ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الجزء الخامس.. عودة المسيح والمهدي المنتظر: انعكاسات عقائد الخلاص على الصراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني المعاصر
تتجلى فكرة "المسيح المنتظر" أو "عودة المسيح" في أنها تحتل مكانة محورية في الفكرين اليهودي والمسيحي أيضًا. ففي اليهودية يوجد الاعتقاد بقدوم “الماشيح”، وهو الملك الموعود من نسل النبي داود (عليه السلام) الذي سيجمع اليهود من الشتات ويعيد بناء الهيكل الثالث ويؤسس عصر الخلاص الإلهي. وقد ارتبط هذا التصور دينيًا بفكرة “أرض الميعاد” وعودة اليهود إلى فلسطين. ورغم أن الصهيونية الحديثة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر في شهر آب/اغسطس عام1897م بوصفها حركة قومية علمانية، فإن التيارات الدينية اليهودية رأت في قيام إسرائيل في15 أيار/ مايس سنة 1948م خطوة تمهيدية لتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بالمسيح المنتظر؛ ولذلك اكتسبت القدس والمستوطنات والهيكل أبعادًا دينية عميقة تتجاوز السياسة التقليدية.
وفي الجانب الآخر ففي الولايات المتحدة الامريكية، قد برزت لدى التيارات البروتستانتية الإنجيلية عقيدة “الصهيونية المسيحية”، وهي رؤية دينية تعتبر أن عودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة إسرائيل تمثل تحقيقًا لنبوءات الكتاب المقدس، وأن هذه الأحداث تمهد لعودة المسيح ونهاية العالم. ويؤمن كثير من الإنجيليين بأن دعم إسرائيل واجب ديني قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، وأن الحروب في الشرق الأوسط ترتبط بسيناريوهات “آخر الزمان”. وقد أدى هذا الاعتقاد إلى تأثير واضح على السياسة الأمريكية، خاصة داخل التيار المحافظ والحزب الجمهوري، حيث أصبح الدعم المطلق لإسرائيل جزءًا من الثقافة السياسية لدى قطاعات واسعة من الإنجيليين.
تعود الجذور الفكرية للعلاقة الخاصة بين البروتستانتية الإنجيلية وفكرة “أرض الميعاد” إلى التحولات الدينية الكبرى التي شهدتها أوروبا مع حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر. ففي تلك المرحلة، بدأ عدد من المصلحين البروتستانت بإعادة قراءة العهد القديم والتاريخ اليهودي بوصفهما جزءًا أساسيًا من الفهم المسيحي للتاريخ والخلاص، وهو ما ساهم لاحقًا في تكوين النظرة البروتستانتية الخاصة تجاه اليهود وفلسطين.
كان اللاهوتي الالماني "مارتن لوثر Martin Luther" ( 1483- 1546م)، من أوائل الشخصيات المؤسسة للإصلاح البروتستانتي في ألمانيا. وقد اتخذ لوثر في بداياته موقفًا أكثر انفتاحًا تجاه اليهود، إذ اعتقد أن تحرير المسيحية من سلطة الكنيسة الكاثوليكية سيؤدي إلى اعتناق اليهود للمسيحية. لكنه في سنواته الأخيرة تحول إلى موقف عدائي حاد تجاههم بعدما خاب أمله في تحولهم الديني. ورغم ذلك، فإن تأثير لوثر الأكبر لم يكن في مواقفه الشخصية من اليهود بقدر ما كان في إعادة الاعتبار للعهد القديم داخل العقيدة البروتستانتية، وترسيخ فكرة أن التاريخ التوراتي يشكل جزءًا حيًا من الفهم المسيحي للعالم والتاريخ
جاء بعده اللاهوتي السويسري" هولدريخ زوينكلي Huldrych Zwingli"(1484 -1531م) الذي كان من أوائل قادة الإصلاح البروتستانتي الذين دعوا إلى العودة المباشرة إلى النصوص التوراتية، ورفض هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على تفسير الدين. وقد ساهمت أفكاره في تعزيز مركزية العهد القديم داخل الفكر البروتستانتي، الأمر الذي أعاد إحياء الاهتمام بقصة بني إسرائيل وأرض الميعاد باعتبارها نماذج دينية يمكن إسقاطها على الواقع المسيحي الأوروبي.
ثم جاء بعدهما المصلح الفرنسي "جون كالفن John Calvin" (1509 - 1564م)، ليعمّق هذا الاتجاه بصورة أكثر منهجية. فقد ركّز كالفن على مفهوم “العهد الإلهي” وفكرة الشعب المختار، واعتبر أن العناية الإلهية تحكم مسار التاريخ البشري وفق خطة ربانية. ورغم أن كالفن لم يدعُ صراحة إلى مشروع سياسي يهودي، فإن تفسيراته التوراتية ساعدت لاحقًا في نشوء تيارات بروتستانتية رأت في اليهود شعبًا ذا مكانة خاصة ضمن الخطة الإلهية، وهو ما أصبح أحد الأسس الفكرية للصهيونية المسيحية لاحقًا.
ومع تصاعد الاضطرابات الدينية في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، بدأت جماعات بروتستانتية متشددة، خاصة “البيوريتانيين” (التطهيريين)، بمغادرة بريطانيا وهولندا متجهة إلى أمريكا الشمالية. وقد رأى هؤلاء المهاجرون أنفسهم يعيشون تجربة شبيهة بخروج بني إسرائيل من مصر، فشبّهوا أوروبا بأرض العبودية، والمحيط الأطلسي بالبحر الأحمر، وأمريكا بأرض الميعاد الجديدة التي سيقيمون فيها “المجتمع الإلهي”. وهكذا أصبحت الرمزية التوراتية جزءًا أساسيًا من الوعي السياسي والديني الأمريكي المبكر.
وكان البيوريتانيون يعتقدون أنهم “شعب الله المختار الجديد”، وأن عبورهم البحر(=المحيط الاطلسي) إلى “العالم الجديد” يمثل إعادة تمثيل رمزية لقصة الخروج التوراتية. فكما عبر اليهود البحر الأحمر هربًا من فرعون متجهين نحو أرض كنعان(= فلسطين)، رأى هؤلاء المهاجرون أنفسهم يعبرون المحيط الأطلسي هربًا من “فساد أوروبا الديني” نحو أرض جديدة سيقيمون فيها مجتمعًا مقدسًا يقوم على التعاليم الإنجيلية؛ ولهذا امتلأت خطاباتهم السياسية والدينية بالمفردات التوراتية، إذ شبّهوا إنكلترا بـ“مصر”، والمحيط الأطلسي بـ“البحر الأحمر”، وأمريكا بـ"أرض الميعاد".
ومع مرور الزمن، تطورت هذه الرؤية إلى ما عُرف لاحقًا بـ“الاستثنائية الأمريكية”، أي الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أمة ذات رسالة إلهية خاصة. وفي القرن التاسع عشر ثم العشرين، انتقلت هذه الخلفية الدينية إلى دعم المشروع الصهيوني اليهودي، حيث رأى كثير من البروتستانت الإنجيليين أن عودة اليهود إلى فلسطين تمثل تحقيقًا للنبوءات التوراتية وتمهيدًا لعودة المسيح ونهاية الأزمنة.
في القرنين السابع عشر والثامن عشر ظهرت لدى بعض المفكرين البروتستانت الإنكليز دعوات لإعادة اليهود إلى أرض فلسطين قبل ظهور الحركة الصهيونية الحديثة بوقت طويل. ومع القرن التاسع عشر أصبحت هذه الفكرة أكثر وضوحاً لدى شخصيات دينية وسياسية بريطانية رأت أن إقامة وجود يهودي في فلسطين ينسجم مع النبوءات الدينية ويخدم المصالح البريطانية في الشرق.
ومن أبرز المنظرين لهذا الاتجاه اللاهوتي الايرلندي "جون نلسون داربي"(1800 -1882م) الذي طور ما يعرف بالعقيدة التدبيرية (Dispensationalism) . وقد اعتبر أن لليهود دوراً خاصاً في الخطة الإلهية وأن عودتهم إلى فلسطين ستسبق أحداث النهاية وعودة المسيح. وانتشرت أفكاره بقوة في الولايات المتحدة وأثرت لاحقاً في قطاعات واسعة من الإنجيليين الأمريكيين.
"أسهمت عقيدة التدبيرية (Dispensationalism) التي نشرها جون نلسون داربي في القرن التاسع عشر في ترسيخ الاعتقاد بأن عودة اليهود إلى فلسطين تمثل مرحلة أساسية في الخطة الإلهية ونبوءات آخر الزمان".
ويرى عدد من المؤرخين أن هذا التيار الديني وفر أرضية فكرية وثقافية مهمة لتقبل المشروع الصهيوني في الأوساط البريطانية والأمريكية. فقبل أن يطرح تيودور هرتزل مشروعه السياسي في أواخر القرن التاسع عشر(1897م) في بازل بسويسرا، كان بعض الساسة ورجال الدين البروتستانت يتحدثون بالفعل عن إعادة اليهود إلى فلسطين باعتبارها ضرورة دينية واستراتيجية.
ومن هنا نشأ ما يسميه بعض الباحثين «التحالف بين الصهيونية البروتستانتية والصهيونية اليهودية». فالدافع عند الصهيونيين اليهود كان في الأساس قومياً وسياسياً، بينما كان الدافع عند كثير من البروتستانت الإنجيليين لاهوتياً وأخروياً. ومع ذلك التقت المصالح بين الطرفين في دعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وفي إطار دراسات الاستعمار الحديث، يذهب بعض المؤرخين إلى أن المشروع الصهيوني استفاد من تلاقي ثلاثة عناصر رئيسية:
1- الموروث الديني البروتستانتي الاستردادي.
2- المصالح الإمبراطورية البريطانية في شرق المتوسط.
3- تطور الحركة الصهيونية اليهودية المنظمة في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر.
لذلك فإن الحديث عن «الصهيونية البروتستانتية القائمة على مفاهيم ما قبل الألفية» يشير إلى تيار ديني سابق للصهيونية السياسية، اعتبر أن عودة اليهود إلى فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل خطوة ضرورية ضمن تصور لاهوتي لنهاية التاريخ وعودة المسيح. وقد كان لهذا التيار تأثير ملموس في تشكيل المناخ الفكري الذي مهد لاحقاً لدعم المشروع الصهيوني في بريطانيا والولايات المتحدة.
وتبنّى عدد من البروتستانت الإنجيليين عقيدة ما قبل الألفية (البريميلينيالية) التي ترى أن عودة المسيح ستسبق قيام الملك الألفي المذكور في سفر الرؤيا.
والنص الذي يستند إليه أصحاب عقيدة «ما قبل الألفية» بشأن الملك الألفي يرد أساساً في سفر الرؤيا، وفي ترجمة عربية متداولة جاء ما معناه:[ ورأيت ملاكاً نازلاً من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده. فقبض على التنين، الحية القديمة، الذي هو إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة، وطرحه في الهاوية وأغلق عليه وختم عليه لكي لا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف سنة. وبعد ذلك لا بد أن يُحل زماناً يسيراً. ورأيت عروشاً فجلسوا عليها وأُعطوا حكماً، ورأيت نفوس الذين قُتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله... فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة. هذه هي القيامة الأولى... بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة]. (سفر الرؤيا 20: 1–6).
ومن هذه الفقرة جاءت تسمية «الملك الألفي» أو «المملكة الألفية« (Millennial Kingdom)، إذ وردت عبارة «ألف سنة» عدة مرات في الإصحاح نفسه.
ويختلف تفسير هذا النص بين الطوائف المسيحية:
1- أصحاب ما قبل الألفية (Premillennialists) يرون أن المسيح سيعود أولاً ثم يحكم حكماً فعلياً لمدة ألف سنة.
2- أصحاب ما بعد الألفية (Postmillennialists) يرون أن الألفية تمثل عصراً روحياً مزدهراً يسبق عودة المسيح.
3- الأميلينيون (Amillennialists) يفسرون الألف سنة تفسيراً رمزياً لا حرفياً.
أما جون نلسون داربي وأتباع المدرسة التدبيرية فقد أخذوا هذا النص بمعناه الحرفي تقريباً، وربطوا بين عودة اليهود إلى فلسطين وأحداث نهاية الزمان التي تسبق الملك الألفي المذكور في الإصحاح العشرين من سفر الرؤيا.
وتجدر الاشارة اليه أن"جون نلسون داربي" كان رجل دين ولاهوتياً إيرلندياً يُعد من أكثر الشخصيات تأثيراً في الفكر الإنجيلي البروتستانتي الحديث، وهو المؤسس الرئيس لما يُعرف بـ"التدبيرية" (Dispensationalism)، وهي مدرسة لاهوتية تركت أثراً عميقاً في الصهيونية المسيحية والإنجيلية المعاصرة.
ومن هنا تشكل التحالف العقائدي والسياسي بين الصهيونية اليهودية والتيارات الإنجيلية الأمريكية، وهو تحالف ما يزال يؤثر بقوة في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والشرق الأوسط حتى اليوم، خاصة في ظل صعود اليمين الديني في إسرائيل وتزايد النفوذ الإنجيلي المحافظ داخل الولايات المتحدة.
وتتعدد الطوائف الإنجيلية البروتستانتية داخل الولايات المتحدة، إلا أنها تشترك عمومًا في الإيمان بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس، والتركيز على “الخلاص الشخصي”، وعودة المسيح، والدعم القوي لإسرائيل باعتبارها جزءًا من النبوءات التوراتية. وتُعد هذه الجماعات من أكثر القوى الدينية تأثيرًا في السياسة الأمريكية، خاصة داخل التيار المحافظ والحزب الجمهوري.
ومن أبرز هذه الطوائف:
1-الكنيسة المعمدانية الجنوبية
(Southern Baptist Convention – SBC)
وهي أكبر طائفة بروتستانتية إنجيلية في الولايات المتحدة، ويبلغ عدد أتباعها نحو 12 إلى 13 مليون عضو وفق الإحصاءات الحديثة، مع انتشار واسع خاصة في ولايات الجنوب الأمريكي. وتُعرف بمواقفها المحافظة ودعم قطاعات واسعة منها لإسرائيل.
2-جمعيات مجالس الله الاميركية
Assemblies of God USA
وهي من أكبر الكنائس الخمسينية الإنجيلية في أمريكا، ويبلغ عدد أتباعها قرابة 3 ملايين شخص. وتتميز بالتركيز على التجربة الروحية المباشرة، و”المواهب الروحية”، والإيمان القوي بقرب نهاية الأزمنة وعودة المسيح.
3-الكنائس غير الطائفية الإنجيلية
(Nondenominational Evangelical Churches)
وهي من أسرع التيارات نموًا داخل الولايات المتحدة، ولا تخضع لهيكل كنسي موحد، لكنها تشترك في الفكر الإنجيلي المحافظ. وتشير دراسات مركز بيو للأبحاث إلى أن الإنجيليين البروتستانت يشكلون نحو 23% من البالغين الأمريكيين، وتشكل الكنائس غير الطائفية جزءًا مهمًا من هذه النسبة.
4-الكنيسة اللوثرية المحافظة – مجمع ميسوري
Lutheran Church–Missouri Synod
وهي امتداد لتراث Martin Luther الإصلاحي، وتضم ما يقارب 1.8 إلى 2 مليون عضو داخل الولايات المتحدة. وتمثل الجناح المحافظ داخل اللوثرية الأمريكية مقارنة بالكنائس اللوثرية الليبرالية.
5-الكنائس الخمسينية
(Church of God in Christ – COGIC)
تأسست رسمياً عام 1907م على يد الأسقف تشارلز هاريسون ماسون في الولايات المتحدة. وهي من أكبر الكنائس الخمسينية في امريكا ذات الجذور الإفريقية الأمريكية، وتضم ملايين الأعضاء ولها فروع في أكثر من 100 دولة حول العالم وفق تقديرات مختلفة، مع تركيز قوي على الروحانية والتجربة الدينية المباشرة.
6-كنيسة الله (كليفلاند، تينيسي)
Church of God (Cleveland, Tennessee)
من أكبر الكنائس الخمسينية في الولايات المتحدة، ويتبنى قطاع واسع من أتباعها المواقف التقليدية المؤيدة لإسرائيل داخل البيئة الإنجيلية الأمريكية. تأسست هذه الكنيسة سنة 1886م في منطقة جبال الأبلاش بالولايات المتحدة، ويقع مركزها الرئيسي في مدينة كليفلاند بولاية Tennessee.
7-الكنائس الخمسينية والكاريزمية
(Pentecostal & Charismatic Churches)
تمثل أحد أسرع التيارات المسيحية نمواً في الولايات المتحدة، ويظهر فيها دعم قوي لإسرائيل، خاصة داخل الأوساط المرتبطة بالتبشير التلفزيوني واللاهوت الأخروي. كما تشارك بقوة في النشاطات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة وخارجها.
8-التحالف المسيحي والإرسالي
Christian and Missionary Alliance
تأسس التحالف المسيحي والإرسالي سنة 1887م على يد القس الإنجيلي الكندي الأصل المعروف اختصاراً باسم أ. ب. سمبسون (A. B. Simpson). وهي من الكنائس الإنجيلية التاريخية التي تأثرت بالفكر التدبيري ونبوءات آخر الزمان، وإن كان حضورها السياسي أقل من المعمدانيين الجنوبيين.
وقد لعبت هذه الطوائف، خاصة المعمدانيين الجنوبيين والخمسينيين والإنجيليين المحافظين، دورًا محوريًا في ترسيخ ما يُعرف بـ"الصهيونية المسيحية"، أي الاعتقاد بأن دعم إسرائيل واجب ديني مرتبط بتحقيق النبوءات التوراتية وعودة المسيح. ولذلك أصبحت هذه الجماعات قاعدة انتخابية مؤثرة جدًا في السياسة الأمريكية، وتمارس ضغوطًا مستمرة على الإدارات الأمريكية لتبني مواقف داعمة لإسرائيل ومتشددة تجاه إيران والقضية الفلسطينية.
وقد لعب هذا التصور دورًا عميقًا في تشكيل الهوية الدينية والسياسية الأمريكية المبكرة، حيث ترسخت فكرة أن للأمة الأمريكية رسالة إلهية خاصة، وأنها جزء من خطة تاريخية مقدسة. ومع مرور الزمن تطورت هذه الرؤية إلى ما عُرف لاحقًا بفكرة “الاستثنائية الأمريكية”، أي الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أمة مختارة ذات دور روحي وحضاري عالمي.
هذا الإرث الديني التوراتي ساهم لاحقًا في نشوء التعاطف العميق بين البروتستانت الإنجيليين والحركة الصهيونية اليهودية. فالكثير من الإنجيليين الأمريكيين رأوا في عودة اليهود إلى فلسطين تكرارًا للنموذج التوراتي نفسه الذي ألهم أسلافهم الأوائل عند هجرتهم إلى أمريكا. ومن هنا ظهرت فكرة أن قيام إسرائيل وتحقيق السيطرة اليهودية على “أرض الميعاد” يمثل جزءًا من خطة إلهية مرتبطة بنهاية الأزمنة وعودة المسيح.
وبذلك، فإن العلاقة الوثيقة بين التيارات الإنجيلية الأمريكية وإسرائيل ليست مجرد تحالف سياسي حديث، بل تمتد جذورها إلى قرون من التفسير الديني للتاريخ، حيث اختلطت الهجرة البروتستانتية إلى “العالم الجديد” بالرمزية التوراتية لفكرة الخروج والوعد الإلهي والأرض المقدسة.
ومن هنا يمكن فهم أن الصراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني ليس مجرد تنافس جيوسياسي تقليدي، بل هو صراع تتداخل فيه العقائد الدينية مع المصالح الاستراتيجية. فإيران ترى نفسها حاملة لمشروع التمهيد للمهدي المنتظر ومواجهة “الاستكبار العالمي”، بينما تنظر قطاعات دينية في إسرائيل إلى الصراع باعتباره جزءًا من معركة تاريخية مرتبطة بالخلاص الإلهي، أي بعبارة أخرى معركة (هرمجدون) في حين يجد بعض الإنجيليين الأمريكيين في دعم إسرائيل تنفيذًا لنبوءات عودة المسيح المنتظر. وهكذا تتحول الجغرافيا السياسية إلى مسرح تتقاطع فيه النبوءات الدينية مع الحسابات العسكرية والاستراتيجية.
إن خطورة هذا النوع من الصراعات تكمن في أن الأطراف لا تتعامل معه بوصفه نزاعًا قابلًا للتسوية السياسية فقط، بل بوصفه قضية ذات بعد مقدس يرتبط بإرادة إلهية وتصورات عن نهاية التاريخ. وعندما يكتسب الصراع هذا الطابع العقائدي يصبح أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للحلول الوسط، لأن كل طرف يرى نفسه ممثلًا لمعسكر الحق والخلاص. ولذلك فإن فهم الواقع السياسي في الشرق الأوسط اليوم يتطلب دراسة عميقة للبنية الدينية والفكرية التي تشكل وعي القوى المتصارعة، إذ لم تعد النبوءات والأساطير الدينية مجرد تراث عقائدي، بل أصبحت جزءًا حيًا من ص منذ نشأة الحركة الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، ظل البعد الديني حاضرًا بقوة في تشكيل الوعي السياسي اليهودي، حتى وإن حاول بعض مؤسسي الصهيونية الأوائل تقديم مشروعهم باعتباره مشروعًا قوميًا علمانيًا يهدف إلى إنشاء وطن قومي لليهود. ففكرة “المسيح المنتظر” أو “المشيح” بقيت كامنة في خلفية الوعي الجمعي اليهودي، بوصفها وعدًا دينيًا بالخلاص القومي وعودة اليهود إلى “أرض الميعاد” وإقامة السيادة اليهودية الكاملة عليها. ومع مرور الوقت، وخاصة بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948 ثم احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية عام 1967م، بدأت هذه العقيدة الدينية تتحول تدريجيًا من إطارها الروحي التقليدي إلى مشروع سياسي واستيطاني ذي أبعاد عقائدية واضحة، خصوصًا لدى التيارات القومية الدينية واليمينية المتطرفة داخل إسرائيل.