ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
دهوك بين التهميش والتحول الإداري والسياسي سنة1969م (1)
إن الجذور التاريخية لفكرة استحداث لواء أو محافظة كردية مستقلة في كردستان العراق لا تعود إلى سنة 1969 فقط، بل تمتد إلى بدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921، حين كانت الحكومة البريطانية، بوصفها القوة المنتدبة على العراق، تحاول إيجاد صيغة تضمن بقاء المناطق الكردية ضمن الدولة العراقية الجديدة مع منحها نوعًا من الخصوصية الإدارية والثقافية. فالقضية الكردية كانت منذ البداية واحدة من أعقد القضايا التي واجهت الدولة العراقية الناشئة، لأن الأكراد لم يكونوا ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم مجرد جزء إداري من العراق العربي، بل كانوا يمتلكون شعورًا قوميًّا متناميًا منذ أواخر العهد العثماني.
وعندما تأسست المملكة العراقية تحت حكم الملك فيص الاول سنة 1921، كانت بريطانيا تدرك أن ضم ولاية الموصل، ذات الأغلبية الكردية في أجزاء واسعة منها، إلى العراق لن يكون سهلًا دون تقديم ضمانات سياسية وإدارية للكرد. ولذلك مارست لندن ضغوطًا على الحكومات العراقية المتعاقبة من أجل الاعتراف ببعض الحقوق الكردية، سواء في مجال اللغة أو الإدارة المحلية أو المشاركة السياسية.
وقد ظهرت هذه السياسة بوضوح في المراسلات والتقارير البريطانية خلال عشرينيات القرن العشرين، إذ كانت بريطانيا تخشى من احتمال انفصال المناطق الكردية أو مطالبة تركيا بها، خاصة أن قضية ولاية الموصل كانت ما تزال محل نزاع بين العراق وتركيا بعد انهيار الدولة العثمانية. ولهذا رأت بريطانيا أن منح الكرد نوعًا من الإدارة المحلية قد يساعد على تثبيت ولائهم للدولة العراقية الجديدة.
ومن هنا بدأت فكرة إنشاء وحدات إدارية ذات طابع كردي داخل العراق الملكي. فقد جرى التفكير مبكرًا في فصل بعض المناطق الكردية إداريًا عن المراكز العربية الكبرى، ومنحها نوعًا من الاستقلال الإداري النسبي. ولم يكن الهدف من ذلك الاعتراف بحكم ذاتي كامل، بل خلق توازن يسمح بدمج الأكراد داخل الدولة العراقية دون صدام مباشر مع تطلعاتهم القومية.
وقد نصت بعض المذكرات البريطانية على ضرورة استخدام اللغة الكردية في التعليم والإدارة بالمناطق ذات الأغلبية الكردية، كما جرى تعيين عدد من الموظفين الكرد في المناصب المحلية. وفي سنة 1922م أصدرت الحكومة العراقية بيانًا يعترف بصورة محدودة بالحقوق الثقافية والادارية للكرد، وجاء ذلك تحت ضغط بريطاني واضح، خاصة أن بريطانيا كانت بحاجة إلى كسب دعم الزعامات الكردية في مواجهة المطالب التركية بضم الموصل.
كما أن عصبة الأمم، أثناء مناقشة قضية الموصل سنة 1925م، شددت على ضرورة احترام الخصوصية الكردية داخل العراق، وأوصت بمنح الكرد حقوقًا إدارية وثقافية، بما في ذلك استخدام اللغة الكردية في المدارس والمحاكم والإدارات المحلية. وقد وافقت الحكومة العراقية رسميًا على هذه الالتزامات من أجل ضمان بقاء ولاية الموصل ضمن العراق.
وفي هذا السياق ظهرت محاولات مبكرة لإنشاء إدارات محلية كردية أكثر استقلالًا. فقد كانت ألوية أربيل والسليمانية وكركوك تضم عددًا كبيرًا من الأقضية والنواحي الكردية، لكن دهوك بقيت مرتبطة إداريًا بلواء الموصل، رغم خصوصيتها القومية والجغرافية. ومع ذلك فإن فكرة فصل المناطق الكردية الشمالية ضمن وحدات إدارية مستقلة ظلت مطروحة بصورة غير مباشرة منذ العهد الملكي.
وكانت بريطانيا تنظر إلى هذا التنظيم الإداري باعتباره وسيلة لاحتواء النزعة القومية الكردية، وليس تشجيعًا للاستقلال. فهي أرادت عراقًا موحدًا تحت النفوذ البريطاني، لكنها أدركت أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه دون تقديم بعض التنازلات الثقافية والإدارية للأكراد. ولذلك دعمت مشاريع الإدارة المحلية والتعليم الكردي، وإن بقيت تلك المشاريع محدودة التطبيق بسبب معارضة بعض النخب القومية العربية داخل الدولة العراقية.
كما أن الحكومات العراقية المتعاقبة تعاملت بحذر مع هذه المطالب، لأنها كانت تخشى أن يؤدي منح الكرد صلاحيات واسعة إلى تشجيع النزعات الانفصالية. ولهذا بقيت السياسات الحكومية تتأرجح بين الاعتراف المحدود بالخصوصية الكردية وبين محاولات تعزيز المركزية وربط المناطق الكردية ببغداد والموصل إداريًا وأمنيًا.
ومع مرور الزمن، خصوصًا بعد ثورة14 تموز سنة 1958، تطورت المطالب الكردية من مجرد حقوق ثقافية وإدارية إلى المطالبة بالشراكة السياسية والحكم الذاتي. وهنا عادت فكرة إعادة تنظيم المناطق الكردية إداريًا إلى الواجهة، لكن هذه المرة في إطار الصراع بين الدولة العراقية والحركة الكردية المسلحة بقيادة الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني(1903 – 1979م).
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى استحداث محافظة دهوك Duhok في 27 مايس/ايارسنة 1969 باعتباره امتدادًا تاريخيًا لفكرة قديمة تعود جذورها إلى بدايات تأسيس الدولة العراقية عام1921م، حين كانت بريطانيا تضغط باتجاه منح الكرد نوعًا من الخصوصية الإدارية والقافية داخل العراق الملكي. صحيح أن قرار 1969م جاء في ظروف سياسية مختلفة تمامًا، مرتبطة بالصراع الكردي والانقسامات داخل الحركة الكردية، لكنه في الوقت نفسه أعاد إحياء فكرة الإدارة المحلية الكردية التي كانت مطروحة منذ عشرينيات القرن العشرين.
ولذلك فإن استحداث لواء دهوك لم يكن حدثًا معزولًا عن التاريخ العراقي الحديث، بل كان نتيجة تراكم طويل من السياسات والمشاريع المتعلقة بإدارة المناطق الكردية داخل الدولة العراقية. فمنذ تأسيس العراق كانت هناك قناعة لدى بعض الساسة البريطانيين والعراقيين بأن استقرار البلاد يتطلب الاعتراف بالتنوع القومي ومنح الكرد مساحة من الإدارة المحلية، حتى وإن بقي ذلك ضمن إطار الدولة المركزية.
وقد شهدت مدينة دهوك خلال القرن العشرين تحولات سياسية وإدارية مهمة جعلتها تنتقل من مجرد قضاء تابع للواء الموصل إلى محافظة مستقلة سنة 1969م، وهو تحول لم يكن إداريًا فحسب، بل ارتبط بصورة وثيقة بالظروف السياسية والعسكرية التي عاشها العراق خلال الستينيات، ولا سيما القضية الكردية والصراع بين الحكومة المركزية والحركة الكردية المسلحة. وقد أثار هذا القرار اهتمام الباحثين والمؤرخين، لأن استحداث محافظة دهوك جاء في مرحلة دقيقة شهدت محاولات متكررة لإيجاد تسوية سياسية مع الكرد، فضلًا عن الانقسامات الداخلية داخل الحركة الكردية نفسها، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى الربط بين هذا القرار وبين التفاهمات السياسية التي ظهرت منذ مشروع الدكتور عبدالرحمن البزاز رئيس الوزراء العراقي في العهد العارفي 1965 – 1966م، أو بمحاولات بغداد دعم الجناح المنشق عن الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة ابراهيم احمد وجلال الطالباني كدعم وترضية لهم، ولكن غالبية الدراسات أكدت ان استحداث محافظة دهوك وانشاء جامعة السليمانية جاءت ضمن البنود السرية لاتفاقية البزاز مع البارزاني عام1966م..
كانت دهوك قبل سنة 1969م قضاءً تابعًا إداريًا للواء الموصل، وقد بقيت لسنوات طويلة جزءًا من محافظة نينوى منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921. ورغم موقعها الجغرافي المهم وقربها من الحدود التركية والسورية، فإنها لم تحظَ باهتمام إداري وتنموي كبير مقارنة بمدينة الموصل، التي كانت مركز السلطة والقرار في المنطقة الشمالية. وقد انعكس هذا الواقع على الخدمات والبنية التحتية والمؤسسات الحكومية، إذ بقيت أغلب المشاريع الكبرى متمركزة في الموصل، بينما عانت مناطق دهوك من ضعف التنمية وقلة المؤسسات الرسمية.
ومع تصاعد الحركة القومية الكردية في العراق بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت المناطق الكردية تكتسب أهمية سياسية وعسكرية متزايدة، وكانت دهوك واحدة من أبرز تلك المناطق بسبب طبيعتها الجبلية وموقعها الاستراتيجي. وعندما اندلعت الثورة الكردية عام 1961م بقيادة مصطفى البارزاني ضد حكومة رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم(1958 – 1963م)، أصبحت مناطق دهوك والعمادية وزاخو من أهم ساحات المواجهة بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة. وقد أدى استمرار الحرب إلى إنهاك الدولة العراقية اقتصاديًا وعسكريًا، كما تسبب في تعقيد الوضع السياسي الداخلي، الأمر الذي دفع الحكومات المتعاقبة إلى البحث عن حلول سياسية للقضية الكردية بدل الاعتماد الكامل على الخيار العسكري.
وفي هذا السياق برز دور البزاز الذي حاول منذ توليه رئاسة الوزراء سنة 1965م تقديم مشروع تسوية أكثر اعتدالًا مع الكرد. فقد كان البزاز من الشخصيات المدنية القليلة التي رأت أن القضية الكردية لا يمكن حلها بالقوة العسكرية وحدها، ولذلك أعلن سنة 1966م مشروعًا سياسيًا عُرف باسم “بيان البزاز”، تضمن الاعتراف ببعض الحقوق القومية والثقافية للكرد، والدعوة إلى اللامركزية الإدارية، والمشاركة السياسية، وتحقيق نوع من الإدارة المحلية للمناطق الكردية. وقد اعتبر هذا البيان خطوة متقدمة مقارنة بالسياسات السابقة، لأنه اعترف بصورة غير مباشرة بخصوصية المناطق الكردية داخل الدولة العراقية. ورغم أن مشروع البزاز لم يُنفذ بصورة كاملة بسبب اعتراضات المؤسسة العسكرية بزعامة اللواء الركن عبدالعزيز العقيلي الذي كان يريد القضاء على الحركة الكردية بالقوة العسكرية من خلال ايصال الجيش العراقي الى منطقة حاج عمران وقطع الدعم الايراني عن الحركة الكردية، فضلا عن القوى القومية المتشددة، فإنه فتح الباب أمام التفكير بإعادة تنظيم المناطق الكردية إداريًا، لاسيما بعد خسارة الجيش العراقي في معركة هندرين في شهر مايس/ ايار عام1966م، وهذا ما دعا الدكتور عبد الرحمن البزاز الى اصدار بيانه او اتفاقيته الشهيرة حول منح الكرد وهو ما ظهر بصورة أوضح بعد وصول حزب البعث إلى السلطة سنة 1968م، حيث حاولت هي الاخرى القضاء على الحركة الكردية بدعم من الجناح المنشق عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ( جناح المكتب السياسي) بقيادة ابراهيم احمد وجلال الطالباني. ولكن الرياح لم تجري بما تشتهيه السفن؛ لذا فكرة الحكومة العراقية باجراء تسوية سياسية مع القيادة الكردية، نظير الاعتراف بالحقوق الكردية في جميع المجالات (= الحكم الذاتي) كما كان الامر مع حكومة البزاز سنة1966م.
ويرى عدد من الباحثين أن فكرة استحداث وحدات إدارية جديدة في المناطق الكردية، ومنها محافظة دهوك، كانت مرتبطة بالمناخ السياسي الذي أوجده مشروع البزاز، إذ كانت الحكومة العراقية تحاول تقديم بعض المكاسب الإدارية للسكان الكرد من أجل تخفيف التوتر العسكري وكسب ثقة القيادات المحلية.
وفي الوقت نفسه كانت الحركة الكردية نفسها تعيش انقسامات داخلية، فقد نشب خلاف داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني وبعض اعضاء المكتب السياسي الذين تبنوا افكار يسارية ماوية. وقد اتهم الجناح المنشق قيادة مصطفى البارزاني بالتفرد بالسلطة وبالجناح المحافظ الذي يحاول الابقاء على الهيكلية الاجتماعية(القبلية) للكرد، بينما اعتبر البارزاني أن خصومه يحاولون إضعاف الحركة الكردية والانشقاق عنها في مرحلة حساسة، ودعم الالة العسكرية العراقية في مقابل قوات البيشمركه. واستفادت الحكومة العراقية من هذا الانقسام بصورة واضحة، إذ حاولت إقامة علاقات مع بعض القيادات المنشقة واستخدامها كورقة ضغط عسكري وسياسي وثقافي في مواجهة البارزاني، إذ ظهرت جريدة النور الناطقة باسمهم (جناح ابراهيم احمد وجلال الطالباني) في منتصف تشرين الأول/أكتوبر سنة 1968م وكان السيد الطالباني يكتب غالبية افتتاحياتها.
ومن هنا ظهرت فرضيات تربط استحداث محافظة دهوك بمحاولة بغداد إعادة ترتيب النفوذ السياسي داخل المناطق الكردية. فبعض الباحثين يرى أن الحكومة العراقية كانت تدرك أن المناطق القريبة من دهوك وزاخو تضم قوى اجتماعية وسياسية متنوعة، وأن منحها وضعًا إداريًا مستقلاً قد يساعد على تقوية نفوذ الدولة المركزية فيها وتقليل الاعتماد على سلطة البارزاني التقليدية. كما أن إنشاء محافظة جديدة يعني زيادة المؤسسات الحكومية والوظائف الإدارية والوجود الأمني، وهو ما كان يسمح لبغداد بتوسيع حضورها المباشر داخل المنطقة.
وفي 27 أيار 1969 صدر قرار مجلس قيادة الثورة رقم 211 القاضي باستحداث لواء دهوك، والذي أصبح لاحقًا محافظة دهوك. وقد شمل القرار فصل أقضية دهوك وزاخو والعمادية وعقرة عن محافظة الموصل وربطها إداريًا بالمحافظة الجديدة. وجاء القرار في وقت كان فيه النظام البعثي يسعى إلى تثبيت سلطته بعد انقلاب تموز 1968م، كما كان يحاول تحسين علاقته بالحركة الكردية تمهيدًا للوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
وقد قدمت الحكومة العراقية القرار بوصفه خطوة إدارية وتنموية تهدف إلى تحسين الخدمات وتقريب الإدارة من السكان، خاصة أن محافظة الموصل كانت واسعة جدًا ويصعب إدارتها بصورة فعالة. ولا شك أن هذا التفسير يحمل جانبًا من الحقيقة، لأن المناطق الشمالية كانت بحاجة فعلية إلى تطوير إداري ومؤسسات مستقلة. إلا أن توقيت القرار والظروف السياسية المحيطة به يدفعان إلى الاعتقاد بأن الدوافع السياسية لعبت دورًا أساسيًا في اتخاذه.
ومن جهة أخرى فقد كان النظام البعثي يدرك أن استمرار الحرب مع الكرد يهدد استقرار العراق، لذلك حاول الجمع بين القوة العسكرية والسياسة المرنة. ومن هذا المنطلق يمكن فهم استحداث محافظة دهوك بوصفه رسالة سياسية إلى الكرد مفادها أن الحكومة مستعدة للاعتراف بخصوصية المناطق الكردية ومنحها مساحة أكبر من الإدارة المحلية. كما أن القرار جاء قبل أقل من عام على توقيع اتفاقية 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، وهي الاتفاقية التي اعترفت رسميًا بالحقوق القومية للكرد ومنحتهم حكمًا ذاتيًا لاول مرة في تاريخ الشعب الكردي.
ولذلك يرى بعض المؤرخين أن استحداث محافظة دهوك كان جزءًا من سلسلة خطوات تمهيدية سبقت اتفاقية الحكم الذاتي، إذ أرادت بغداد إظهار حسن نيتها تجاه المناطق الكردية عبر منحها مكاسب إدارية ملموسة. كما أن تحويل دهوك إلى محافظة مستقلة منحها مكانة سياسية وإدارية أكبر، وجعلها لاحقًا إحدى أهم مدن إقليم كردستان العراق.
وقد أدى القرار إلى نتائج مهمة على المستوى المحلي، إذ توسعت المؤسسات الحكومية وازداد عدد الدوائر الرسمية والخدمات التعليمية والصحية، كما شهدت المدينة نموًا عمرانيًا واقتصاديًا ملحوظًا خلال العقود اللاحقة. ومع مرور الزمن أصبحت دهوك مركزًا إداريًا وسياسيًا مهمًا في كردستان العراق ، خاص شهدت افتتاحيات جريدة Arab Socialist Ba'ath Party «الثورة» خلال عام 1969 تحولًا سياسيًا وإعلاميًا مهمًا في طريقة تناول القضية الكردية داخل العراق، إذ أصبحت الصحيفة تمثل الواجهة الإعلامية الرسمية لسياسة النظام البعثي الجديد بعد انقلاب 17 تموز 1968، ولذلك ركزت بصورة متزايدة على موضوع “الأخوة العربية الكردية” وحقوق الكرد ضمن وحدة العراق. وقد جاء هذا التحول في سياق سعي السلطة الجديدة إلى تثبيت حكمها وتهدئة الصراع المسلح مع الحركة الكردية بعد سنوات طويلة من الحرب وعدم الاستقرار.
ومن جانب آخرفقد كانت افتتاحيات جريدة الثورة الناطقة باسم حزب البعث تعكس بصورة مباشرة الخطاب السياسي الرسمي لمجلس قيادة الثورة، لذلك أخذت منذ سنة 1969م تتحدث عن “الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي” وعن ضرورة حل القضية الكردية حلاً سلميًا ضمن إطار وحدة العراق. كما ركزت المقالات الافتتاحية على فكرة أن ثورة 17 تموز جاءت لإنهاء “سياسات التمييز القومي” التي اتبعتها الحكومات السابقة، وأنها تؤمن بالتعايش بين العرب والأكراد وبناء دولة تقوم على الشراكة الوطنية.
وقد ارتبط هذا الخطاب بقرارات سياسية صدرت في تلك المرحلة، من بينها قرار مجلس قيادة الثورة سنة 1969 الخاص بـ«توطيد دعائم التضامن والأخوة بين العرب والكرد وكافة الأقليات القومية»، الذي أكدت فيه السلطة البعثية أن الاضطهاد القومي كان من مخلفات الأنظمة السابقة، وأن النظام الجديد يسعى إلى الاعتراف بالتنوع القومي داخل العراق.
وفي هذا الإطار كانت افتتاحيات «الثورة» تكرر عبارات مثل “النضال المشترك بين العرب والأكراد”، و“وحدة المصير”، و“الاعتراف بالحقوق الثقافية والإدارية”، كما كانت تمهد سياسيًا لفكرة الحكم الذاتي التي ستُعلن لاحقًا في اتفاقية 11 آذار 1970م. ولذلك يمكن اعتبار سنة 1969م مرحلة إعداد إعلامي وسياسي للرأي العام العراقي من أجل تقبل مشروع التسوية مع الحركة الكردية.
عنوان التشريع: قرار بتوطيد دعائم التضامن والاخوة بين العرب والاكراد وكافة الاقليات القومية
التصنيف: قرار
المحتوى1
رقم التشريع: 484
سنة التشريع: 1969
تاريخ التشريع: 1969-09-10
قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 9 – 10 – 1969 ما يلي : –
ان ثورة السابع عشر من تموز التي تؤمن ايمانا راسخا بحق الامم في تحقيق وجودها وتأكيد شخصيتها والتي تعتبر ان الاضطهاد القومي ظاهرة ملازمة للانظمة الرجعية والمرتبطة بالامبريالية . وان التآخي والتضامن بين القوميات ظاهرة ملازمة للانظمة المعادية لهما . وهي تؤمن في الوقت نفسه بأن الشعب الكردي سيجد الفرص الحقيقية لتحقيق مطامحه وآماله بتضامنه الكفاحي مع شقيقه الشعب العربي . لذا فإن الثورة في حرصها على ازالة كل شكل من أشكال الظلم القومي والاجتماعي انما تعبر بذلك من ايمانها بأن هذا الطريق هو التعبير الصحيح للمسار التاريخي لحركة الثورة العربية وهو الاسلوب السليم لتوطيد دعائم التضامن والاخوة بين العرب والاكراد وكافة الاقليات القومية .
لذلك قرر مجلس قيادة الثورة : –
أولا – تدرس اللغة الكردية في الصف السادس للدراسة الثانوية وكافة الجامعات ومعاهد المعلمين والمعلمات والكلية العسكرية وكلية الشرطة .
ثانيا – جعل كافة وسائل الايضاح باللغة الكردية في جميع المدارس التي تدرس باللغة الكردية .
ثالثا – تجرس اللغة العربية في كافة المدارس التي تدرس باللغة الكردية .
رابعا – اتخاذ الاجراءات اللازمة لاعداد تغيير جذري وشامل في المديرية العامة للدراسة الكردية لكي تكون قادرة على النهوض بالمهام التي تنتظرها واستحداث كافة الدوائر اللازمة لتمشية شؤون الرتبية الكردية في المستقبل .
خامسا – ادخال كافة الكتب الكردية العلمية والادبية والسياسية المعبرة عن الطموح الوطني والقومي والتقديم للشعب الكردي في كافة المكتبات العامة وكافة مكتبات المدارس .
سادسا – تمكين الادباء والشعراء والكتاب الاكراد من تأسيس اتحاد لهم والعمل على مساعدتهم وتمكينهم من طبع مؤلفاتهم وتوفير الفرص لزيادة قدراتهم وقابلياتهم اللغوية وربط الاتحاد باتحاد الادباء العراقيين بعد قيامه .
سابعا – تأسيس دار للطباعة والنشر باللغة الكردية .
ثامنا – استحداث مديرية عامة للثقافة الكردية ترتبط بوزارة الثقافة والاعلام .
تاسعا – اصدار صحيفة أسبوعية ومجلة شهرية باللغة الكردية عن المؤسسة العامة للصحافة .
عاشرا – زيادة البرامج الكردية في تلفزيون كركوك ريثما يتم انشاء محطة تلفزيون خاصة باللغة الكردية .
حادي عشر – تسمى كافة المدارس والدوائر الرسمية في المنطقة الكردية بالاسماء الكردية التاريخية والجغرافية .
ثاني عشر – على كافة الوزارات المعنية تنفيذ ما ورد أعلاه .
ومن الجدير بالذكر ان مجلس قيادة الثورة سبق ان اصدر قرارا بجعل الدراسة باللغة الكردية في المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والثانوية في جميع المناطق الكردية . كما وسبق ان أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بفتح مدارس تدرس باللغة العربية، اضافة الى وجود المدارس التي تدرس باللغة الكردية .
أحمد حسن البكر
رئيس مجلس قيادة الثورة
نشر في الوقائع العراقية عدد 1792 في 25 – 10 – 969
كما تناولت الافتتاحيات موضوع إعادة تنظيم المناطق الكردية إداريًا، ومنها استحداث محافظة دهوك سنة 1969، وقدمت ذلك بوصفه دليلًا على اهتمام الدولة بتطوير المناطق الكردية وإشراكها في مؤسسات الدولة. وكانت الصحيفة تحاول إظهار النظام الجديد بمظهر الداعم للحقوق القومية ضمن إطار الوحدة الوطنية العراقية، مع التأكيد في الوقت نفسه على رفض أي توجه انفصالي.
ومن الناحية السياسية، كانت افتتاحيات الجريدة تؤدي أيضًا وظيفة دعائية مهمة، إذ حاولت تصوير حزب البعث بوصفه أول نظام عراقي يعترف “فعليًا” بالقضية الكردية، رغم أن الحكومات السابقة، وخاصة في عهد البزاز، كانت قد طرحت مشاريع مشابهة تتعلق باللامركزية والحقوق الثقافية. لكن الخطاب البعثي في جريدة «الثورة» كان يسعى إلى احتكار صورة “الحل الوطني” للقضية الكردية وربطها بثورة 17 تموز وحدها.
كما اتسمت افتتاحيات 1969 بطابع قومي عربي واضح، إذ كانت تؤكد أن الاعتراف بالحقوق الكردية لا يتعارض مع عروبة العراق ووحدته، بل يعززها. ولهذا جمعت الجريدة بين خطابين متوازيين: خطاب قومي عربي يركز على وحدة العراق، وخطاب تصالحي يتحدث عن حقوق الأكراد والمساواة بين القوميات.
ومن خلال متابعة لغة الجريدة في تلك المرحلة يمكن ملاحظة أنها كانت تستخدم تعبيرات سياسية جديدة نسبيًا في الإعلام الرسمي العراقي، مثل “الحقوق القومية المشروعة” و“الشعب الكردي”، وهي مصطلحات لم تكن شائعة بهذا الوضوح في الخطاب الحكومي خلال العهد الملكي أو السنوات الأولى للجمهورية. وهذا يعكس إدراك النظام البعثي لأهمية الإعلام في إدارة الصراع الكردي، ومحاولة كسب الرأي العام الكردي عبر الصحافة الرسمية.
وعليه، فإن افتتاحيات جريدة «الثورة» سنة 1969 لم تكن مجرد مقالات صحفية عادية، بل كانت جزءًا من مشروع سياسي متكامل أراد النظام البعثي من خلاله إعادة صياغة العلاقة بين الدولة العراقية والكرد. وقد لعبت هذه الافتتاحيات دورًا مهمًا في التمهيد الإعلامي والسياسي للمرحلة التي سبقت اتفاقية الحكم الذاتي سنة 1970، كما عكست محاولة السلطة تقديم نفسها بوصفها راعية للتعدد القومي داخل العراق، حتى وإن بقيت تلك السياسات لاحقًا محكومة بالتوازنات السياسية والصراع مع الحركة الكردية.ة بعد تأسيس الإدارة الكردية الفيدرالية في بداية عقد التسعينيات.