معضلة الأمن الإقليمي بین تفكيك الهدنة المؤقتة والمصالح الجيواقتصادية لكوردستان

معضلة الأمن الإقليمي بین تفكيك الهدنة المؤقتة والمصالح الجيواقتصادية لكوردستان
معضلة الأمن الإقليمي بین تفكيك الهدنة المؤقتة والمصالح الجيواقتصادية لكوردستان

تشير القراءات الميدانية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط إلى أن الإقليم لم يتجاوز بعد مربع الخطر؛ إذ يتضح من خلال التفكيك البنيوي للمشهد أن ما يشهده العالم ليس سوى حالة "تعليق استراتيجي" تعكس عمق فجوة عصية على الردم بسهولة، مما يجعل احتمالات عودة التصعيد قائمة بقوة، لاسيما في ظل التناقض المرصود في مواقف البيت الأبيض حيال إنهاء الصراع الذي اندلع عقب ضربات الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

وما يعزز هذه الرؤية هو انتقال المواجهة مؤخراً إلى مرحلة ميدانية بالغة الحساسية، تمثلت في استهداف الجيش الأمريكي لناقلة نفط ومحطة اتصال في جزيرة قشم، ومسارعة طهران للرد بضرب منشآت حيوية في دول الجوار كمطار الكويت ومواقع في البحرين؛ وهو ما يقود إلى استنتاج موضوعي بأن النظام الإقليمي القديم قد انهار بالفعل دون تشكّل توازن جديد، مما يحوّل الاتفاقات المؤقتة المطروحة من مشاريع سلام دائم إلى مجرد أدوات تكتيكية لإدارة المخاطر ومنع اضطراب أسواق الطاقة.

وللتفكيك الأعمق لهذا المشهد المعقد، يمكن إخضاع سلوك القوى المتصارعة لعدستي "الواقعية البنيوية" والمقاربة "الجيواقتصادية"؛ حيث يُفسر منظور الواقعية الهجومية التحركات الأمريكية كآلية لحماية الهيمنة وتأمين الخطوط البحرية، وهو ما تبلور في شروط وزير الخارجية ماركو روبيو أمام الكونغرس، والتي رهنت تخفيف العقوبات بإعادة فتح مضيق هرمز فوراً وقبول طهران بقيود نووية صارمة. وفي المقابل، يظهر بوضوح أن إيران تدرك أن أوراق قوتها تكمن في الجغرافيا السياسية، وتحديداً في هذا المضيق الذي يمر عبره نحو عشرين بالمئة من تجارة النفط العالمية، مما يجعل أي اضطراب أمني وسيلة ردع تقليدية لرفع تكاليف التأمين، في حين تذهب القراءة التحليلية إلى أن الأجواء الإعلامية المتفائلة التي تروجها واشنطن قد لا تكون سوى مناورة ذكية لخفض أسعار النفط لتأمين الجبهة الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب داخلياً قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وفي خضم هذا الاستقطاب، تتقاطع ارتدادات المواجهة الجيوسياسية مباشرة مع إقليم كوردستان، الذي يجد نفسه بحكم الجغرافيا في قلب عاصفة الارتدادات، حيث تتبلور المخاوف حول الإقليم في أبعاد أمنية وجيواقتصادية، تجعله ساحة محتملة لتوجيه رسائل الضغط المتبادلة عبر ضربات صاروخية أو بالمسيرات، فضلاً عن المخاطر التي قد تهدد بنيته التحتية لقطاع الطاقة ومساعيه لتعزيز موقعه كمورد حيوي للأسواق الدولية، وتعميق الاستقطاب بين قواه السياسية الرئيسية. وأمام هذه المعادلة، تفرض الضرورة الاستراتيجية على إقليم كوردستان تبني سياسة "الحياد الإيجابي" والنأي بالنفس عن المحاور عبر طمأنة طهران أمنياً مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، بالتوازي مع تعزيز التنسيق البنيوي مع الحكومة الاتحادية في بغداد لمنح الإقليم غطاءً سيادياً وطنياً، وترتيب البيت الكوردستاني الداخلي لقطع الطريق أمام توظيف الانقسامات، وصولاً إلى توسيع شبكة شراكاته الجيواقتصادية مع دول الخليج العربي، التي ترتبط بعلاقات وطيدة ومصالح اقتصادية واستثمارية متنامية مع أربيل، لرفع كلفة أي استهداف لاستقرار الإقليم.

وأمام هذه الدوامة الواقعية، تبرز حاجة ملحة للتحول نحو نموذج "الحوكمة الأمنية الشبكية الإقليمية"، وهي مقاربة تنطلق من فرضية تراجع النظام الليبرالي لصالح منظومة تقوم على استخدام القوة والاعتماد المتبادل معاً. ومن خلال تتبع المقومات الراهنة، يستقر الاستنتاج على أن فرص نجاح المفاوضات الثنائية تظل محدودة بسبب غياب الثقة، لا سيما مع المعطيات التي تشير إلى انخراط أكبر للمرشد الأعلى السيد مجتبى خامنئي في القرار وتفويض القادة الميدانيين. 

ومن هنا، فإن كسر الجمود يتطلب تغليب الجيواقتصاد عبر تقديم إيران وبقية أطراف الإقليم –بما فيها الكيانات الاقتصادية الصاعدة كإقليم كوردستان– لأنفسهم كلاعبين ضامنين داخل الاقتصاد العالمي يربطون أمنهم بسلاسل الإمداد الدولية، وهو تحول شبكي يحتاج بالضرورة إلى دخول أطراف إقليمية وازنة كالقوى الخليجية الكبرى كوسطاء وضامنين، بحكم امتلاكهم المصلحة المشتركة الأكبر في استقرار ممرات التجارة، وحماية إمدادات الطاقة، وتأمين تدفقات الاستثمار المشترك في كيانات المنطقة الحيوية مثل كوردستان.

تأسيساً على ذلك، ينفتح مستقبل المنطقة على مسارات متعددة؛ تأتي في مقدمتها فرضية الاستمرار في "التعليق الاستراتيجي" عبر اتفاق تقني مؤقت لتهدئة الأسواق دون حل الخلافات الجوهرية. وفي المقابل، يظل خطر الانزلاق نحو حرب استنزاف إقليمية مفتوحة قائماً إذا أصرت واشنطن على إلغاء التخصيب كشرط مسبق دون تنازلات في ملف العقوبات. أما السيناريو الأكثر استدامة، فيكمن في صياغة مشروع للأمن الجماعي الإقليمي يبدأ باتفاق "عدم اعتداء" ثنائي، وينتهي بمظلة أمنية برعاية إقليمية ودولية تشارك فيها العواصم الخليجية الفاعلة إلى جانب الأطراف الكبرى، مما يرفع كلفة الحرب على الجميع ويدمج مصالح كافة الأطراف الإقليمية في منظومة متداخلة تحقق الاستقرار المستدام لأمن الطاقة والاقتصاد. وختاماً، يخلص التحليل إلى أن السلام المؤقت الراهن ليس نهاية للمواجهة بل هدنة تكتيكية، وستظل المنطقة تقف على حافة الهاوية طالما ظلت الحلول تقتصر على إدارة الأزمات جيوسياسياً بدلاً من حلها جيواقتصادياً.