حسين متولي
كاتب صحفي
زيارة مهمة وأحلام مؤجلة
تابعنا على مدار يومين تفاصيل زيارة دولة رئيس وزراء كوردستان السيد مسرور بارزاني إلى بغداد، ولقاءاته مع دولة رئيس الوزراء العراقي على الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، وعدد من قادة وساسة العراق.
الزيارة المهمة في توقيتها، بدت اعتيادية لقادة ومسؤولي كوردستان منذ إقرار الدستور العراقي قبل 21 عاما، وعقب ترشيح شخصيات الرئاسات الثلاث، الجمهورية والحكومة والنواب، في بغداد، كل مرة، وهو الإجراء الذي يشهد دوما مساحات من الجدل وصولا إلى تهدئة الأوضاع سياسيا، حتى أننا إذا قسنا الفارق الزمني بين كل انتخابات برلمانية شعرنا أن مدة غير قصيرة تستهلك في اتفاقات ثم تنتهي بتسيير أعمال، وفي المنتصف بين الحدثين يقف الشعب العراقي متطلعا لتحقيق آماله في العيش الكريم.
دائما ما نرصد مع زيارة قادة كوردستان إلى بغداد أهمية غير محدودة لها، خاصة إذا ما حملت تزكية لشخص رئيس الوزراء وتطلعات لسعي حكومته نحو مطالب واضحة بالالتزام بالدستور، وتحقيق آمال العراقيين بمختلف انتماءاتهم، ومعها إذابة الخلافات بين أربيل وبغداد والالتزام بالاتفاقيات المبرمة بينهما في قضايا مختلفة.
وعليه، جاءت زيارة بارزاني لبغداد واجتماعه مع الزيدي، السبت، لتؤكد على ضرورة حماية النظام الفدرالي العراقي، ومعالجة كافة المشاكل بين الإقليم والمركز على أساس الدستور، والتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان لمعالجة الملفات العالقة منذ سنوات بين بغداد وأربيل، وصولا إلى العبور بالعراق ليتجاوز التحديات الراهنة التي يشهدها داخليا، وأبرزها الملف الأمني والتوافق حول صيغة وطنية جامعة تضمن شراكة حقيقية لكافة مواطني البلد في إدارة السلطة والثروة معا.
ويأمل الكورد الكثير من حكومة الزيدي، الذي يتوقع البعض أن يقود حكومته بفكر تكنوقراط، بحسبه رجل أعمال في المقام الأول، وهي تجربة يمكن التأسيس عليها مستقبلا إذا ما حملت أهدافا تنموية حقيقية ترجمت في صورة مشروعات وخدمات يشعر بها المواطنون، وقدمت معها الحكومة نموذجاً من المرونة السياسية التي تسهم في الإسراع بإنهاء كافة القضايا الخلافية داخل العراق، وأكثرها يتعلق بعلاقات أربيل وبغداد، وحماية الأمن الداخلي ونزع سلاح الجماعات غير الرسمية، وضبط نفقات الموازنة ومخصصات الإقليم، وتفعيل المادة 140.
يسهم في دعم نجاحات حكومة الزيدي بالتأكيد وجود برلمان عراقي وطني قوي، وهو ما جعل لقاء السيد مسرور بارزاني مع رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي ذا أهمية قصوى، بحسب المؤسسة التشريعية في أي بلد ديمقراطي تؤدي مهمتي الرقابة و سن القوانين بما يخدم أولا مواطني البلد، فما بالنا بالعراق متعدد المكونات والثقافات والذي يحظى بتنوع ثري متى استثمرته مؤسسات الحكم بعيدا عن المسائل الخلافية.
نفس الزيارة البارزانية شهدت لقاءات ذات أهمية لا حصر لها مع رؤساء تحالفات وقادة حاليين وسابقين، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ومشايخ القبائل ورموز الأحزاب السياسية العراقية، وجميعها حملت رسالة واضحة من دولة رئيس الوزراء الكوردستاني، مفادها أن المستقبل القريب قد حضر بالفعل حاملا الكثير من المفاجآت والتغيرات في منطقة الشرق الأوسط، وأن تلاحم كافة مكونات العراق وإذابة الخلافات والتفرغ صراحة لتحقيق إنجازات تقوي موقف البلد أمام محيطه الإقليمي والدولي، أمور لابد من الاتفاق عليها وتحقيقها.
إن حجم التحديات الداخلية العراقية يفوقه مثيلتها الخارجية صراحة، والفترة التي عايشت خلالها شعوب المنطقة وبينها الشعب العراقي، الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، شاهدة على خطورة أن يصمت قادة العراق و ساسته على أي تباعد بينهم، وقد تجاوز توافقهم على الدستور العقدين من الزمن، لكنهم توقفوا عند معضلة مصطنعة تخص تطبيقه كاملا دون تأخير جديد.
إن تحقيق أمنيات ومطالب العراقيين لا يحتاج إلى معجزة أو قوة خارقة، بل نظرة جامعة تعيد الاعتبار لمبادئ الشراكة والتوازن والتوافق الوطني ضمانا لحقوق سائر مكونات هذا البلد الذي ظل دوما مؤثرا في حركة التاريخ بالمنطقة كلها، ولا ينتظر مواطنوه إلا حلولا جذرية الآن لكل المشكلات التي تعيق حصولهم على فرص متساوية مع شعوب العالم كله في المستقبل.