ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
المشيح والمهدي المنتظر: انعكاسات عقائد الخلاص على الصراع الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني المعاصر(6)
في العقيدة اليهودية التقليدية، يُنظر إلى المشيح(= المسيح المنتظر) باعتباره ملكًا من نسل النبي داود( عليه السلام) سيأتي في آخر الزمان ليعيد مجد إسرائيل، ويجمع اليهود من الشتات، ويقيم عصرًا من السيادة والسلام الإلهي. فعند قولك المَشِيح (Mashich)، فإنك تنطقها تماماً كما ينطقها المتحدث بالعبرية.أما كتابة الماشيح (Mashiach) بالألف، فهي متأثرة بالرسم الإملائي الإنكليزي (Mashiach)، وتؤدي في العربية إلى مد الألف (مااا شِيح)، وهو نطق خاطئ يغير وزن الكلمة الصرفي. واللغتان العربية والعبرية من أرومة واحدة (لغات سامية)، والكلمة العبرية (مَشِيح) هي الشقيقة اللغوية المباشرة للكلمة العربية (مَسِيح)، وكلاهما على وزن "فَعِيل"، وكما لا يجوز في العربية أن نقول "الماسِيح"، فكذلك لا يصح في العبرية مد الميم. والمشيح يعني حرفياً "الممسوح" (أي الشخص الذي مُسِح رأسه بالزيت المقدس كعلامة على اختياره للملك أو النبوة)، وينقسم هذا المفهوم في التراث اليهودي إلى لقبين رئيسيين لشخصيتين يظهران في آخر الزمان: المشيح بن داود، وهو الملك المنتظر والمنقذ النهائي الذي يجمع الشتات. والمشيح بن يوسف، وهو قائد عسكري يسبق المشيح بن داود ويمهد له الطريق.
وترتبط فكرة المشيح ارتباطًا وثيقًا بالقدس وبناء الهيكل واستعادة السيطرة الكاملة على الأرض التي يعتبرها اليهود "أرض إسرائيل التاريخية". وعلى الرغم من أن قطاعات من اليهود الأرثوذكس عارضت في البداية إقامة دولة يهودية قبل مجيء المسيح، فإن تيار “الصهيونية الدينية” عمل على إعادة تفسير النصوص الدينية بطريقة تجعل قيام إسرائيل نفسه خطوة تمهيدية للخلاص اليهودي. وبذلك تحولت الدولة الحديثة إلى مشروع يحمل أبعادًا دينية تتجاوز حدود القومية التقليدية.
وشكّل احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس بعد حرب 1967م نقطة تحول مركزية في هذا المسار، إذ اعتبر اليمين الديني أن استعادة الضفة الغربية أو ما يُسمى توراتيًا “يهودا والسامرة” ليست مجرد مكسب عسكري أو استراتيجي، بل تحقيق فعلي لوعد إلهي قديم. ومن هنا بدأت حركة الاستيطان الديني تتوسع بشكل كبير، وظهرت جماعات ترى أن بناء المستوطنات في الضفة الغربية واجب ديني يمهد لظهور المسيح المنتظر. ولم يعد الاستيطان بالنسبة لهذه الجماعات مجرد سياسة أمنية، بل أصبح جزءًا من عقيدة الخلاص اليهودي. لذلك تُصر هذه التيارات على استخدام تسمية “يهودا والسامرة” بدل “الضفة الغربية”، في محاولة لترسيخ رواية دينية تعتبر المنطقة قلب الهوية اليهودية التاريخية.
في المقابل، نشأت داخل الولايات المتحدة علاقة فكرية وسياسية عميقة بين الصهيونية اليهودية والتيارات الإنجيلية البروتستانتية، خاصة الأصولية الإنجيلية التي تؤمن بتفسيرات حرفية لنبوءات الكتاب المقدس. ويرى كثير من الإنجيليين الأمريكيين أن عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة إسرائيل عام 1948م تمثل تحقيقًا مباشرًا لنبوءات توراتية تمهد لعودة المسيح. كما يعتبرون أن السيطرة الإسرائيلية على القدس والضفة الغربية جزء أساسي من “خطة إلهية” مرتبطة بأحداث نهاية الأزمنة. ولهذا السبب ظهر ما يُعرف بـ“الصهيونية المسيحية”، وهي حركة دينية وسياسية أمريكية تدافع بقوة عن إسرائيل وتعتبر دعمها واجبًا دينيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
هذا التحالف العقائدي بين اليمين الإسرائيلي والتيارات الإنجيلية الأمريكية أصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، خصوصًا داخل الحزب الجمهوري. وقد تعزز هذا الاتجاه بشكل واضح خلال فترة حكم دونالد ترامب Donald Trump، حيث لعبت الجماعات الإنجيلية دورًا مهمًا في دعم قرارات اعتبرتها إسرائيل انتصارات تاريخية، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، إضافة إلى تبني خطاب متساهل تجاه الاستيطان في الضفة الغربية. بالنسبة للإنجيليين المحافظين، فإن هذه الخطوات لا تُفهم فقط باعتبارها قرارات سياسية، بل باعتبارها جزءًا من تحقيق النبوءات الدينية المتعلقة بعودة المسيح ونهاية التاريخ.
في الداخل الإسرائيلي، ساهم هذا المناخ في صعود اليمين القومي الديني المتطرف، خاصة في حكومات بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu المتعاقبة. فقد أصبحت الأحزاب الدينية والقومية المتشددة تمتلك نفوذًا واسعًا داخل الدولة الإسرائيلية، وبرز وزراء ينتمون إلى تيارات تعتبر الضفة الغربية جزءًا مقدسًا من “أرض إسرائيل الكبرى”. ومن أبرز هؤلاء: بتسلئيل سموتريتش Bezalel Smotrich الذي يدعو علنًا إلى ضم الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها، ويرفض بشكل قاطع فكرة الدولة الفلسطينية، وكذلك إيتامار بن غفير Itamar Ben Gvir المعروف بخطابه القومي المتشدد ودعمه توسيع الاستيطان وفرض مزيد من السيطرة الأمنية على الفلسطينيين.
تتعامل هذه التيارات مع الضفة الغربية بوصفها مركز المشروع الديني اليهودي، ولذلك تعمل على تكثيف الاستيطان، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتغيير الطابع الديموغرافي والثقافي للمنطقة، في إطار عملية تهويد واسعة تهدف إلى تثبيت الوجود اليهودي الدائم. كما تُستخدم الروايات الدينية والتوراتية لتبرير السياسات الإسرائيلية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، بحيث يتحول الصراع من نزاع سياسي قابل للتفاوض إلى صراع ديني وهوياتي ذي طابع مقدس.
ويعود تصاعد تطرف بعض وزراء حكومة نتنياهو إلى مجموعة من العوامل الأيديولوجية والدينية والسياسية المتشابكة. فعدد من قادة اليمين الديني والقومي في إسرائيل لا ينظرون إلى الصراع مع الفلسطينيين باعتباره نزاعًا سياسيًا قابلًا للتسوية، بل باعتباره صراعًا وجوديًا ودينيًا يتعلق بحق تاريخي وإلهي في “أرض إسرائيل”. ولذلك فإن شخصيات مثل : سموريتش وبن غفير تنطلق من عقيدة تعتبر الضفة الغربية "يهودا والسامرة" جزءًا مقدسًا لا يجوز التنازل عنه، وترى أن الاستيطان والسيطرة الكاملة على الأرض واجب ديني وتاريخي؛ [لذلك تُعدّ العلاقة بين النصوص اليهودية التقليدية والصراعات السياسية المعاصرة من الموضوعات التي أثارت اهتمام الباحثين في الدراسات الدينية والسياسية، ولا سيما بعد تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران منذ أواخر القرن العشرين. ويلاحظ أن بعض المفكرين والحاخامات اليهود المعاصرين عادوا إلى نصوص قديمة وردت في التلمود والمدراش والأدب الأخروي اليهودي بحثاً عن إشارات يمكن ربطها بالأحداث الراهنة، إلا أن هذا الربط يبقى في إطار التأويل الديني الحديث أكثر منه تعبيراً عن المعنى الأصلي للنصوص.
ومن أبرز المفاهيم التي تتكرر في الأدب الحاخامي مفهوم الصراع بين "فارس" و"أدوم". وكانت (فارس) في السياق التاريخي القديم تشير إلى الإمبراطورية الفارسية التي تعاقبت عليها الدول الأخمينية والفرثية والساسانية، بينما استُخدم اسم (أدوم) [منطقة واقعة جنوب الاردن] في كثير من الكتابات الحاخامية رمزاً للإمبراطورية الرومانية، ثم توسع استعماله لاحقاً ليشمل العالم المسيحي الغربي بصورة عامة. وقد وردت في التلمود البابلي مناقشات تتناول مستقبل الصراع بين هاتين القوتين، وهي نصوص ارتبطت بظروف سياسية عاشها يهود العراق وفلسطين خلال القرون الأولى للميلاد حين كانوا بين نفوذ الفرس والروم.
وفي الأدب المدراشي اللاحق تظهر صورة أكثر وضوحاً للصراع المرتبط بفارس في إطار أحداث آخر الزمان. ومن أشهر النصوص ما ورد في "يلكوت شمعوني" على سفر إشعياء، حيث يذكر أن ملك فارس سيقف في مواجهة ملوك الأمم، وأن العالم سيدخل حالة من الاضطراب والخوف قبل ظهور الخلاص الإلهي. وقد اكتسب هذا النص شهرة واسعة بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م، إذ رأى بعض الحاخامات الإسرائيليين أن إيران الحديثة تمثل «فارس» المذكورة في النبوءة، وأن الصراعات التي تخوضها مع إسرائيل والغرب تدخل ضمن سلسلة الأحداث التي سبقت الإشارة إليها في الأدب الأخروي اليهودي.
غير أن غالبية الباحثين الأكاديميين يؤكدون أن هذه النصوص كُتبت في سياقات تاريخية مختلفة تماماً، وأن مؤلفيها كانوا يتحدثون عن القوى السياسية المعروفة في عصرهم لا عن دول حديثة ظهرت بعد أكثر من ألف عام. ولذلك فإن الربط بين إيران المعاصرة وفارس التلمودية يمثل قراءة تفسيرية حديثة لا حقيقة تاريخية يمكن إثباتها من النص نفسه.
وفي العقود الأخيرة برزت في إسرائيل أصوات دينية قومية رأت في الدعم الأمريكي المتواصل لإسرائيل عاملاً ذا دلالة دينية، وربطت بينه وبين تصورات توراتية عن حماية الشعب اليهودي وعودته إلى أرض الميعاد. إلا أن هذا التوجه لا يستند إلى نص تلمودي يذكر الولايات المتحدة أو يدعو إلى تحالف معها، بل يعتمد على تأويلات سياسية ولاهوتية حديثة للنصوص التوراتية المتعلقة بالأمم التي تساند إسرائيل أو تعارضها. ومن هنا فإن الحديث عن وجود نصوص تلمودية تدعو صراحة إلى تحالف إسرائيلي أمريكي ضد إيران لا يجد سنداً مباشراً في المصادر اليهودية الكلاسيكية.
كما ينبغي الإشارة إلى أن الموقف اليهودي من إيران لم يكن سلبياً على الدوام. فالتراث اليهودي يحتفظ بصورة إيجابية نسبياً عن الملك الاخميني الفارسي كورش الكبير Cyrus the Great (559 -630ق.م) الذي سمح لليهود بالعودة من السبي البابلي، وقد ورد ذكره بإجلال في أسفار الكتاب المقدس العبري. ولذلك فإن صورة فارس في الأدب اليهودي ليست صورة واحدة ثابتة، بل تتراوح بين الإشادة التاريخية والدور الأخروي المرتبط بصراعات نهاية الزمان.
ويلاحظ الباحثون أن توظيف هذه النصوص ازداد كلما تصاعدت الأزمات الإقليمية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني أو المواجهات غير المباشرة بين إيران وإسرائيل. ففي أوقات التوتر يلجأ بعض رجال الدين والسياسيين إلى استحضار النصوص القديمة لإضفاء معنى ديني على الأحداث الجارية، بينما يرى آخرون أن تلك النصوص ينبغي أن تُفهم في إطارها التاريخي الأصلي بعيداً عن الإسقاطات السياسية الحديثة.
وقد تناول عدد من الباحثين هذه المسألة بالدراسة، ومن أبرزهم Jacob Neusner نيوسنر جاكوب(1932–2016م) الذي ركز على السياقات التاريخية للتلمود، وهو أحد أبرز الباحثين الأمريكيين في الدراسات اليهودية والتلمودية في القرن العشرين، ويُعد من أكثر الأكاديميين إنتاجاً في هذا المجال. وُلد في مدينة هارتفورد بولاية كونيتيكت الأمريكية، ودرس في جامعة هارفارد Harvard University ثم حصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا Columbia University سنة 1960م.
كرّس حياته لدراسة الأدب الحاخامي اليهودي، ولا سيما المشناة والتلمود والمدراش، ونشر مئات الكتب والأبحاث التي تناولت تاريخ اليهودية وتطور الفكر الديني اليهودي بعد تدمير الهيكل الثاني سنة 70م. ويُنسب إليه فضل كبير في تقديم التراث التلمودي إلى القراء والباحثين الناطقين بالإنجليزية من خلال ترجماته وشروحه الواسعة للمصادر الحاخامية. ومن أهم ما يميز منهجه العلمي أنه كان ينظر إلى التلمود بوصفه وثيقة تاريخية وثقافية تعكس ظروف المجتمع الذي كُتب فيه، وليس مجرد نص ديني منفصل عن سياقه الزمني. ولذلك كان يؤكد أن فهم النصوص التلمودية يتطلب دراسة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاش فيها الحاخامات الذين ألّفوها. ومن هذا المنطلق عارض كثيراً من المحاولات التي تسقط أحداث العصر الحديث مباشرة على النصوص القديمة دون مراعاة ظروف نشأتها التاريخية. ألّف أكثر من 900 كتاب ودراسة بين تأليف وتحرير وترجمة، ومن أشهر أعماله:
1- تاريخ اليهود في بلاد بابل" A History of the Jews in Babyloniaوهوعمل أكاديمي موسوعي ألّفه Jacob Neusner نيوسنر جاكوب ونُشر في خمسة مجلدات بين عامي 1965 و1970م، ويُعد من أهم الدراسات الحديثة عن تاريخ اليهود في بلاد بابل (العراق الحالي) خلال العهدين الفرثي والساساني، أي في الفترة الممتدة تقريباً من القرن الثاني الميلادي إلى القرن السابع الميلادي. يكمن أهمية هذا العمل في أنه يدرس البيئة التاريخية التي نشأت فيها الأكاديميات اليهودية الكبرى في العراق، مثل مدرستي سورا أكاديميا Sura Academy [وهي مدرسة دينية يهودية تاريخية شهيرة تأسست عام 225م في مدينة "سورا" بجنوب العراق القديم قرب (بابل)، وظلت مركزاً علمياً وثقافياً رئيسياً حتى عام 1033م، وبومبيدتياPumbedita Academy، كانت إحدى أشهر الأكاديميات اليهودية في العراق الساساني، وتقع في مدينة تُعرف تاريخياً باسم بومبيديتا، ويُرجح أن موقعها كان قريباً من مدينة الفلوجة الحالية أو في محيطها. وقد شكّلت مع Sura Academy مركزين رئيسيين لدراسة الشريعة اليهودية وصياغة التلمود البابلي؛ وهما المؤسستان اللتان لعبتا الدور الأبرز في تدوين وصياغة التلمود البابلي. ويرى نيُوسنر أن فهم التلمود البابلي لا يمكن أن يتم بصورة صحيحة من دون دراسة المجتمع اليهودي في العراق وعلاقته بالسلطات الفارسية الساسانية والبيئة الاجتماعية المحيطة به.
اعتمد المؤلف على مصادر يهودية وسريانية وفارسية وعربية، وحاول إعادة بناء الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لليهود في بابل. كما درس مؤسسة (رأس الجالوت) التي كانت تمثل القيادة السياسية لليهود في العراق، والعلاقة المعقدة بين الحاخامات والسلطة الساسانية.
ومن القضايا التي تناولها الكتاب بالتفصيل صورة الإمبراطورية الفارسية في الفكر الحاخامي. ويبين نيُوسنر أن كثيراً من النصوص التلمودية المتعلقة بفارس والروم نشأت في سياق الصراع السياسي والعسكري بين الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، وأن الحاخامات كانوا يتفاعلون مع أحداث عصرهم أكثر مما كانوا يكتبون نبوءات عن المستقبل البعيد. ولهذا السبب يستشهد الباحثون بهذا العمل عند مناقشة النصوص التي يُعاد تفسيرها اليوم على أنها تتحدث عن إيران الحديثة أو عن صراعات الشرق الأوسط المعاصرة.
ويتألف العمل من خمسة أجزاء رئيسة تناولت:
-التاريخ السياسي لليهود في بابل.
-مؤسسة رأس الجالوت.
-تطور المدارس الحاخامية.
-البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع اليهودي.
-تشكل اليهودية البابلية التي أصبحت لاحقاً المرجعية الأساسية لليهودية الحاخامية.
ورغم مرور عقود على صدوره، ما زال هذا الكتاب يُعد مرجعاً أساسياً للباحثين في تاريخ يهود العراق والتلمود البابلي، وإن كانت بعض استنتاجاته قد خضعت للمراجعة والنقد من قبل باحثين أحدث، فإن قيمته العلمية لا تزال كبيرة لأنه كان من أوائل الدراسات الشاملة التي ربطت النصوص التلمودية بسياقها التاريخي والاجتماعي الفعلي.
2- "اليهودية كما تكشفها المشناة" The Mishnah: A New Translation Judaism
وكان نيُوسنر من أوائل الباحثين الذين تعاملوا مع اليهودية الحاخامية باعتبارها نظاماً فكرياً متكاملاً له منطقه الداخلي وتطوره التاريخي، لا مجرد مجموعة من الأحكام الدينية المتفرقة. ولهذا السبب تُعد مؤلفاته مراجع أساسية في الجامعات الغربية لدراسة التلمود والفكر الحاخامي.
وفي موضوع النبوءات اليهودية المتعلقة بفارس أو بأحداث آخر الزمان، لم يكن نيُوسنر من أنصار القراءة السياسية المعاصرة للنصوص، بل كان يميل إلى تفسيرها في إطار الظروف التاريخية التي كُتبت فيها، ويرى أن كثيراً من هذه النصوص تعكس صراعات اليهود مع الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في العصور القديمة أكثر مما تتنبأ بأحداث سياسية حديثة. ولذلك يُستشهد به كثيراً في الدراسات الأكاديمية التي تميز بين المعنى الأصلي للنصوص التلمودية وبين التأويلات السياسية المعاصرة لها.
3- "المشناة: ترجمة جديدة" The Mishnah: A New Translation
وكلمة Mishnah (المشناة) هي أقدم مدونة للتشريع الشفهي في اليهودية الحاخامية، جُمعت ونُقحت في أواخر القرن الثاني الميلادي على يد الحاخام يهوذا هَنّاسي Judah ha-Nasi، وتُعد الأساس الذي بُني عليه التلمود لاحقاً، أما الكتاب نفسه فهو ترجمة إنكليزية كاملة للمشناة أنجزها Jacob Neusner، وقد نُشرت سنة 1988م. وتميزت هذه الترجمة بمحاولة تقديم النص بأسلوب أكاديمي حديث مع المحافظة على بنيته الأصلية، ولذلك أصبحت من الترجمات المرجعية المعتمدة في الجامعات ومراكز الدراسات اليهودية.