دهوك بين التهميش والتحول الإداري والسياسي سنة 1969م(2)

دهوك بين التهميش والتحول الإداري والسياسي سنة 1969م(2)
دهوك بين التهميش والتحول الإداري والسياسي سنة 1969م(2)

شكّلت سنة 1969م نقطة تحوّل مهمة في تاريخ مدينة دهوك، إذ انتقلت المدينة من حالة طويلة من التهميش الإداري والسياسي إلى مرحلة جديدة ارتبطت بإعلانها محافظة مستقلة ضمن التقسيمات الإدارية الحديثة في العراق عامةً وكوردستان خاصةً. ولم يكن هذا التحول مجرد إجراء إداري، بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية رافقت تطورات القضية الكوردية في العراق الحديث خلال ستينيات القرن العشرين.
فعلى امتداد العهدين العثماني والملكي، ثم السنوات الأولى من العهد الجمهوري، بقيت دهوك منطقة تابعة إدارياً للواء الموصل، ولم تحظَ بالمكانة التي تناسب موقعها الجغرافي أو ثقلها السكاني والتاريخي. وقد أدى هذا الوضع إلى ضعف الخدمات وقلة المشاريع العمرانية والصحية والتعليمية، مقارنة بمدن عراقية أخرى. كما أن ارتباط المدينة بالمناطق الجبلية والريفية جعلها تتأثر بصورة مباشرة بالصراعات العسكرية والسياسية التي شهدها كوردستان العراق، ولاسيما خلال النزاع بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بقيادة الزعيم الملا مصطفى البارزاني.
وخلال عقد الستينيات تصاعدت المطالب الكوردية بالاعتراف بالحقوق القومية والإدارية، وبدأت الحكومة العراقية تدرك أهمية إعادة تنظيم الإدارة المحلية في المناطق الكوردية. وفي هذا السياق جاءت خطوة استحداث محافظة دهوك سنة 1969م، في إطار سياسة هدفت إلى تهدئة الأوضاع وإظهار اهتمام الدولة بالمناطق الكوردية، خصوصاً بعد تصاعد الحديث الرسمي عن الحقوق الثقافية والإدارية للكورد في الصحافة الحكومية، ومنها افتتاحيات جريدة الثورة التي بدأت منذ أواخر الستينيات تتناول موضوع الشراكة العربية الكوردية ضمن الدولة العراقية.
وقد أسهم تحويل دهوك إلى محافظة في منح المدينة ثقلاً إدارياً جديداً، إذ غدت مركزاً لمؤسسات حكومية ومديريات خدمية مستقلة بعد أن كانت تتبع إدارياً لمحافظة الموصل، الأمر الذي انعكس تدريجياً على توسعها العمراني وتزايدها السكاني. كما أدى هذا التحول إلى تعزيز مكانتها السياسية داخل المشهدين الكوردي والعراقي، بعد عقود من التهميش الإداري وضعف الحضور المؤسسي.
ومنذ ذلك التاريخ بدأت دهوك تشهد تغيرات ملحوظة في مجالات البنية التحتية والتعليم والخدمات العامة والسياحة، على الرغم من استمرار تأثير الاضطرابات السياسية والأمنية المرتبطة بالصراع الكوردي ـ الحكومي، ولاسيما خلال المدة الممتدة من انهيار اتفاقية الحكم الذاتي سنة 1974م وتجدد القتال سنة 1975م وحتى انتفاضة آذار 1991م. وقد مثّلت تلك الانتفاضة نقطة تحول مفصلية في تاريخ إقليم كوردستان، إذ تمكن الشعب الكوردي، عبر انتخابات البرلمان الكوردي سنة 1992م، من تأسيس إدارة سياسية وبرلمانية خاصة بالإقليم وإعلان النظام الفيدرالي ضمن إطار العراق الموحد، الأمر الذي أسهم لاحقاً في تعزيز الدور الإداري والسياسي لمحافظة دهوك ضمن إقليم كوردستان العراق.
وفي هذا الإطار، شهدت دهوك تحولاً تدريجياً من مدينة حدودية عانت طويلاً من التهميش الإداري وضعف الاهتمام التنموي إلى مركز إداري وسياسي اكتسب أهمية متزايدة ضمن المعادلات الإقليمية في كوردستان العراق. وقد تعززت هذه الأهمية بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إذ تتاخم أراضيها الحدود مع كل من تركيا وسوريا، الأمر الذي منحها بعداً سياسياً وأمنياً واقتصادياً يتجاوز نطاقها المحلي.
كما أن هذا التحول الإداري أسهم في إبراز الهوية المحلية للمدينة، وأعاد إحياء الاهتمام بتاريخها وتسمياتها القديمة مثل: نوهدرا، وداسن، ودهوك، وأتوك، وهي تسميات ارتبطت بتاريخ المنطقة القومي والديني والاجتماعي عبر قرون طويلة. ومن هنا فإن سنة 1969م تُعد محطة مفصلية في تاريخ دهوك الحديث، لأنها نقلت المدينة من الهامش الإداري إلى موقع أكثر حضوراً وتأثيراً في الحياة السياسية والإدارية بل والثقافية في العراق عامةً وكوردستان خاصةً.
ومن جانب آخر تُعدّ تسمية دهوك من أكثر التسميات إثارة للنقاش التاريخي واللغوي في كوردستان العراق، بسبب تعاقب حضارات وشعوب متعددة على المنطقة، من السويارتيين والآشوريين والميتانيين والميديين والفرس إلى العرب المسلمين بشتى دولهم والدويلات التركمانية – الاق قوينلو والصفويين والعثمانيين،  واخيراً الكورد سادة أنفسهم؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور تسميات متنوعة للمدينة مثل: داسن، ونوهدرا، ودهوك، وأتوك، وكل تسمية منها ارتبطت بمرحلة تاريخية أو جماعة سكانية معينة.
وتُعدّ “نوهدرا” أو “بيث نوهدرا” من أقدم الأسماء المعروفة للمدينة في المصادر السريانية والمسيحية الشرقية، إذ وردت في المخطوطات الكنسية منذ القرون الأولى للميلاد، وما تزال مستخدمة في الأدبيات الكنسية السريانية حتى اليوم. ويرى عدد من الباحثين أن الاسم مشتق من مقطعين سريانيين هما “نو” بمعنى المكان أو البيت، و“هدرا” بمعنى الحظيرة أو الساحة أو المعسكر، ليصبح المعنى التقريبي “مكان المعسكر” أو “الموقع المحصن”، . وهو تفسير ينسجم مع الطبيعة الجغرافية للمدينة الواقعة بين الجبال والممرات الطبيعية. كما أن ورود اسم “بيث نوهدرا” في الأدب الكنسي السرياني يشير إلى أهمية المنطقة دينياً وإدارياً خلال العهدين الآشوري والمسيحي المبكر.
غير ان الباحث الكنسي "يوسف حبي" (1938 – 2000م) فسرها "بالارض المباركة" على اساس ان هذه المنطقة كانت جزءاً من الامبراطورية الاكدية التي بلاد ما بين النهرين- ميسوبوتاميا بضمنه كوردستان في الفترة ما بين (2334 - 2218 ق.م)، وتُعرف كواحدة من أوائل الإمبراطوريات في التاريخ البشري التي وحّدت المدن تحت سلطة مركزية واحدة.
وقد اختلف الباحثون  والمؤرخون في تفسير معنى “نوهدرا”، إذ يرى بعض المختصين باللغات القديمة أن أصل الكلمة أكدي، وتحمل معنى “الأرض المباركة” أو “البلاد المزدهرة”، وهو تفسير يرتبط بخصوبة المنطقة ومكانتها الدينية والحضارية في شمال بلاد ما بين النهرين. غير أن احد الباحثين يورد قراءة أخرى ذات طابع لغوي ـ كوردي، تنطلق من اللهجات الكوردية المحلية المنتشرة في منطقة زاخو وغربها، ولا سيما بين عشائر السليفاني والسندي وصولاً إلى منطقة جزيرة بوتان، فوفق هذه القراءة يمكن تحليل الاسم إلى مقاطع كوردية هي: “نو” بمعنى “الجديد”، و”عه ردا” أو “ئه ردا” بمعنى “الأرض”، ليصبح معنى الاسم “الأرض الجديدة”. ويُحتمل أن هذا التفسير يعكس مرحلة من مراحل الاستيطان أو إعادة العمران في المنطقة بعد خراب أو هجرة سابقة، وهو أمر مألوف في تسميات المدن والقرى الكوردية القديمة.
أما التسمية الحالية “دهوك” أو “دوهوك” فهي الأكثر تداولاً بين السكان الكورد، وتُعدّ التسمية الرسمية الحديثة للمدينة. ويربط عدد من الباحثين الكورد أصل الاسم باللغة الكوردية الكرمانجية، إذ يُقال إن “دو” تعني اثنين، و“هوك” أو “هۆك” تعني مكيال الحبوب أو الكومة، فيصبح معنى الاسم “المكيالان” أو “الصاعان”. ويُفسَّر ذلك بأن المدينة كانت محطة تجارية مهمة تمر عبرها القوافل القادمة من الموصل باتجاه الأناضول وبلاد فارس، وكانت تُؤخذ من التجار ضريبة مقدارها مكيالان من الحبوب أو البضائع في مدخل كلي دهوك. ويُعدّ هذا التفسير من أكثر التفسيرات قبولاً بين الباحثين، لأنه ينسجم مع الموقع التجاري لدهوك ومع طبيعة المدينة التاريخية بوصفها معبراً للقوافل والأسواق، فضلاً عن استمرار استعمال التسمية الكوردية بين السكان المحليين حتى العصر الحديث.
وتذكر بعض الروايات الشفوية لدى مسيحيي دهوك وألقوش أن المدينة كانت تُعرف باسم “أتوك”، ويُقال إن معناها يشير إلى القرية أو المستوطنة الواقعة عند سفح الجبل، إلا أن هذه التسمية بقيت محدودة الانتشار في الروايات المحلية ولم تظهر بصورة واضحة في المصادر التاريخية المكتوبة، بخلاف اسم “نوهدرا”  الذي حظي بحضور أوسع في الأدب السرياني والكنسي.
كما ترتبط دهوك بتسمية “داسن” أو “الداسنية”، وهي من أقدم التسميات الجغرافية في المنطقة، إذ عُرفت المناطق المحيطة بدهوك باسم “إمارة داسن” أو “بلاد الداسنيين”، أو " دهوكا داسنيا" وارتبط الاسم بالمجتمع الكوردي والايزيدي القديم. وقد أشار الباحث في بعض بحوثه المنشورة إلى الأمير الكوردي جعفر ميرخوش الداسني الذي قام بقيادة حركة ثورية ضد الخلافة العباسية في عهد عاهلها المعتصم بن هارون الرشيد بين سنتي (223 - 224 هـ/ 838 - 839م) رداً على تعسف الولاة، حيث تحصن الثوار في جبال داسن، وتمكنوا من هزيمة حملة عباسية أولى، وبعد تصدي والي الموصل له انحاز جعفر الكوردي الى منطقة داسن الواقعة شرق مدينة الموصل . وتمكن فيما بعد من قتل والي الموصل (عبدﷲ بن السيد بن انس الأزدي)، وهذا ما جعل الخليفة المعتصم ان يرسل قائده (إيتاخ التركي ) على رأس جيش كبير، حيث تمكن الأخير من الانتصار على جعفر الكوردي وقتله وسـبي نساء الكورد وأطفالهم ونقلهم الى مدينة تكريت، كما تم صلب جثة جعفر الكوردي في مدينة سامراء بجانب بابك الخرمي ومازيار الطبرستاني.  كما لا يمكن نسيان  الدور التاريخي لإمارة داسن في المنطقة خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين في العهد العثماني،  الأمر الذي يعكس عمق الحضور الكوردي القديم في دهوك ومحيطها (دهوكا داسنيا).
ومن خلال تتبع هذه التسميات يمكن القول إن “نوهدرا” تمثل الجذر التاريخي السرياني القديم للمدينة، مع بعض التحفظ استناداً الى ما ذكره الباحث انفا قبل عدة اسطر (نوعه ردا) الكوردية، في حين تمثل “دهوك” الامتداد الكوردي المحلي الذي استقر بين السكان وتحول إلى الاسم الرسمي الحديث لاول مرة منذ سنة1446 – 1447م عندما ذكر هذا الاسم لدى المؤرخ ابوبكر الطهراني في كتابه ( تاريخ دياربكريه) المدون باللغة الفارسية، ويتحدث عن حملة عسكرية قامت بها دولة الخروف الابيض " آق قوينلو" ما بين دهوك والموصل. أما من حيث التفسير اللغوي الأقرب إلى الواقع التاريخي والجغرافي، فإن أغلب الباحثين يميلون إلى ترجيح الأصل الكوردي لتسمية “دهوك”، المرتبط بالمكيالين أو الضرائب التجارية، 
ويرى الباحث أن اسم دهوك مرَّ بعدة تحولات لغوية وتاريخية ارتبطت بالبيئة الكوردية القديمة وبالتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة عبر القرون. ومن بين الآراء التي أشار إليها تفسير اسم «سرهوك» بوصفه من أقدم الأشكال أو التسميات القريبة من دهوك الحالية.
فكلمة «سرهوك» في التحليل اللغوي الكوردي تتكون من مقطعين؛ «سەر» أو «سر» بمعنى الرأس أو الأعلى، و«هوك/هوكێ» التي ترتبط في بعض اللهجات بمعنى الممر أو الموضع المنخفض أو المنطقة الواقعة بين جبلين، فيكون المعنى التقريبي «رأس الوادي» أو «أعلى الممر». ويربط هذا التفسير بالموقع الجغرافي لدهوك التي تقع بين قمتين جبليتين من سلسلة الجبل الابيض: قمة شدا العالية نوعا ما وقمة فرعون؛ لأن دهوك كانت واقعة أمام جبلين وكل منهما كانت تسمى (سرهوك)، يعني الاثنان كانتا تحملان اسم (دو سرهوك)، ولأجل التبسيط في اللفظ فقد أزيلت أحرف (و، س، ر) لتبقى الكلمة على شكل (دهوك).
لكن من المهم الإشارة إلى أن هذا التفسير يُطرح بوصفه رأياً لغوياً وتاريخياً محلياً للباحث، وليس هناك ـ بحسب المتوفر ـ مصدر أكاديمي قديم أو نقش تاريخي مباشر يثبت اسم «سرهوك» كصيغة رسمية موثقة للمدينة، بل هو اجتهاد في تفسير تطور التسمية اعتماداً على الجغرافيا واللفظ الكوردي المحلي.
ويشير الباحث إلى أن التحول من «سرهوك» إلى «دهوك» لم يكن انتقالاً مفاجئاً، بل جاء نتيجة تطورات صوتية ولهجية طويلة. فاللغات المحلية في منطقة بهدينان تأثرت بالكوردية القديمة والآرامية والسريانية والفارسية والعربية والتركية، مما أدى إلى تغيّر نطق الأسماء عبر الزمن. ومع تعاقب الإدارات السياسية واختلاف طرق تدوين الأسماء في الوثائق العثمانية والكنسية والمحلية، تعرض الاسم لاختصار وتحوير تدريجي.
وعلى أية حال، فإن التحولات التي طرأت على ماهية هذه التسميات وصيغها اللغوية قد خضعت، عبر الزمن، لعمليات التطور الصوتي والاختزال اللفظي والتكيّف مع البنية اللغوية السائدة في المنطقة، الأمر الذي أسهم تدريجياً في استقرار اسم «دهوك» بصيغته الحالية. ويبدو أن شيوع هذه التسمية ارتبط بانسجامها مع الخصائص الاقتصادية والجغرافية والقومية للمدينة، ولاسيما موقعها على طرق التجارة والقوافل القديمة، فضلاً عن استمرار تداولها واستعمالها بين سكان المنطقة على امتداد قرون طويلة، حتى غدت التسمية الأكثر رسوخاً في الذاكرة المحلية والمصادر التاريخية اللاحقة.