ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
ولاية الفقيه بين المرجعية التقليدية والعقيدة المهدوية: قراءة في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي(4)
ومن جانب آخر فقد كان لمفهوم ولاية الفقيه مؤيدون، لاسيما منظري وزعماء وكوادر الاحزاب الاسلامية الشيعية، فضلاً عن الحركات والمنظمات الولائية الي ترتبط نفسه بالولي الفقيه مثل: حزب الدعوة الاسلامية، حزب الله اللبناني، حزب الله العراقي، حركة النجباء وغيرها.
فأما أبرز المؤيدين لولاية الفقيه العامة أو المطلقة فهم:
1- آية الله العظمى علي الخامنئي(توفي سنة2026م): مرشد الثورة الايرانية بعد اخراج آية الله العظمى حسين علي منتظري منها، رغم أن خامنئي لم يكن قد بلغ درجة الاجتهاد (آية الله) عند وفاة الخميني عام 1989، بل كان في رتبة (حجة الاسلام والمسلمين).
2- آية الله محمد باقر الصدر (أُعدم سنة 1980م): مفكر اسلامي كبيرأبدى تأييداً لفكرة الدولة الإسلامية وقدم تنظيراً قريباً من الولاية العامة، رغم اختلافه في بعض التفاصيل. مع نظرية السيد الخميني.
3- آية الله محمد محمد صادق الصدر -الصدر الثاني- (توفي سنة1999م)، أيد نظرية "ولاية الفقيه" العامة، معتبراً إياها الصيغة الشرعية الصحيحة لإدارة المجتمع الإسلامي. كما أقرّ بمرجعية الإمام الخميني وأشاد بمشروعه الإسلامي، مبدياً في الوقت ذاته حرصه على استقلالية الحوزة العلمية في النجف الأشرف. ويتلخص موقفه في النقاط التالية: ولاية الفقيه: آمن بالولاية العامة للفقيه الجامع للشرائط، ويرى أن الفقهاء ليسوا مجرد قضاة بل هم حكام شرعيون على الأمة، وأن الولاية تمتد لتشمل الشؤون السياسية والاجتماعية لإدارة الدولة الإسلامية وقيادة الأمة.مرجعية الإمام الخميني: اعترف بمرجعية الإمام الخميني، ودرّس أبحاثه الفقهية (مثل الجزء الثامن من كتاب البيع)، وكان يرى أن قيادة الجمهورية الإسلامية في إيران تمثل خطوة مهمة في المشروع الإسلامي.التنظير الفكري: ألّف وبحث في تفاصيل هذه النظرية في عدة مؤلفات له، مثل: مبحث ولاية الفقيه، كتاب "ما وراء الفقه"، وبحوث في صلاة الجمعة، لتأصيل دور المرجع القائد.السياسة والحوزة: رغم تأييده للمشروع الخميني وموقفه المتقدم في التدخل بالعمل السياسي ورفض انعزال رجل الدين، إلا أنه سعى لترسيخ دور "المرجعية الناطقة" المستقلة وقاعدتها في النجف الأشرف، لتمثيل الأمة وقيادتها داخلياً في ظل ظروف العراق آنذاك.
4- آية الله العظمى كاظم الحائري: من أبرز المؤيدين المعاصرين لولاية الفقيه الإيرانية، ومن أبرز طلبة محمد باقر الصدر يُعد آية الله العظمى السيد كاظم الحائري من أبرز المؤيدين لنظرية "الولاية العامة للفقيه". وهو يرى أن الفقيه الجامع للشرائط يمتلك ولاية تشريعية وتنفيذية في إدارة شؤون الأمة الإسلامية، وله صلاحيات واسعة في تسيير الدولة الإسلامية بما يحفظ مصالح العباد والبلاد في عصر الغيبة. ومن أبرز معالم موقفه ونظريتهمن الولاية العامة، فهو يعتقد بضرورة إقامة "الحكومة الإسلامية"، ويثبت للفقيه الولي صلاحيات حاكمة تتجاوز مجرد الفتوى والقضاء لتشمل قيادة المجتمع وإدارة شؤون الأمة، وهو ما يُعرف بالولاية المطلقة المستندة إلى الأدلة الشرعية. وبشأن الفرق بين الإمام والولي الفقيه، يرى الحائري أن ولاية المعصوم مطلقة وتستمر لما بعد وفاته، بينما ولاية الفقيه مقيدة بحياته وكفاءته العلمية. كما يشترط في الولي "العدالة"، وفي حال انحرافه أو زلله تسقط عنه الولاية فوراً. أما بخصوص حدود الولاية، فهو يعتبر أن للفقيه ولاية في ملء "منطقة الفراغ" (أي الأمور التي لم يرد فيها نص شرعي مباشر وتترك لتقدير الحاكم الإسلامي)، وله التدخل في إدارة شؤون المجتمع بما يخدم المصالح العامة ويسد النواقص. وقد طرح السيد الحائري تفاصيل هذه العقيدة وأسسها بشكل معمق في كتابه "أساس الحكومة الإسلامية"، والذي يُعد مرجعاً فقهياً مهماً في تبرير وتأصيل ولاية الفقيه عند الشيعة الإثني عشرية.
وبشان موقفه من مقتدى الصدر تحول من الغطاء الفقهي والسياسي إلى القطيعة والانتقاد العلني. حيث تجلت ذروة هذا الموقف في شهرآب/ أغسطس عام 2022م عندما أعلن الحائري اعتزاله المرجعية، بسبب المرض والتقدم في العمر، وأوصى مقلديه باتباع المرشد الإيراني علي خامنئي . وكان مقتدى الصدر وتياره يقلدون الحائري فقهياً ويعتبرونه مرجعهم، وهو امتداد لنهج مرجعية الشهيد محمد صادق الصدر (والد مقتدى الصدر) الذي أوصى بالرجوع إليه. وقد تضمن بيان اية الله الحائي انتقاداً مباشراً لمقتدى الصدر، حيث اعتبر الحائري أن حب الشهيدين الصدرين لا يكفي، وأنه "لا يكفي مجرد الادعاء أو الانتساب". كما هاجم من يتصدى للقيادة باسمهما وهو "فاقد للاجتهاد وباقي الشرائط". أدى هذا البيان والموقف إلى رد فعل عنيف من السيد مقتدى الصدر الذي أعلن اعتزاله النهائي للعمل السياسي وإغلاق كافة المؤسسات التابعة للتيار، وصرّح بأن قيادته ورثها عن والده ولا فضل للحائري أو غيره فيها.
5- آية الله ناصر مكارم الشيرازي: من مؤيدي الولاية العامة ضمن الإطار الإيراني. ويؤمن بـ "ولاية الفقيه العامة المطلقة"، ويرى أنها تمثل امتداداً لصلاحيات النبي والأئمة (عليهم السلام) في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، معتبراً أن تشكيل الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة وإدارة البلاد على أساس الأحكام الشرعية هو أمر ضروري لحفظ النظام والدين. ويقوم موقفه التفصيلي من هذه النظرية على الركائز الأساسية الآتية: فمن شروط الولي الفقيه، المتصدي للقيادة يجب أن تتوفر فيه شروط دقيقة مثل الكفاءة، الإدارة، الدراية بالزمان، التقوى، والعدالة ليتمكن من إدارة المجتمع الإسلامي بنجاح. أما حدود الولاية، فيرى في أطروحاته الفقهية أن صلاحيات الفقيه تتجاوز مجرد إدارة "الأمور الحسبية"(كالأوقاف وشؤون القاصرين ورعاية الفقراء وغيرها) لتشمل الولاية العامة على شؤون الحكم، التشريع ضمن الأطر الإسلامية، ورعاية المصالح العليا للأمة. أما دور الأمة، فعلى الرغم من إيمانه بالولاية المستمدة من الشرع، إلا أنه يرى أن الجانب التنفيذي والمقبولية الشعبية ركن مهم، حيث ساهم بنفسه بشكل مباشر في صياغة أول دستور للجمهورية الإسلامية في إيران لدعم المؤسسات الشرعية والسياسية. ويعد سماحته من أبرز الفقهاء الداعمين لأسس النظام السياسي في إيران، ويمكن الاطلاع على تفاصيل أدلته واستدلالاته الفقهية المعمقة من خلال كتابه "ولاية الفقيه وحدودها". وكان آية الله مكارم الشيرازي ناشطًا في عهد الشاه محمد رضا البهلوي، ولذلك سُجن مرات عديدة . بل ونُفي ثلاث مرات إلى تشابهار ومهاباد وأنارك.
6- الشيخ حسن نصر الله (توفي سنة2025م) ، زعيم حزب الله اللبناني. يعتبر الشيخ حسن نصر الله نظرية "ولاية الفقيه" الركيزة الأساسية العقائدية والسياسية التي تحكم عمل "حزب الله". ويؤمن بأن طاعة الولي الفقيه (المرشد الأعلى في إيران) واجبة، وأن قراراته تعلو فوق أي اعتبار سياسي محلي، معتبراً أن الالتزام بها هو الضمانة لاستمرار الحزب ونجاحه. وتتلخص مواقفه ورؤيته لولاية الفقيه في النقاط التالية:
أ- المرجعية المطلقة: يرى نصر الله أن الولي الفقيه هو القائد الشرعي والسياسي للأمة الإسلامية، وأن قراراته تتجاوز الحدود الجغرافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ب- طاعة الفقيه: كان يؤكد دائماً أن قرارات الولي الفقيه ملزمة وتعتبر واجباً شرعياً.
ت- العلاقة العضوية بإيران: يعتقد أن ارتباط حزبه بإيران وولاية الفقيه هو ارتباط عضوي وجوهري، حيث كان يشدد على أن الحزب جزء من المشروع الإسلامي العام الذي يقوده الولي الفقيه.
ث- التمهيد للظهور: ينظر إلى ولاية الفقيه كجزء من المشروع العقائدي الأكبر الرامي إلى التمهيد لظهور الإمام المهدي المنتظر.
وعلى أية حال فقد أحدثت نظرية ولاية الفقيه تحولًا كبيرًا في الفكر السياسي الشيعي المعاصر، لكنها بقيت محل خلاف عميق داخل الحوزات العلمية الشيعية نفسها. فقد عارضها عدد من كبار المراجع التقليديين في العراق وإيران ولبنان، سواء من الناحية الفقهية أو السياسية، معتبرين أنها تمثل اجتهادًا غير ملزم وليست من ثوابت المذهب الشيعي، فضلاً عن عدد من كبار العلماء الشيعة المرتبطين بالمرجعيات أو المستقلين، كمحمد جواد مغنية اللبناني، ولا يزال هذا الجدل قائمًا حتى اليوم بين من يرى في ولاية الفقيه ضمانة لحماية الإسلام والدولة، ومن يعتبرها خروجًا عن التراث الشيعي التقليدي القائم على استقلال المرجعية عن الحكم السياسي.
لم يعد الخلاف حول نظرية ولاية الفقيه مجرّد جدل فقهي داخلي بين علماء الشيعة، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق ولبنان ومنطقة الخليج العربي. فالصراع بين المدرسة التقليدية التي تمثلها مرجعية النجف، والمدرسة الثورية التي كرّستها قم بعد الثورة الإيرانية سنة 1979م، تجاوز حدود الحوزات العلمية ليصبح جزءاً من الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بما يحمله من أبعاد عقائدية وسياسية وجيوسياسية معقدة.
لقد استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية توظيف نظرية ولاية الفقيه ضمن مشروع سياسي عابر للحدود، يقوم على الجمع بين العقيدة المهدوية وفكرة "التمهيد للظهور"، وبين بناء شبكات النفوذ الإقليمي عبر الحركات والتنظيمات المسلحة والسياسية المرتبطة بها. ومن هنا لم يعد مفهوم "المرجعية" مفهوماً دينياً صرفاً، بل تحول إلى أداة نفوذ سياسي واستراتيجي، خصوصاً بعد أن أصبحت طهران تنظر إلى نفسها بوصفها مركزاً للعالم الشيعي وقائدة لما يسمى بمحور المقاومة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي المقابل، حافظت مرجعية النجف، وخاصة في عهد المرجع الأعلى علي السيستاني، على رؤية أكثر تحفظاً تجاه تسييس المرجعية وتحويلها إلى سلطة حاكمة مباشرة، وهو ما ظهر بوضوح في الموقف من إدارة الدولة العراقية بعد سنة 2003م، حيث دعت النجف إلى قيام نظام سياسي يقوم على الانتخابات والدستور والتوازن المجتمعي، مع بقاء المرجعية في موقع الإرشاد العام لا الحكم المباشر. وقد خلق هذا التباين نوعاً من الازدواجية داخل البيئة الشيعية نفسها بين مشروع "الدولة العقائدية" المرتبطة بولاية الفقيه، ومشروع "المرجعية التقليدية" التي تسعى إلى المحافظة على استقلال الحوزة عن السلطة السياسية المباشرة.
أما في لبنان، فقد بدا هذا الانقسام أكثر تعقيداً، إذ ارتبط جزء من الطائفة الشيعية بالمشروع الإيراني عبر حزب الله بقيادة السيد حسن نصرالله الذي تبنى ولاية الفقيه عقائدياً وسياسياً، في حين بقيت شخصيات دينية وفكرية شيعية أخرى تميل إلى استقلال القرار اللبناني عن المرجعية السياسية الإيرانية، كما ظهر في مواقف عدد من العلماء والمثقفين الشيعة الذين تحفظوا على ربط الطائفة الشيعية اللبنانية بالمشروع الإقليمي الإيراني بصورة كاملة.
وفي منطقة الخليج، أسهم هذا الانقسام في زيادة حساسية العلاقة بين الأنظمة السياسية الخليجية والجماعات الشيعية المحلية، بسبب الخشية من توظيف البعد العقائدي والمهدوي في الصراعات السياسية الإقليمية. فالدول الخليجية تنظر إلى مشروع ولاية الفقيه باعتباره مشروعاً سياسياً توسعياً يتجاوز الحدود الوطنية، بينما ترى إيران أن نفوذها الإقليمي جزء من "حماية المستضعفين" ومواجهة "الاستكبار العالمي"، وهو خطاب يمنح الصراع بعداً دينياً يتداخل فيه السياسي بالعقائدي.
ومن هنا، فإن مستقبل الصراع في المنطقة لا يرتبط فقط بالتوازنات العسكرية أو السياسية، بل أيضاً بطبيعة التطور الداخلي للفكر الشيعي نفسه، وحدود العلاقة بين المرجعية والدولة، وبين العقيدة المهدوية والعمل السياسي. فكلما توسعت ولاية الفقيه في بعدها السياسي والعسكري، ازداد التوتر مع المرجعيات التقليدية التي تخشى ذوبان الحوزة العلمية داخل مشروع الدولة الثورية، كما يزداد القلق الإقليمي من تحوّل الصراعات السياسية إلى صراعات ذات غطاء ديني ومذهبي.
وبذلك يمكن القول إن الانقسام بين قم والنجف، وبين ولاية الفقيه والمدرسة التقليدية، لم يعد خلافاً فقهياً محدوداً، بل أصبح أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، وانعكاساته المستمرة على العراق ولبنان والخليج، في منطقة ما تزال تعيش على وقع التداخل العميق بين الدين والسياسة والجغرافيا الاستراتيجية.