نجاح هيفو
كاتبة كوردية
بين مؤسستين.. كيف يكشف موقع المرأة حقيقة العدالة والسلطة
عندما نريد أن نعرف حقيقة أي مؤسسة، لا ينبغي أن ننظر إلى شعاراتها المعلقة على الجدران، ولا إلى بياناتها الإعلامية التي تتغنى بالمساواة والعدالة وحقوق الإنسان. المعيار الحقيقي يكمن في مكانة المرأة داخلها: هل هي شريكة في القرار أم مجرد صورة تزيّن المشهد؟ هل تمتلك سلطة حقيقية أم تُمنح أدواراً هامشية لا تؤثر في صناعة المستقبل؟ وهل يُنظر إليها باعتبارها عقلاً وخبرة وكفاءة، أم باعتبارها تابعاً يجب أن يبقى ضمن حدود رسمها المجتمع مسبقاً؟
في كثير من المؤسسات الشرق أوسطية، ما زالت المرأة تعيش داخل دائرة مغلقة من التناقضات. فمن جهة، تُرفع صور النساء في المؤتمرات، وتُلقى الخطب عن أهمية دورهن في التنمية، وتُنشر التقارير التي تتحدث عن التمكين والمساواة. ومن جهة أخرى، عندما تصل المرأة إلى أبواب السلطة الحقيقية، تبدأ العراقيل بالظهور. فجأة تصبح خبرتها غير كافية، وشخصيتها "حادة أكثر من اللازم"، وطموحها "مبالغاً فيه"، وحضورها القيادي "غير مناسب". وكأن المشكلة ليست في الكفاءة، بل في كون صاحبة هذه الكفاءة امرأة.
هذه المؤسسات لا تخشى ضعف المرأة، بل تخشى قوتها. تخشى أن تمتلك صوتاً مستقلاً، وأن تشارك في اتخاذ القرار، وأن تفرض وجودها باعتبارها شريكاً لا تابعاً. لذلك تلجأ أحياناً إلى أساليب أكثر خطورة من التمييز المباشر؛ فهي تمنح المرأة حضوراً شكلياً، لكنها تحرمها من التأثير الحقيقي. تسمح لها بالجلوس على الطاولة، لكنها لا تسمح لها بالمشاركة في تحديد الاتجاه. تمنحها لقباً، لكنها تحجب عنها السلطة التي تجعل لهذا اللقب معنى.
وفي المقابل، توجد مؤسسات أخرى أدركت أن التقدم لا يمكن أن يتحقق بإقصاء نصف المجتمع. مؤسسات فهمت أن المرأة ليست مشروعاً خيرياً يحتاج إلى الشفقة، ولا حالة خاصة تحتاج إلى معاملة استثنائية، بل إنسان كامل الحقوق والقدرات. في هذه المؤسسات لا يُنظر إلى المرأة من خلال جنسها، بل من خلال كفاءتها وإنجازاتها وخبرتها. هناك لا تضطر المرأة إلى خوض معركة يومية لإثبات أهليتها، لأن أهليتها تُقاس بالمعايير نفسها التي يُقاس بها الجميع.
الفرق بين المؤسستين لا يظهر في الكلمات، بل في النتائج. ففي المؤسسة الذكورية تُستهلك طاقات النساء في الدفاع عن حقهن في الوجود. أما في المؤسسة العادلة فتُستثمر هذه الطاقات في الإبداع والإنجاز والتطوير. في الأولى تُهدر الكفاءات بسبب الأحكام المسبقة، وفي الثانية تتحول الكفاءات إلى قوة تدفع المؤسسة إلى الأمام.
المؤسسة التي لا تمنح المرأة مكانتها الحقيقية تخسر أكثر مما تتصور. فهي لا تحرم امرأة واحدة من حقها فقط، بل تحرم نفسها من أفكار جديدة، ورؤى مختلفة، وقدرات قيادية قد تكون قادرة على إحداث تغيير حقيقي. إنها تضعف نفسها عندما تجعل السلطة حكراً على فئة واحدة، وتبني جدراناً تمنع وصول الكفاءات إلى مواقع التأثير.
أما المؤسسة التي تؤمن بالمرأة، فإنها لا تمنحها مكانة رمزية، بل تمنحها الثقة والصلاحية والمسؤولية. تدرك أن القيادة ليست صفة مرتبطة بجنس معين، بل قدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية وتحقيق النتائج. ولذلك نجد النساء فيها رئيسات ومديرات وصانعات قرار، لا لأن المؤسسة أرادت تجميل صورتها أمام المجتمع، بل لأنها آمنت بأن الكفاءة هي المعيار الوحيد الذي يجب أن يحكم توزيع الفرص.
إن أخطر ما تواجهه المرأة في المجتمعات الذكورية ليس الرفض الصريح فقط، بل الثقافة التي تحاول إقناعها بأن سقف أحلامها يجب أن يبقى منخفضاً. ثقافة تجعلها تشعر بالذنب عندما تطمح، وبالخوف عندما تنجح، وبالقلق عندما تطالب بحقوقها. ثقافة تربط السلطة بالرجل، والتبعية بالمرأة، حتى يصبح الظلم أمراً عادياً ومقبولاً.
لكن التاريخ أثبت مراراً أن النساء اللواتي مُنحن الفرصة العادلة استطعن تغيير مجتمعات كاملة. أثبتن أن القيادة ليست حكراً على أحد، وأن الإبداع لا يعرف جنساً، وأن المجتمعات التي تحترم نساءها هي المجتمعات الأكثر قدرة على التقدم والاستقرار والازدهار.
إن الفرق الحقيقي بين مؤسسة وأخرى لا يُقاس بعدد النساء العاملات فيها، بل بمقدار السلطة التي تمتلكها النساء داخلها. فوجود المرأة دون صلاحيات ليس تمكيناً، والاستماع إلى صوتها دون الأخذ برأيها ليس مشاركة، ومنحها الألقاب دون النفوذ ليس عدالة. العدالة تبدأ عندما تمتلك المرأة الحق الكامل في التأثير وصناعة القرار وتحديد المصير.
لهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كم امرأة تعمل في المؤسسة؟ بل: كم امرأة تمتلك سلطة حقيقية داخلها؟ كم امرأة تشارك في رسم السياسات؟ كم امرأة يُنظر إليها كشريك كامل لا كاستثناء؟ لأن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف بوضوح إن كانت المؤسسة تؤمن بالمساواة فعلاً، أم أنها تكتفي باستخدامها كشعار جميل يخفي وراءه واقعاً مختلفاً.
فالمرأة لا تحتاج إلى كلمات مديح، ولا إلى احتفالات موسمية، ولا إلى شعارات تُرفع في المناسبات. ما تحتاجه هو الاعتراف بحقها الكامل في المكانة والسلطة والتقدير. وعندما تحصل على ذلك، لا تكسب المرأة وحدها، بل يكسب المجتمع بأكمله. أما المؤسسات التي تصر على إبقائها في الصفوف الخلفية، فإنها لا تؤخر النساء فقط، بل تؤخر نفسها وتؤخر مستقبلها.
وفي النهاية، تبقى مكانة المرأة المرآة الأكثر صدقاً لقياس عدالة أي مؤسسة. فحيث تُحترم المرأة وتُمنح حقها في القيادة والتأثير، يولد التقدم الحقيقي. وحيث تُهمّش وتُقصى ويُنتقص من قدراتها، تبقى كل شعارات المساواة مجرد كلمات جميلة لا تملك القدرة على تغيير الواقع.