نهاية عهد (أصدقاء الرئيس) في السياسة الخارجية الأمريكية

نهاية عهد (أصدقاء الرئيس) في السياسة الخارجية الأمريكية
نهاية عهد (أصدقاء الرئيس) في السياسة الخارجية الأمريكية

إعفاء توم براك من منصبه كمبعوث خاص إلى سوريا لم يكن مجرد قرار إداري عادي بل كان إشارة عميقة تكشف عن تحول جوهري في طريقة صنع القرار الأمريكي على المستوى الدبلوماسي. ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي اتخذ هذه الخطوة بشكل لافت وهي تعكس رغبة حقيقية في استعادة المؤسسة الدبلوماسية الرسمية لدورها الكامل بعد مرحلة طويلة شهدت صعود نجم الشخصيات القريبة من الرئيس على حساب الأجهزة التقليدية.

وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية الرسمية كانت تعاني من تهميش غير معلن حين كانت الصفقات تُبرم عبر قنوات شخصية وعلاقات ودية بعيدة عن البيروقراطية المؤسسية التي تمتلك الخبرة والذاكرة الاستراتيجية. هذا النموذج من العمل الدبلوماسي القائم على الثقة الشخصية بدلاً من الكفاءة المؤسسية أنتج ثغرات واسعة في الأداء الأمريكي على الساحة الدولية وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط على الساحة العراقية تحديداً فإن هذا التحول يحمل دلالات بالغة الأهمية. الدور الذي كان براك يؤديه باختياره محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء كان دوراً غير رسمي بامتياز وكان يمنح بغداد هامشاً من المناورة مع الجانب الأمريكي بعيداً عن العيون الرسمية والتقارير المؤسسية. الآن وبعد إزاحة هذا الوسيط غير الرسمي فإن الحكومة العراقية ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع منظومة كاملة تضم الخارجية الأمريكية والبعثة الدبلوماسية في بغداد والأجهزة الاستخباراتية التي تعمل وفق معايير صارمة ومحددة بعيداً عن لغة التفاهمات الشخصية والاتفاقيات غير المكتوبة.

هذا التغيير يعني ببساطة أن القوى السياسية العراقية ستضطر إلى إعادة ترتيب أوراقها بالكامل وستجد أن قنوات الاتصال التقليدية غير الرسمية لم تعد كافية للحصول على الدعم أو الشرعية الأمريكية ومن ثم فإن المشهد السياسي في بغداد مقبل على مرحلة من إعادة التموضع والتكيف مع قواعد لعبة مختلفة.

أما على مستوى ملفات المنطقة الأشمل فإن غياب براك يوجه ضربة حقيقية لمقاربة كانت تسعى إلى التعامل مع أزمات إيران والعراق وسوريا ولبنان بشكل منفصل ومجزأ وكأن كل ساحة جزيرة قائمة بذاتها. هذه المقاربة كانت تنبع من عقلية تجارية ترى في التجزئة فرصة للمساومة والحصول على مكاسب منفردة في كل ملف على حدة في حين أن المؤسسة الأمريكية الرسمية كانت دائماً تدرك أن هذه الملفات متشابكة ومترابطة وأن أي اتفاق في ملف واحد ينعكس حتماً على بقية الملفات.

العودة إلى منطق الطاولة الكلاسيكية حيث تُناقش الملفات كحزمة واحدة متكاملة ستجعل طهران أكثر حذرا في أي تفاوض قادم لأن نفوذها الإقليمي المترابط لن يكون سلاحاً مجزأً يمكن توظيفه ملفاً ملفاً بل سيكون ورقة على طاولة واحدة كبيرة.

وعلى المستوى الإقليمي الأوسع فإن هذا التحول يصب في مصلحة الحلفاء التقليديين الذين يمتلكون علاقات مؤسسية عميقة مع واشنطن وعلى رأسهم الكورد الذين يمتلكون تاريخاً طويلاً من العمل المشترك مع البنتاغون والخارجية الأمريكية وهو ما يجعل موقع إقليم كردستان أكثر رسوخاً وثقة في أي معادلة قادمة. في المقابل فإن الأطراف التي كانت تعتمد على شبكة علاقات شخصية مع المحيط الرئاسي ستجد نفسها في موقف أضعف بكثير مما اعتادت عليه
ما نشهده اليوم هو أن السياسة الخارجية الأمريكية تدخل مرحلة جديدة تنتهي فيها صلاحية الصفقات الجانبية وتستعيد فيها الماكينة الرسمية كامل سلطتها ودورها. وهذا تحول لن تكون تداعياته محدودة على ملف بعينه بل ستمتد موجاته إلى كل الساحات التي شهدت في السنوات الماضية تدخل المقربين من الرئيس خارج الأطر المؤسسية المعتادة.