رمزي ميركاني
كاتب
مسرور بارزاني ودبلوماسية النفس الطويل مع بغداد
منذ تسلمه رئاسة حكومة إقليم كوردستان في صيف عام 2019، لم تكن تحركات مسرور بارزاني تجاه العاصمة الاتحادية بغداد مجرد جولات دبلوماسية عابرة، بل كانت تعبيراً عن عقيدة سياسية جديدة ترتكز على "تصفير الأزمات" وتحويل الصراع من طابعه السياسي المتشنج إلى مسار فني وقانوني ودستوري. لقد أدرك بارزاني أن استقرار الإقليم مرتبط بنيوياً باستقرار العلاقة مع المركز، وهو ما دفعه لانتهاج استراتيجية "النفس الطويل" في تفكيك ملفات شائكة تراكمت على مدار عقود. لقد انتهج مسرور بارزاني مساراً دبلوماسياً مكثفاً ومدروساً، نجح من خلاله في تحويل لغة الخطاب بين العاصمتين من "التصعيد السياسي" العقيم إلى "الحوار الفني والقانوني" المنتج، مؤَسساً لمرحلة جديدة وُصفت بمسيرة "تصفير الأزمات".
بدأت هذه المسيرة بزيارة "بناء الثقة" في تموز 2019، والتي كانت بمثابة رسالة حسن نية لكسر الجمود الذي أعقب أحداث عام 2017. وضع مسرور بارزاني في تلك الزيارة حجر الأساس للجان فنية مشتركة، مؤكداً أن الدستور هو الحكم الوحيد. ومع تعاقب الأزمات، أثبتت هذه الاستراتيجية فاعليتها؛ ففي عام 2020، ووسط انهيار أسعار النفط وجائحة كورونا، نجح مسرور بارزاني في تحويل التحدي الاقتصادي إلى فرصة للتنسيق الأمني والعسكري ضد الإرهاب، مما أرسى مبدأ أن "أمن أربيل وبغداد واحد لا يتجزأ".
وعلى مر السنوات السبع الماضية، صقل مسرور بارزاني استراتيجية "النفس الطويل". ففي ذروة الأزمات، كما حدث في عام 2020 أثناء جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط، لم ينسحب مسرور بارزاني إلى الداخل، بل قاد وفداً "إطفائياً" لتأمين أرزاق المواطنين، ونجح في انتزاع اتفاقات أمنية حدت من مخاطر الإرهاب في مناطق الفراغ الأمني. وشكل قرار المحكمة الاتحادية في عام 2022 بخصوص قانون النفط والغاز الاختبار الأصعب لحكومة مسرور بارزاني. وبدلاً من الانزلاق نحو التصعيد الإعلامي، اختار بارزاني التوجه إلى بغداد حاملاً رؤية قانونية تدعو للشراكة لا التصادم. هذا النهج أثمر لاحقاً، مع تولي حكومة محمد شياع السوداني، عن "الاتفاق التاريخي" في نيسان 2023، الذي قضى بتصدير نفط الإقليم عبر شركة "سومو" الاتحادية. هذا الاتفاق لم يكن مجرد حل تقني، بل كان تحولاً فلسفياً في إدارة الموارد، حيث قُبلت الإدارة المشتركة كحل وسط يحفظ سيادة الدولة وحقوق الإقليم الدستورية.
لطالما كان ملف رواتب موظفي الإقليم "ورقة ضغط" سياسية، لكن مسرور بارزاني خاض ماراثوناً من اللقاءات في أيلول 2023 وأيار 2024 لانتزاع اعتراف سياسي وقانوني بضرورة "فصل القوت والرواتب عن الخلافات السياسية". ومن خلال الدفع باتجاه "توطين" الرواتب ومأسسة الصرف عبر الموازنة الاتحادية، نجح مسرور بارزاني في نقل هذا الملف من خانة "الهبات المالية المؤقتة" إلى خانة "الاستحقاقات الدستورية الملزمة"، مما وفر شبكة أمان معيشية لمواطني الإقليم.
من خلال تتبع هذه المسيرة، نجد أنها استندت إلى أربعة ثوابت راسخة:-
أولاً: اعتبار الدستور هو الحكم الوحيد والنهائي، بعيداً عن الأمزجة السياسية المتقلبة.
ثانياً: الخطاب الواضح بأن مستحقات الإقليم هي "حقوق واستحقاقات" كفلتها القوانين، وليست "منحاً أو هبات".
ثالثاً: ترسيخ مبدأ "الأمن المتبادل"، مؤكداً أن استقرار بغداد هو استقرار لأربيل وبالعكس.
رابعاً: حماية المعيشة اليومية للمواطن من تقلبات الخلافات السياسية.
إن مسيرة السبع زيارات المفصلية التي قادها مسرور بارزاني إلى بغداد لم تنهِ جميع المشاكل العالقة، لكنها نجحت في نجح في تغيير "فلسفة العلاقة" مع العاصمة الاتحادية و "مأسسة الحلول" بدلاً من الحلول الترقيعية. فبالرغم من وجود ملفات لا تزال عالقة، مثل قانون النفط والغاز الاتحادي، إلا أن القنوات الدبلوماسية التي حفرها بارزاني بجهد دؤوب أصبحت اليوم "شبكة أمان" تمنع انزلاق العلاقة نحو الهاوية. لقد انتقلت أربيل وبغداد في عهده من مرحلة "إدارة الأزمات" إلى مرحلة "بناء الحلول المستدامة"، لقد استطاع مسرور بارزاني تحويل العلاقة مع بغداد من حالة "اللايقين" إلى حالة "التفاوض المؤسساتي"، مرسخاً حقيقة أن الحوار الدستوري الهادئ هو المسار الوحيد والمقبول لضمان استقرار العراق وازدهار إقليم كوردستان. مما جعل من مسرور بارزاني مهندساً لمرحلة جديدة من الدبلوماسية "الهادئة والمنتجة" في قلب الأزم، إنها مسيرة لم تهدف فقط لتصفير المشاكل، بل لتعظيم المصالح المشتركة تحت سقف الوطن الواحد.