الجزء الثالث.. ولاية الفقيه بين المرجعية التقليدية والعقيدة المهدوية: قراءة في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي

الجزء الثالث.. ولاية الفقيه بين المرجعية التقليدية والعقيدة المهدوية: قراءة في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي
الجزء الثالث.. ولاية الفقيه بين المرجعية التقليدية والعقيدة المهدوية: قراءة في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي

إن فكرة ولاية الفقيه في الفكر الشيعي الإمامي تعود كما هو معلوم إلى قرون سبقت قيام الجمهورية الإسلامية في إيران بوقت طويل، إذ ناقش عدد من الفقهاء مسألة صلاحيات الفقيه في عصر غيبة الإمام المهدي، وبرزت اجتهادات متفاوتة منذ عهد المحقق الكركي في العصر الصفوي، ثم تطورت بصورة أوضح عند الملا أحمد النراقي في العصر القاجاري الذي اعتبر أن للفقيه صلاحيات عامة في إدارة شؤون المجتمع، قبل أن تأتي مدارس فقهية لاحقة مثل مدرسة الشيخ الأنصاري التي تعاملت بحذر أكبر مع فكرة التوسع السياسي لسلطة الفقيه. ومع أن هذه النقاشات بقيت ضمن الإطار الفقهي التقليدي، فإنها وضعت الأساس النظري الذي سيعاد بناؤه وبلورته لاحقًا بصيغ سياسية مختلفة في القرن العشرين.
انطلق الفكر السياسي الإمامي في القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي نحو تحول إستراتيجي غير مسبوق، انتقل فيه الفقه من العزلة والانتظار السلبي إلى فضاء الفاعلية السياسية وإدارة الدولة، وكان مهندس هذا التحول الشيخ اللبناني "علي بن الحسين الكركي العاملي"، المعروف بالمحقق الثاني (توفي سنة 940هـ / 1533م). لقد استثمر الكركي قيام الدولة الصفوية (1501 – 1722م) وحاجتها إلى شرعية دينية ليصيغ نظرية "النيابة العامة"، مؤكداً أن الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ليس مجرد مرجع للأحكام العبادية، بل هو نائب منصوب من قبل الإمام المعصوم في عصر الغيبة لإدارة شؤون الأمة وتولي صلاحيات الحكم. ولم يقف تنظيره عند بطون الكتب، بل تُرجم عملياً عندما منحه الشاه طهماسب تفويضاً مطلقاً، فأصدر الكركي الأحكام القضائية، وجبى الخراج، وأقام صلاة الجمعة، ممهداً الطريق لدمج المؤسسة الدينية بجهاز السلطة ومؤسساً لنمط جديد من العلاقة بين الدين والسياسة.هذه الخطوة التأسيسية التي وضعها المحقق الكركي لم تكن حدثاً عابراً، بل شكلت البوصلة التي وجهت نقاشات الفكر السياسي الشيعي عبر القرون اللاحقة وفق تسلسل تاريخي مرن، التقط خيوطه أولاً الملا أحمد النراقي (توفي سنة 1245هـ / 1829م). فبعد نحو ثلاثة قرون من تجربة الكركي، عمل النراقي في كتابه "عوائد الأيام" على تأصيل وتنظير ما طبقه الكركي عملياً، فأفرد لولاية الفقيه باباً فقهياً مستقلاً ومبوّباً، مستدلاً بالأدلة النقلية والعقلية على أن كل ما كان للإمام المعصوم من صلاحيات في إدارة المجتمع والسياسة والجباية فهو ثابت للفقيه في عصر الغيبة، لتتحول الأطروحة معه من فتاوى متفرقة إلى نظرية فقهية متكاملة الأركان.لكن هذا المسار التصاعدي واجه قراءة نقدية مغايرة مع ظهور الشيخ مرتضى الأنصاري (توفي سنة 1281هـ / 1864م)، الذي يعد المؤسس الأول للفقه الشيعي الحديث. 
عاد الأنصاري في كتابه "المكاسب" ليمحص إرث الكركي والنراقي، وخلص بعد مناقشة الأدلة اللفظية والنصوص الشرعية إلى أن تلك الأدلة لا تكفي لإثبات "الولاية السياسية العامة" أو سلطة التصرف المطلق للفقيه في أرواح الناس وأموالهم، واقتصر بالولاية على الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية الضرورية، مما أحدث هزة فقهية أعادت تقنين حدود السلطة الدينية وفتحت باباً واسعاً للجدال بين مؤيد ومحجم. 
وتواصل هذا السجال التاريخي حتى بلغ ذروته التطويرية والتطبيقية في القرن العشرين على يد روح الله الخميني (توفي سنة 1409هـ / 1989م). لقد تبنى الخميني الرؤية التوسعية لكل من الكركي اللبناني والنراقي الايراني لكنه دفع بها إلى مداها الأقصى، متجاوزاً فكرة ممارسة الفقيه لسلطته تحت ظل سلطان آخر أو ضمن حدود نيابة جزئية. وطرح الخميني رؤيته القاضية بأن ولاية الفقيه تعني إقامة "دولة إسلامية كاملة" يقودها الفقيه بنفسه بصلاحيات مطلقة لإدارة شؤون المجتمع وتطبيق الشريعة، معتبراً الحكومة شعبة من ولاية رسول الله المطلقة وأحد الأحكام الأولية المقدمة على سائر الأحكام الفرعية. إن التدقيق في هذا التسلسل التاريخي يثبت أن أطروحة المحقق الكركي في العصر الصفوي كانت نقطة التحول الإستراتيجية في الفكر الإمامي، فلولا شجاعته الفقهية في اقتحام المجال السياسي وصياغة مفهوم النيابة العامة، لما وجد النراقي أرضية للتقنين، ولما وجد الأنصاري مادة للنقد، ولما استطاع الخميني صياغة البنية الدستورية لنظام سياسي معاصر قائم على الولاية الشرعية.
ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت الحوزات الشيعية في النجف وقم تعيش مرحلة شديدة الحساسية بسبب التحولات السياسية الكبرى في المنطقة، وصعود القومية والأنظمة الملكية الحديثة، ومنها نظام رضا بهلوي في إيران(1925 -1941م)، ونجله محمد رضا بهلوي(1941 – 1979م) وقد تبنى الشاه مشروعًا تحديثيًا علمانيًا متسارعًا رأت فيه قطاعات دينية تهديدًا مباشرًا لهوية المجتمع الشيعي ومكانة المؤسسة الدينية، خصوصًا بعد سياسات التغريب وتقليص نفوذ العلماء والاعتزار بالتاريخ ما قبل الاسلامي، حيث تأسست الدولة الأخمينية (الهخامنشية) وفقاً للتأريخ والتصور الإيراني الرسمي في عام 550 ق.م وسقطت في عام 330 ق.م.وتتوزع ملامح هذا التصور والتحقيب الإيراني (المستند إلى كبار المؤرخين الإيرانيين مثل حسن بيرنيا "مشير الدولة")، وتؤرخ القراءة الإيرانية سقوط الدولة عام 330ق.م وذلك بعد الهزائم المتلاحقة التي مني بها الملك "داريوش الثالث" (دارا) أمام زحف الإسكندر المقدوني، وتحديداً بعد معركة گوگاميلا (331 ق.م) قرب اربيلا- اربيل  وإحراق العاصمة الإيرانية الرمزية للدولة الاخمينية - الهخامنشية "برسبوليس" (تخت جمشيد) عام 330 ق.م، الواقعة على بعد حوالي 57 الى 70 كم شمال شرق مدينة شيرازثم مقتل داريوش الثالث على يد أحد ولاته.
فمن منظورالتصور الثقافي والوطني للإيرانيين، لا ينظر الفكر الإيراني إلى عام 330 ق.م على أنه نهاية الهوية الإيرانية، بل يعتبره "صدمة حضارية مؤقتة". حيث ترى الرواية القومية أن الثقافة الإيرانية استطاعت هضم الغزاة اليونانيين (السلوقيين) وصهرهم داخل الهوية الوطنية المتجددة، حتى استعادت النخب الإيرانية حكمها مجدداً عبر الإمبراطوريتين الفرثية والساسانية.
وتأسست الدولة الساسانية وفقاً للتأريخ والتصور الإيراني في عام 224م وسقطت رسمياً في عام 651م. وتمثل هذه الإمبراطورية في الوجدان التاريخي الإيراني العصر الذهبي الثاني لبلاد فارس قبل الإسلام، ويتوزع خطها الزمني على النحو التالي: تأسست الدولة على يد أردشير الأول (أردشير بابكان) عام224م، وهو حفيد "ساسان" الذي تنسب إليه السلالة، نجح أردشير في إطاحة الإمبراطورية الفرثية (الأشكانية) بعد هزيمة ملكها "أرطبان الرابع" في معركة "هرمزديان" الشهيرة عام 224م، معلناً قيام إمبراطورية مركزية جديدة اتخذت من مدينة "تيسفون" (المدائن - جنوب شرق بغداد) عاصمة شتوية لها، وجعلت من الديانة الزرادشتية ديناً رسمياً للدولة. وبدأ الانهيار الفعلي للدولة الساسانية بعد هزيمتها القاسية أمام جيوش المسلمين في معارك: القادسية (636م) وجلولاء(637م) ونهاوند (642م)، لكن التأريخ الإيراني يؤرخ السقوط الرسمي للدولة عام 651م. وهو العام الذي قُتل فيه يزدگرد الثالث، آخر ملوك الساسانيين، طريداً ومختبئاً في مدينة مرو (في تركمانستان الحالية)، على يد أحد الامراء الفرس، وبموته انتهت السلالة الساسانية الحاكمة تماماً.
ومن جانب آخر فقد ربط الشاه محمد رضا بهلوي ايران بالمحور الغربي وجعل منها شرطيا للخليج. في هذا المناخ برز اسم "روح الله الخميني" بوصفه فقيهًا ومعارضًا شرساً للنظام الملكي، لكنه لم يكن معارضًا سياسيًا تقليديًا فقط، بل كان يحمل تصورًا كاملًا عن ضرورة إقامة دولة إسلامية يقودها الفقيه الجامع للشرائط. وخلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين تطورت أفكار الخميني بصورة أكثر وضوحًا، خاصة أثناء منفاه خارج إيران في العراق وتحديد مدينة النجف ذات الرمزية الشيعية، حيث صاغ نظريته المعروفة باسم “ولاية الفقيه المطلقة”. وقد رأى أن غياب الإمام المعصوم لا يعني تعطيل الحكم الإسلامي، بل إن الفقيه العادل يمتلك شرعية إدارة الدولة بوصفه نائبًا عامًا عن الإمام الغائب. لم تقتصر هذه النظرية على الإشراف الديني أو القضاء والأوقاف كما في التصورات التقليدية، بل منحت الفقيه صلاحيات واسعة تشمل إدارة الجيش والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، بل وحتى إمكانية تقديم “مصلحة النظام الإسلامي” على بعض الأحكام الثانوية عند الضرورة. كانت هذه الرؤية مختلفة عن كثير من الاتجاهات الحوزوية التقليدية التي كانت تميل إلى الابتعاد النسبي عن السلطة المباشرة.
فعندما اندلعت الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه، استطاع الخميني أن يحول نظريته من مشروع فقهي إلى نظام حكم فعلي. فبعد سقوط الملكية أُدرجت ولاية الفقيه في دستور الجمهورية الإسلامية، وأصبح منصب “المرشد الأعلى” محور السلطة السياسية والدينية في الدولة. وقد ساعدت ظروف الثورة والصراع مع الغرب ثم الحرب العراقية الإيرانية(1980 -1988م) على ترسيخ مركزية السلطة، لأن الدولة الجديدة كانت ترى نفسها في مواجهة تهديدات وجودية تحتاج إلى قيادة حاسمة وموحدة. ومن هنا اكتسبت نظرية الخميني قوة واقعية لم تتحقق لأي تنظير شيعي سابق، إذ أصبحت مرتبطة بمؤسسات الدولة والجيش والحرس الثوري والسياسة الخارجية.
في هذه الأثناء كان الفقيه والمرجع "محمد الحسن الشيرازي" (1928 -2001م) يطرح رؤية مختلفة لولاية الفقيه. فرغم اتفاقه مع أصل فكرة الدور السياسي للفقهاء، فإنه رفض تركيز السلطة بيد فقيه واحد، واعتبر أن الأقرب إلى روح الإسلام وإلى طبيعة المرجعية الشيعية هو نظام “شورى الفقهاء”، أي أن تُدار الدولة من خلال مجلس من العلماء بدل الزعامة الفردية المطلقة. وقد رأى الشيرازي أن التعددية داخل المؤسسة الدينية تمثل ضمانة ضد الاستبداد، وأن إشراك أكثر من فقيه في القرار السياسي يحفظ التوازن ويمنع تحول المرجعية إلى سلطة مغلقة.
ومع مرور الوقت اتسعت الفجوة بين المدرسة الخمينية والمدرسة الشيرازية، خصوصًا بعد استقرار النظام الإيراني. فأنصار ولاية الفقيه المطلقة كانوا يرون أن التجربة أثبتت نجاح القيادة المركزية في حماية الدولة ومواجهة التحديات، بينما رأى أتباع الشيرازي أن تضخم صلاحيات المرشد الأعلى أدى إلى تراجع الحريات السياسية والدينية، وإلى هيمنة الدولة على المجال الحوزوي. لذلك دافعت المدرسة الشيرازية عن قدر أكبر عن التعددية السياسية والاجتماعية، ومالت إلى تخفيف الطابع الأمني للدولة الدينية، مع الإبقاء على الدور الإسلامي في الحكم.
وعلى المستوى الفكري، اعتبر مؤيدو الخميني أن نظريته أكثر عمقًا من الناحية السياسية لأنها تعاملت مباشرة مع مشكلات الدولة الحديثة: إدارة المؤسسات، الحرب، الثورة، الاقتصاد، والعلاقات الدولية، ولم تبق مجرد تنظير فقهي تجريدي. أما أنصار الشيرازي فكانوا يرون أن العمق الحقيقي يكمن في وضع قيود على السلطة، والحفاظ على تعددية المرجعيات، ومنع إعادة إنتاج الاستبداد باسم الدين(= النظام الثيوقراطي). ولذلك فإن الجدل بين المدرستين لم يكن خلافًا فقهيًا بسيطًا، بل خلافًا حول طبيعة السلطة نفسها: هل تحتاج الدولة الإسلامية إلى قائد واحد قوي قادر على الحسم، أم إلى نظام شوروي يوزع السلطة بين عدة فقهاء؟.
في الواقع الشيعي المعاصر لم تنتصر رؤية واحدة بصورة كاملة في جميع البيئات. ففي إيران بقيت نظرية السيد الخميني هي الأساس الرسمي للنظام السياسي، وتابعها لاحقًا السيد علي خامنئي بوصفه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. أما في النجف، فقد ظل اتجاه آخر يميل إلى تقليل تدخل المرجعية في الحكم المباشر، كما يظهر في منهج السيد علي السيستاني الذي يمنح المرجعية دورًا أخلاقيًا وإرشاديًا أكثر من كونه سلطة تنفيذية حاكمة، وبين هذين الاتجاهين استمرت المدرسة الشيرازية في الدعوة إلى صيغة أقرب إلى التعددية والشورى.
وهكذا يمكن القول إن نظرية الخميني كانت الأكثر تأثيرًا من الناحية السياسية والتاريخية لأنها ارتبطت بثورة ناجحة ودولة قائمة، بينما مثلت نظرية الشيرازي محاولة لإعادة التوازن بين السلطة الدينية والتعددية داخل المجتمع الشيعي. وقد ظل السؤال بين المدرستين قائمًا حتى اليوم: هل قوة الدولة الدينية تكمن في مركزية القرار ووحدة القيادة، أم في توزيع السلطة ومنع احتكارها؟
وبخصوص مرجعية آية الله محمد الحسني الشيرازي (1347-1433هـ/1928 -2001م) فقد كانت في البداية موافقة كلياً لمنظور ولاية الفقيه، حتى أن البعض كان يعد رؤيته النظرية الكاملة حول ولاية الفقيه ونظام الحكم الإسلامي قد طرحا في نهاية الستينيات من القرن العشرين، وتحديداً في عام 1969م /1389هـ). حيث صاغ السيد الشيرازي أبعاد الدولة الإسلامية والحكومة الشرعية في كربلاء قبل أن يستكمل السيد الخميني سلسلة محاضراته الشهيرة في النجف الأشرف حول "الحكومة الإسلامية" في كانون الثاني وشباط/ يناير وفبراير من عام 1970م.
 وكان السيد الشيرازي قد وثّق نظريته السياسية ضمن أجزاء موسوعته الاستدلالية الضخمة (موسوعة الفقه)، وتحديداً في المجلدات الخاصة بكتاب "الفقه- الدولة الإسلامية" وكتاب "الفقه- الحكم في الإسلام". وعلى الرغم من إيمانه المبدئي بولاية الفقيه الجامع للشرائط لإدارة الأمة، إلا أنه رفض فكرة "الولاية المطلقة للفرد الواحد"، وطوّر أطروحته لتصبح "شورى الفقهاء المراجع". وبموجب هذا المبدأ، تُدار الدولة الإسلامية عبر مجلس قيادي يضم مراجع التقليد البارزين الذين تنتخبهم الأمة، لضمان التعددية ومنع الاستبداد بالسلطة.
فالتمييز الإجرائي بين "التنظير المكتوب" و"التطبيق الثوري" جعل العديد من المؤرخين والباحثين الشيعة يركزون على "الحدث الفاعل" وليس فقط "النص المكتوب". فالسيد الخميني لم يكتفِ بطرح الفكرة بل قاد بها ثورة شعبية أطاحت بنظام الشاه وبنى على أساسها دولة حقيقية على الأرض. هذا النجاح العملي الضخم جعل اسم الخميني يبتلع تاريخياً كل الأطروحات الموازية أو السابقة له في هذا الحقل. فالطبيعة الحوزوية التقليدية في البيئة العلمية للحوزات، لا يُنظر لولاية الفقيه كاختراع جديد لأي منهما، بل كبحث فقهي قديم يمتد إلى المحقق الكركي والملأ النراقي؛ وبناءً عليه، تُصنف المصادر التقليدية أطروحة الخميني أو الشيرازي كـ "قراءات وتطويرات" على متن فقهي قديم، وبالتالي لا تجد الحوزات التقليدية (التي يقف أغلبها على الحياد أو يرفض الولاية السياسية أصلاً) حاجة للمفاضلة بالسبق الزمني بين المعاصرين.
ومن جهته فقد ساند السيد الشيرازي الثورة الإسلامية في إيران في بدايتها، ولكن بعد الاستقرار الدستوري وتطبيق صيغة "الولي الفرد المطلق" في الدستور الإيراني، عارض الشيرازي هذا النمط من الحكم وانتقد غياب الشورى وقمع التعددية المرجعية. أدى هذا الخلاف إلى صدام سياسي طويل مع النظام الإيراني، وفرض الإقامة الجبرية على الشيرازي في قم حتى وفاته، مما جعل الماكنة الإعلامية والمؤسسات الثقافية الشيعية المرتبطة بالدولة تتجاهل إرثه أو تهمشه عمداً لتكريس الإمام الخميني كأب روحي وحيد ومبتكر حصري للنظرية المعاصرة.
وهو ما أجبر التيار الشيرازي على إجراء مراجعة استراتيجية شاملة لطبيعة حضورهم في الفضاء العام؛ فابتعدوا تدريجياً عن الصدام السياسي المباشر والعمل الحركي المسلح، ميممين وجوههم شطر استراتيجية بديلة قائمة على التمدد الإعلامي والمؤسساتي الكثيف، وهو ما يُعرف في علم الاجتماع الديني بمرحلة "طقسنة التشيع"، تمثلت هذه الاستراتيجية الجديدة في المبالغة الشديدة وزيادة الطقوس والشعائر الحسينية إلى حدود غير مسبوقة تاريخياً، وتحويلها إلى الهوية البصرية والفكرية الطاغية للتيار. وتولى الشيرازيون الدفاع الفقهي والإعلامي المستميت عن الشعائر المثيرة للجدل داخل البيت الشيعي وخارجه، مثل التطبير (ضرب الرؤوس بالسيوف)، والمشي على الجمر، والزحف على البطون نحو الأضرحة، معتبرين إياها الخطوط الحمراء التي تميز المذهب وتحميه من الذوبان السياسي أو التنازل العقدي. ولتثبيت هذا التوجه ونشره عالمياً، أسست المرجعية الشيرازية (التي انتقلت قيادتها الروحية بعد وفاة محمد الشيرازي إلى شقيقه المرجع الحالي السيد (صادق الشيرازي) إمبراطورية فضائية ضخمة عابرة للقارات تشمل قنوات تلفزيونية مثل "الأنوار"، و"فدك"، و"الإمام الحسين"، تبث مجالس العزاء، واللطميات، والمراسم الطقسية الحادة من كربلاء ومختلف عواصم العالم على مدار الساعة. صنع هذا الإغراق في "الطقسنة" خطوط مواجهة فكرية وصراعات حادة ومستمرة بين المدرسة الشيرازية والتيارات الشيعية المنافسة لها على الساحة. فمن جهة، يتصادم الشيرازيون علناً مع النظام الإيراني الذي يحظر ممارسات مثل التطبير رسمياً في أدبياته السياسية بدعوى أنها تشوه صورة المذهب الشيعي وتظهره بمظهر غير عقلاني أمام الرأي العام العالمي، ومن جهة أخرى، يشن التيار الشيرازي عبر منصاته هجمات فكرية لاذعة ضد الحوزات العلمية التجديدية (مثل خط السيد محمد حسين فضل الله في لبنان أو بعض الأوساط الحوزوية المعاصرة في النجف) فالأكثر تداولًا في الوسط الحوزوي هم: السيد علي السيستاني، والسيد بشير النجفي، والسيد محمد سعيد الحكيم، وبعض تلامذة مدرسة الخوئي التقليدية عمومًا. والاختلاف معهم يُعد كبيرًا خصوصًا في: التطبير والشعائر الطقسية، وأسلوب المنبر الحسيني، والنشاط الإعلامي والتنظيمي للشيرازيين، وفكرة “المرجعية الجماهيرية” مقابل “المرجعية الحوزوية الهادئة”. وبعض الخطابات الحادة تجاه أمهات المؤمنين و الصحابة أو الرموز الإسلامية، أما الشخصية التي كان يُنظر إليها تاريخيًا كأشد اختلافًا مع الخط الشيرازي فكريًا وحوزويًا فهو: السيد أبو القاسم الخوئي(توفي سنة1992م)، لأن مدرسة النجف الخوئية تمثل المنهج التقليدي المحافظ الذي يختلف مع الحركية والتنظيم الشيرازي، كذلك: السيد محمد باقر الصدر(توفي سنة1980م) لم يكن على انسجام كامل مع الشيرازيين سياسيًا وتنظيميًا، رغم وجود تقاطعات إسلامية عامة بينهم. وفي الوقت الحالي توجد حساسيات واضحة بين جمهور الشيرازيين وبعض أوساط النجف القريبة من السيستاني، لكنها غالبًا لا تُعلن بصيغة صدام مباشر.
ومن المهم التفريق بين: الخلاف العلمي/المنهجي، والخلاف الشخصي. فكثير من المراجع لا يهاجمون السيد الشيرازي علنًا، لكنهم لا يتبنون خطه الشعائري والتنظيمي. التي دعت علناً إلى تنقية الشعائر وإعادة قراءة الموروث التاريخي بعيداً عن الغلو؛ إذ يرى الشيرازيون في تلك الدعوات مؤامرة مبطنة لإضعاف الرمزية الحسينية، متشبثين بمسارهم الخاص الذي بدأ بتنظيم حركي سعى لتغيير الأنظمة الخليجية عبر الانقلابات، وانتهى بنظام طقسي جارف يعيد إنتاج الهوية الشيعية وصياغتها من كربلاء عبر الشاشات والمواكب والمنابر حول العالم.
وكانت الملامح الأولى للحركة الشيرازية قد أخذت تتبلور في ستينيات القرن العشرين داخل كربلاء، تلك المدينة العراقية ذات الرمزية الحسينية الطاغية، لتشكل مساراً فكرياً وحركياً موازياً، ومختلفاً في آن واحد، عن حوزة النجف التقليدية التي ركزت على الزعامة العلمية الهادئة لشيعة العالم. قاد هذه الانعطافة المرجع الراحل السيد "محمد الحسيني الشيرازي"، مستنداً إلى تحالف عائلي ووراثي وثيق مع أبناء أخته: محمد تقي المدرسي، وشقيقه هادي المدرسي. لم يكن هذا التحالف مجرد رابطة قرابة، بل كان تكاملاً وظيفياً وأيديولوجياً أسس لما عُرف في الأدبيات الشيعية بـ "الحركة الرسالية"؛ التي تأسست عام 1967م وهو التاريخ الذي تعتبره المنظمة بداية تأسيس “الحركة الرسالية” في العراق، والتي تطورت لاحقًا إلى منظمة العمل الإسلامي عام 1979م  الذي تم اعتماده رسميًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979م حيث تولى السيد محمد الشيرازي توفير الغطاء الفقهي والمرجعي الأعلى، بينما انكبّ السيد محمد تقي المدرسي من كربلاء على صياغة المنظومة التنظيرية والفكرية وتحديث الخطاب الشيعي الملتزم بالعمل الحزبي المنظم، متأثراً بأدبيات الحركات الثورية المعاصرة ومستغلاً الاندفاع العاطفي المرتبط بالهوية الكربلائية. 
تحولت هذه الطروحات الفكرية سريعاً إلى هيكل تنظيمي فاعل على الأرض مع تأسيس "منظمة العمل الإسلامي" في العراق في السبعينيات كذراع تنفيذي لمواجهة نظام حزب البعث، لكن الآفاق الحركية للتيار اتسعت بشكل دراماتيكي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م بقيادة السيد الخميني؛ وجد الشيرازيون في هذا التحول التاريخي فرصة ذهبية لنقل أفكارهم من التنظير إلى التطبيق الميداني العابر للحدود عبر تبني خيار "تصدير الثورة" في منطقة الخليج. وبتنسيق لوجستي وعملياتي مبكر مع أجنحة راديكالية داخل الحرس الثوري الإيراني، أصبحت مملكة البحرين الساحة الرئيسية لترجمة هذا الطموح السياسي الثوري، حيث أسس التيار الشيرازي هناك "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين" كفرع إقليمي لمنظمة العمل الإسلامي تحت القيادة المباشرة لهادي المدرسي، الذي كان قد استقر في العاصمة "المنامة" لسنوات وأسس قاعدة جماهيرية واسعة عبر إدارة "الصندوق الحسيني" واجتذاب قطاعات واسعة من الشباب الشيعي المتحمس.
بلغ هذا الزخم الثوري ذروته في كانون الاول/ ديسمبر عام 1981م، عندما خططت ونفذت "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين" محاولة انقلابية مسلحة استهدفت قلب نظام الحكم الملكي وإقامة جمهورية إسلامية ثيوقراطية تتبع الخط الرسالي. أحبطت الأجهزة الأمنية البحرينية هذا المخطط في اللحظات الأخيرة وألقت القبض على عشرات المتورطين الذين خضعوا لمحاكمات شهيرة، بينما نجحت القيادات العليا، وعلى رأسهم هادي المدرسي، في الفرار واللجوء إلى طهران. 
ومع تغير الموازين السياسية في العقود اللاحقة وصدور العفو الملكي في البحرين مطلع الألفية الجديدة، عاد أقطاب هذا التيار للمشهد العام محاولين التكيف مع الواقع السياسي الجديد عبر تأسيس كيان علني قانوني عُرف باسم "جمعية العمل الإسلامي" (أمل)، والتي استمرت في حمل إرث وأدبيات المدرسة الشيرازية حتى جرى حظرها وتصفيتها قانونياً من قبل السلطات البحرينية إثر اضطرابات عام 2011م.