صلاح بكر
كاتب
سديم الحكم
في قلب بلاد الرافدين، حيث تتلاقى الحضارات وتتعانق الأنهار، تكمن حكاية وطنٍ طالما بحث عن مرسى للاستقرار والعدالة، منذ فجر تأسيس الدولة العراقية الحديثه، تعاقبت أنظمة حكم لم تستطع أن ترسي دعائم الحكم الرشيد، تاركة وراءها إرثاً من الاضطهاد والتهميش. لقد ذاق الكورد مرارة القمع على مر السنين، وشهد الشيعة فصولا من المعاناة في تسعينيات القرن الماضي، لتتراكم الجراح وتتعمق الحاجة إلى نظام يكفل للجميع كرامتهم وحقوقهم.
من رحم هذه المعاناة، بزغ فجر فكرة النظام الاتحادي (الفيدرالي) كطوق نجاة، ووعد بمستقبل أكثر إنصافا، فبعد عام 2003 ومع صياغة الدستور العراقي لعام 2005، تم تثبيت هذا النظام كركيزة أساسية للدولة. نصت المادة (1) بوضوح: “جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي”. ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل جاءت المادة (116) لتفصل مكونات هذا النظام: “يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية”. والأهم من ذلك ، أن الدستور أقر واقعا تاريخيا وجغرافيا ، فجاءت المادة (117) أولاً لتنص على: “يقر هذا الدستور، عند نفاذه، إقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً”. هذه المواد لم تكن مجرد نصوص قانونية ، بل كانت بمثابة عهد جديد لطي صفحات الماضي المؤلم.
لم يكن طريق الفيدرالية مفروشاً بالورود، ففي بدايات طرح الفكرة عارضت بعض المكونات كالسنة هذا النظام بشدة، حتى أنهم قاطعوا التصويت على الدستور في عام 2005. لكن عجلة التاريخ دارت ، ومع تهميشهم وضعف مشاركتهم السياسية، ودخول المجاميع الإرهابية إلى مناطقهم، ثم تحريرها تغيرت المطالب. أصبح السنة يطالبون بقوة بإقليم خاص بهم، أسوة بإقليم كوردستان. ولم تكن البصرة ببعيدة عن هذا الحراك، فقد طالبت مرارا وتكرارا وبشكل رسمي بإقليم خاص بها. لكن هذه المطالبات قوبلت بالرفض، مما يثير تساؤلات حول الجهات التي تعيق ترسيخ دعائم النظام الاتحادي في العراق، وهل هي قوى داخلية أم أيادٍ خارجية لا ترغب في استقرار العراق على هذا النحو؟ وما يزال غياب مجلس الاتحاد الذي نصت عليه المادة (65) من الدستور، نقصاً كبيراً في بنية الحكم الاتحادي، حيث لم يتشكل هذا المجلس الذي يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم.
في خضم هذه التحديات، ومع استمرار البحث عن صيغة حكم تضمن الاستقرار والعدالة، يرى البعض أن النظام الكونفيدرالي قد يكون الخيار الأمثل للعراق. فبعد عقود من الصراعات والمركزية التي أثبتت فشلها، والفيدرالية التي واجهت تحديات جمة في التطبيق، قد توفر الكونفيدرالية حلاً وسطاً يمنح الأقاليم والمحافظات استقلالاً ذاتياً أوسع، مع الحفاظ على وحدة العراق وسيادته في الشؤون الخارجية والدفاع. إنها رؤيةٌ تسعى إلى تجاوز إخفاقات الماضي، وتقديم نموذجٍ يعزز الشراكة الحقيقية ويحترم خصوصية كل مكون، بعيداً عن شبح الهيمنة المركزية أو خطر التفكك.
وبرغم هذه الرؤى المتجددة ، برز دور شخصية قيادية فذة، هو الرئيس مسعود بارزاني. لقد كان له دور محوري في صياغة الدستور العراقي عام 2005، وتثبيت النظام الفيدرالي كضمانة لحقوق المكونات. لم يكن مجرد مشارك، بل كان مهندساً وحارساً لهذا العهد الجديد. يرى الرئيس بارزاني في الفيدرالية الدرع الواقي من عودة المركزية المقيتة التي طالما جلبت الويلات للعراق. لقد قاد إقليم كوردستان في أحلك الظروف ، من مواجهة الإرهاب إلى الضغوط السياسية، محافظاً على الكيان الدستوري الاتحادي. دعواته المتكررة لتفعيل المادة (65) وتشكيل مجلس الاتحاد ليست سوى تأكيد على إيمانه الراسخ بأن اكتمال البناء الاتحادي هو السبيل الوحيد لاستقرار العراق وازدهاره. إنه صوت الحكمة الذي يرى في التنوع قوة، وفي اللامركزية عدالة، وفي الاتحاد ضمانة لمستقبل يرتكز على الشراكة لا الهيمنة.
إن الفيدرالية في العراق ليست مجرد نظام حكم ، بل هي فلسفة حياة، محاولة لنسج خيوط التعايش المشترك بين مكونات عانت طويلاً. إنها رحلة لم تكتمل فصولها بعد، تتطلب إرادة سياسية حقيقية ، وتجاوزا للمصالح الضيقة، وإيمانا بأن قوة العراق تكمن في وحدته وتنوعه، وأن العدالة هي أساس البقاء. فهل سيكتب التاريخ للعراق أن يكمل بناء صرحه الاتحادي، أو يتجه نحو صيغة كونفيدرالية أكثر مرونة، ليصبح نموذجاً للتعايش والازدهار في منطقة مضطربة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة ، لكن الأمل يظل شعلة لا تنطفئ في قلوب أبناء الرافدين.
خلاصة القول: تعد الفيدراليه في العراق محاولة تاريخية لمعالجة إخفاقات الماضي وضمان مستقبل أكثر عدلا واستقرارا. ورغم التحديات والمعارضة، فإن الدستور العراقي قد رسخها كركيزة أساسية، معترفاً بإقليم كوردستان ككيان اتحادي. وفي ظل هذه التحديات، يبرز النقاش حول الكونفيدرالية كخيار قد يوفر استقلالا أوسع للأقاليم مع الحفاظ على وحدة البلاد. يبرز دور الرئيس مسعود بارزاني كشخصية محورية في صياغة هذا النظام وحمايته ، مؤكداً على أهمية تفعيل جميع بنوده، بما في ذلك مجلس الاتحاد، لضمان شراكة حقيقية تنهي عقوداً من التهميش وتؤسس لدولة قوية بتنوعها ووحدتها. إنها دعوة لطي صفحات الماضي وبناء عراقٍ جديدٍ يرتكز على العدالة والمساواة للجميع، سواء ضمن إطار فيدرالي مكتمل أو كونفيدرالي مرن.