مبادرة الرئيس مسعود البارزاني.. آخر المحاربين الحكماء في الساحة الكوردستانية

مبادرة الرئيس مسعود البارزاني.. آخر المحاربين الحكماء في الساحة الكوردستانية
مبادرة الرئيس مسعود البارزاني.. آخر المحاربين الحكماء في الساحة الكوردستانية

في اللحظات المفصلية من تأريخ الشعوب، لا يكون الخطر الحقيقي في قوة الخصوم فحسب، بل في تآكل الجبهة الداخلية، وضياع البوصلة، وتحول الخلافات السياسية إلى تهديد وجودي يمس حاضر الأمة ومستقبلها. ومن هنا تأتي أهمية المبادرة التي أطلقها الرئيس ( مسعود البارزاني ) ، بوصفها ليست مجرد دعوة سياسية عابرة، بل محاولة أخيرة لإنقاذ البيت الكوردستاني من الانقسام والتآكل والتشتت.

لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تفقد وحدتها الداخلية، مهما امتلكت من التضحيات والتأريخ والشرعية، تصبح عرضة للاختراق والإضعاف والتوظيف الخارجي. والكورد، الذين دفعوا أثماناً باهظة عبر قرن كامل من النضال والثورات والمآسي، لا يملكون اليوم ترف الدخول في صراعات عبثية أو خصومات حزبية مفتوحة تهدد ما تحقق من مكاسب سياسية ودستورية وقومية من أول أنتخابات برلمانية في ١٩٩٢ ، رغم وجود العثرات والكبوات !

إن مبادرة ( الرئيس البارزاني )  تأتي من موقع الرجل الذي خبر الحروب والتفاوض والانتصارات والانكسارات، وعرف طبيعة المنطقة وتعقيداتها، وتعامل مع القوى الدولية والإقليمية لعقود طويلة. ولذلك فإن قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في مضمونها، بل أيضاً في هوية مطلقها؛ فالرجل يمثل بالنسبة لكثيرين آخر جيل القادة التاريخيين الذين جمعوا بين شرعية النضال، والخبرة السياسية، والقدرة على قراءة الأخطار قبل وقوعها.

المشهد الكوردستاني اليوم يقف أمام مفترق طرق خطير، إما الذهاب نحو التهدئة، وترميم العلاقات الداخلية، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، وتغليب المصلحة القومية العليا على الحسابات الحزبية الضيقة…
وإما الانزلاق نحو حالة من الانقسام والفوضى السياسية قد تفتح أبواب المجهول على مصراعيها.

إن الخلاف السياسي أمر طبيعي في كل الأنظمة الديمقراطية، لكن تحويل الخلاف إلى صراع كسر إرادات، أو إلى خطاب تخوين وتحريض وتصفية حسابات، هو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي تجربة سياسية ناشئة ومحاطة بالأزمات والخصوم. فالأمم لا تنهار دائماً بالحروب العسكرية، بل كثيراً ما تنهار بالتآكل الداخلي وفقدان الحكمة والعقلانية.

ولعل ما يميز هذه المرحلة هو أن التحديات لم تعد داخلية فقط؛ فهناك تحولات إقليمية كبرى، وصراعات نفوذ، وضغوط اقتصادية، وأزمات دستورية مع بغداد، ومحاولات مستمرة لإضعاف القرار الكوردستاني وتقليص هوامش قوته السياسية والدستورية. وفي ظل هذه التعقيدات، يصبح الانقسام الداخلي هدية مجانية لكل من لا يريد للاستقرار الكوردستاني أن يستمر.

ولا يمكن فصل ما يجري داخل إقليم كوردستان عن حجم الأخطار والمؤامرات الإقليمية التي تستهدف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إضعاف الكيان الدستوري للإقليم، وتحويل أزماته السياسية الداخلية إلى نقاط اختراق تهدد استقراره ومكانته ضمن المعادلة العراقية والإقليمية. فكلما ضعفت الجبهة الداخلية، ازدادت شهية القوى المتربصة للتدخل والتأثير وفرض الوقائع السياسية والأمنية على حساب حقوق شعب كوردستان ومكتسباته الدستورية.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ما يزال برلمان كوردستان معطلاً عن أداء دوره الطبيعي الكامل، ولم تُستكمل حتى الآن عملية تشكيل الحكومة الجديدة للإقليم، الأمر الذي خلق فراغاً سياسياً ومؤسساتياً خطيراً، انعكس سلباً على قدرة الإقليم في إدارة ملفاته الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها العلاقة مع العاصمة الاتحادية بغداد.

إن استمرار هذا الجمود لا يهدد فقط الأداء الإداري والسياسي، بل يضعف أيضاً الموقف التفاوضي الكوردستاني تجاه الملفات الدستورية وغير الدستورية العالقة والمُرحّلة منذ سنوات، سواء ما يتعلق بالموازنة، والرواتب، والنفط والغاز، والمناطق المتنازع عليها، والصلاحيات الدستورية، أو غيرها من القضايا المصيرية التي تحتاج إلى موقف كوردستاني موحد ومؤسسات دستورية فاعلة وقادرة على اتخاذ القرار.

كما أن التأخير في تشكيل الحكومة الجديدة وتعطيل البرلمان يمنحان الأطراف الساعية لإضعاف الإقليم فرصة أكبر لاستثمار الانقسامات الداخلية، في وقت تمر فيه المنطقة بأسرها بتحولات كبرى وصراعات نفوذ معقدة، لا ترحم الكيانات الضعيفة أو المنقسمة على نفسها.

إن مبادرة(  الرئيس البارزاني )  ليست دعوة للاستسلام لأحد، ولا لإلغاء التعددية السياسية، بل دعوة لإعادة تعريف الأولويات، والتمييز بين التنافس المشروع وبين تهديد الكيان السياسي والاجتماعي للإقليم. وهي أيضاً اختبار حقيقي لنضج القوى السياسية، وقدرتها على الارتقاء فوق الحسابات الآنية، وإدراك أن حماية التجربة الكوردستانية باتت مسؤولية تاريخية لا تحتمل المزيد من التأجيل أو المناورات السياسية.

ومن هنا، فإن مبادرة ( الرئيس البارزاني )  تكتسب بعداً يتجاوز المصالحة السياسية التقليدية، لتصبح مبادرة إنقاذ وطني وقومي، هدفها إعادة تفعيل المؤسسات، واستعادة وحدة القرار الكوردستاني، ومنع انتقال الإقليم من مرحلة الأزمة السياسية إلى مرحلة الخطر الوجودي والتآكل التدريجي للمكتسبات الدستورية التي تحققت بتضحيات جسيمة عبر عقود طويلة.

التأريخ لا يرحم... والشعوب لا تتذكر كثيراً من ربح معركة إعلامية أو سجالاً سياسياً عابراً، لكنها تتذكر دائماً من حافظ على وحدة الصف في اللحظات المصيرية، ومن ساهم في منع الانهيار عندما كانت الأبواب تُغلق أمام الجميع.

إن أمام القوى الكوردستانية اليوم خيارين لا ثالث لهما:
إما التلاقي على مشروع حماية البيت الكوردستاني وترميمه وتقويته، وتفعيل مؤسساته الدستورية، والإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة، والانطلاق بموقف موحد لمعالجة جميع الملفات العالقة مع بغداد وفق الدستور والشراكة الحقيقية…
أو ترك الأزمات تتفاقم حتى يصبح الجميع خاسراً أمام مستقبل مجهول لا يمكن التنبؤ بعواقبه.

وفي زمن الضجيج والانقسامات، قد تكون الحكمة أندر من الشجاعة، لكن الشعوب التي تنجو هي تلك التي تعرف متى تُقدّم الحكمة على الانفعال، والمصلحة القومية العليا على حسابات الحزبية الضيقة .