محمد حسن الساعدي
كاتب ومحلل سياسي
الديمقراطية المؤجلة...سردية النظام السياسي العراقي بين الأصوات والتوافقات!!
لقد مثل النظام السياسي العراقي بعد عام 2003 حالة فريدة من نوعها في المنطقة، إذ لم تتشكّل أي حكومة على أساس قاعدة الأصوات الانتخابية وعدد المقاعد البرلمانية بقدر ما ارتكز على التوافقات السياسية والمحاصصة الطائفية والقومية، وان هذا الواقع جعل من الديمقراطية العراقية تجربة مشوبة بالغموض، حيث إن إرادة الناخبين لا تُترجم مباشرة إلى سلطة تنفيذية، بل تُعاد صياغتها في غرف التفاوض بين القوى السياسية.
من الناحية الدستورية، فان المادة التي نصت على أن الكتلة الأكبر هي من تختار الحكومة في العراق هي المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، حيث جاء في الفقرة أولًا منها: "يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا، بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية، لكن هذا المفهوم ظلّ مفتوحًا لتفسيرات متعددة،فبدلًا من أن تكون الكتلة الأكبر هي الفائزة في الانتخابات، أصبح بالإمكان تشكيل تحالفات جديدة بعد إعلان النتائج لتصبح هي الكتلة الأكبر، حتى لو لم تحصد أصوات الناخبين بشكل مباشر،وهذا ما عده المراقبون التفاف على النص الدستوري الذي جعل من العملية السياسية رهينة للتوافقات أكثر من كونها انعكاسًا للانتخابات.
ليس فقط كذلك بل ترسّخ عرف سياسي غير مكتوب يقوم على توزيع المناصب العليا وفق الانتماءات الطائفية والقومية: رئاسة الجمهورية للأكراد، رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الوزراء للشيعة. هذا العرف أصبح أقوى من النصوص الدستورية، وأصبح بمثابة قاعدة ثابتة لا يمكن تجاوزها في أي عملية تشكيل حكومي، وبهذا، فإن التوازن المذهبي والقومي هو الذي يحدد شكل الحكومة، لا صناديق الاقتراع.
أن عملية تشكيل الحكومة في العراق غالبًا ما تكون طويلة ومعقدة، من خلال دخول القوى السياسية في مفاوضات شاقة لتوزيع الوزارات والمناصب، ويُستخدم هذا التوزيع كأداة لإرضاء الأطراف المختلفة وضمان مشاركتها في السلطة، لذلك فأن النتيجة أن الحكومة تصبح انعكاسًا لتوازنات داخلية بين الكتل، وليست انعكاسًا مباشرًا لعدد المقاعد أو الأصوات، وهذا الواقع يخلق فجوة بين الناخبين والسلطة، حيث يشعر المواطن أن صوته لا يملك تأثيرًا حقيقيًا في اختيار من يقود البلاد.
هذه السردية السياسية الجديدة أنتجت عدة آثار سلبية على الديمقراطية العراقية، فهي أضعفت ثقة المواطن بالعملية الانتخابية، إذ يرى أن النتائج لا تُترجم إلى سلطة فعلية، وكذلك عززت الانقسامات الطائفية والقومية، حيث أصبح الانتماء هو الأساس في توزيع المناصب بدلًا من الكفاءة أو البرامج السياسية، الامر الذي جعل الحكومة ضعيفة أمام التحديات، لأنها قائمة على التوازنات الهشة بين القوى، مما يعرّضها للانقسام عند أي خلاف سياسي.
في المقابل، يرى بعض المدافعين عن هذا النظام أن التوافقات ضرورية في بلد متعدد الطوائف والقوميات مثل العراق، وأنها تمنع هيمنة طرف واحد على السلطة، ولكن هذا الدفاع لا يُخفي حقيقة أن النظام الحالي يكرّس المحاصصة ويُضعف الديمقراطية التمثيلية، فبدلًا من أن تكون الانتخابات وسيلة لتغيير السلطة، أصبحت مجرد خطوة شكلية تُتبع بمفاوضات مغلقة تحدد شكل الحكومة بعيدًا عن إرادة الناخبين.
إن سردية النظام السياسي العراقي تكشف عن أزمة عميقة في العلاقة بين الديمقراطية والواقع الاجتماعي والسياسي فبينما يُفترض أن تكون الانتخابات أداة لتجسيد إرادة الشعب، فإنها في العراق تتحول إلى مدخل لتوازنات طائفية وقومية تُعيد إنتاج نفس النخب السياسية وهذا يفسر لماذا لم تشهد البلاد تغييرًا جذريًا في بنيتها السياسية رغم مرور أكثر من عقدين على التجربة الديمقراطية.
الخلاصة أن اختيار الحكومة في العراق لا يتم وفق الأصوات الانتخابية وعدد المقاعد، بل وفق التوافقات والمحاصصة التي أصبحت جزءًا من بنية النظام السياسي. هذه السردية تضع الديمقراطية العراقية أمام تحديات كبيرة، أبرزها استعادة ثقة المواطن بالانتخابات، وتجاوز منطق المحاصصة نحو بناء دولة مؤسسات حقيقية، وهذا ما يتطلب إرادة سياسية جادة لإصلاح النظام، وإعادة الاعتبار لصوت الناخب باعتباره المصدر الشرعي الوحيد للسلطة.