د. دلدار فرزنده زيباري
عميد كلية عقرة التقنية - جامعة عقرة للعلوم التطبيقية
اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية: سبيلٌ نحو الحقوق الثقافية الكوردية والسلام المستدام
في الحادي والعشرين من مايو/أيار من كل عام، يحتفل المجتمع الدولي، برعاية اليونسكو، باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية. ولا يقتصر هذا اليوم على الاحتفاء بجمال اللغات والتقاليد والفنون والهويات المختلفة، بل يحمل في جوهره تذكيراً عميقاً بأن التنوع الثقافي ليس زينةً للحياة الإنسانية فحسب، بل هو أساسٌ للسلام، وركيزةٌ للكرامة الإنسانية، وطريقٌ نحو التنمية المستدامة.
في عالمنا المعاصر، حيث تتخذ كثير من الصراعات بُعداً ثقافياً، لم يعد الحوار بين الثقافات خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورةً لا غنى عنها. وتشير اليونسكو إلى أن نسبة كبيرة من الصراعات الحالية تقع في مجتمعات تعاني من ضعف الحوار بين الثقافات. ومن هنا تبرز الأهمية الخاصة للتجربة الكوردية في الشرق الأوسط؛ فقد عاش الكورد على مدى قرون طويلة، بلغتهم الغنية، وتراثهم الأدبي والموسيقي، وتاريخهم، وذاكرتهم الجماعية، غير أنهم غالباً ما واجهوا قيوداً حالت دون التعبير الكامل والحر عن هويتهم الثقافية.
يمثل الشعب الكوردي، المنتشر في العراق وتركيا وإيران وسوريا، إحدى أهم الجماعات الثقافية في المنطقة. فالثقافة الكوردية، بكل تنوعها، من الكورمانجية والسورانية والزازاكية وغيرها من التعبيرات اللغوية والثقافية، تشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي للشرق الأوسط. ولا ينبغي النظر إلى حماية هذا التراث وتعزيزه بوصفه تهديداً سياسياً، بل باعتباره إسهاماً ثميناً في التعددية والاستقرار والتنمية.
وتوفر المبادئ التي يقوم عليها اليوم العالمي للتنوع الثقافي إطاراً دولياً قيّماً لدعم الحقوق الثقافية الكوردية. إذ يؤكد كل من إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، واتفاقية عام 2005 بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، وإعلان مونديكاولت 2022، أن الثقافة “منفعة عامة عالمية”، وأن الحقوق الثقافية ينبغي أن تُدمج في السياسات العامة. وتشمل هذه المبادئ الحق في استخدام اللغة الأم وتعليمها، وحماية التراث الثقافي، ودعم الفنانين والكتاب، وحماية الملكية الفكرية، وضمان الوصول العادل إلى المحتوى الثقافي في الفضاءات التقليدية والرقمية على حد سواء.
وبالنسبة إلى الكورد، يمكن أن تتحول هذه التفاهمات الدولية إلى إجراءات عملية واضحة.
أولاً، ينبغي دعم تعليم اللغة الكوردية أينما وُجد الكورد، بما يشمل تدريس اللغة الأم، وتدريب المعلمين، والنشر، والبحث الأكاديمي. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي قلب الذاكرة، وروح الهوية، ودفء الانتماء. وحين تُصان اللغة، تُصان معها كرامة الشعب وحقه في أن يرى ذاته في مرآة تاريخه وثقافته.
ثانياً، ينبغي تعزيز المؤسسات الثقافية الكوردية، من متاحف ومكتبات ودور محفوظات ومسارح ومنصات إعلامية ومراكز ثقافية. فهذه المؤسسات تحفظ التراث الجماعي، وتفتح في الوقت ذاته آفاقاً أمام الشباب والنساء والفنانين والمثقفين. وتُظهر بيانات اليونسكو أن القطاع الثقافي والإبداعي يُسهم إسهاماً كبيراً في فرص العمل والناتج المحلي الإجمالي العالمي. لذلك، فإن الاستثمار في الثقافة الكوردية هو استثمار في التنمية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والابتكار.
ثالثاً، ينبغي لحكومات المنطقة أن تنظر إلى التنوع الثقافي بوصفه جسراً للحوار لا مصدراً للانقسام. إن احترام الحقوق الثقافية الكوردية يُسهم في بناء الثقة بين المجتمعات والدول، ويخفف التوترات، ويشجع المشاركة، ويعزز المواطنة القائمة على المساواة. فالسلام المستدام في الشرق الأوسط لا يقوم على الترتيبات الأمنية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى الاعتراف الثقافي، والاحترام المتبادل، والإيمان بأن لكل هوية مكاناً تحت شمس الكرامة الإنسانية.
رابعاً، ينبغي توظيف التكنولوجيا الرقمية لتعزيز التعبير الثقافي الكوردي. فالتعليم الإلكتروني، والأرشيفات الرقمية، ووسائل الإعلام الكوردية، والترجمة المصاحبة، والترجمة التحريرية، والمنصات الإبداعية، كلها أدوات قادرة على وصل المجتمعات الكوردية عبر الحدود، وربطها بالعالم أجمع. وفي الوقت نفسه، يجب أن تحمي الفضاءات الرقمية حقوق الفنانين، وأن تضمن تمثيلاً عادلاً للثقافات المتنوعة.
ويضطلع إقليم كوردستان بدور مهم في هذا المجال. فمن خلال دعم الدبلوماسية الثقافية، والتعاون الأكاديمي، وحماية التراث، والحوار بين مختلف المجتمعات، يمكنه أن يصبح نموذجاً إقليمياً للتنوع الثقافي والتعايش السلمي. وتبرهن تجربة إقليم كوردستان أن الاعتراف بالهوية والتعبير الثقافي يسهمان إسهاماً إيجابياً في الحوكمة والتنمية والوئام الاجتماعي.
وفي اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، ينبغي أن تكون رسالة الكورد إلى العالم واضحة: الحقوق الثقافية هي حقوق إنسان، والتنوع الثقافي مصدر قوة لا خوف. إن حماية اللغة الكوردية، والتراث، والإبداع، ليست شأناً كوردياً فحسب، بل هي جزء من المسؤولية العالمية في صون الثروة الثقافية للبشرية.
وانطلاقاً من روح اليونسكو، يجب أن يسير الحوار والتنمية جنباً إلى جنب. فحين تُحترم الثقافات، تصبح المجتمعات أكثر سلاماً. وحين يُعترف بالهويات، يصبح المواطنون أكثر انخراطاً. وحين يُسمح للصوت الثقافي الكوردي بأن يزدهر بحرية، فإنه لا يثري كوردستان وحدها، بل يضيف إلى الشرق الأوسط والعالم أجمع نغمةً إنسانيةً أكثر جمالاً واتساعاً.