدولي:
أن إقليم كوردستان شريك حتمي لا غنى عنه لصناعة السلام واستقرار المستقبل في الشرق الأوسط.