مبادرات الرئيس مسعود بارزاني خارطة الطريق لإنقاذ وحدة كوردستان

مبادرات الرئيس مسعود بارزاني خارطة الطريق لإنقاذ وحدة كوردستان
مبادرات الرئيس مسعود بارزاني خارطة الطريق لإنقاذ وحدة كوردستان

أربيل (كوردستان24)- يمر إقليم كوردستان اليوم بمنعطف حرج يمس حياة كل مواطن، فالجمود السياسي المستمر منذ حوالي عشرين شهراً على إجراء الانتخابات البرلمانية، دون التمكن من تشكيل حكومة جديدة، بدأ يضغط بثقله على الشارع الكوردستاني. 

هذا الخلاف العلني بين الحزبين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني) تحول إلى ما يشبه "معضلة السجين" في الفكر السياسي، حيث يؤدي تمسك كل طرف بمكاسبه الذاتية خوفاً من تمدد الآخر إلى خسارة جماعية تعطل القرارات المصيرية. إنها أزمة تترجم اليوم على أرض الواقع كعقبة حقيقية تؤثر على لقمة عيش المواطن، لدرجة أن الخبراء يقدرون الخسائر الاقتصادية الناتجة عن هذا الغياب لحكومة كاملة الصلاحيات بنحو 10% من إجمالي الدخل القومي للإقليم.

إن الخطورة في هذا الوضع لا تقف عند حدود تراجع الاقتصاد أو شلل البرلمان، بل تمتد لتلامس جوهر "النظرية الواقعية" في السياسة، فحين تفقد الدولة أو الإقليم وحدة قراره السيادي، ينشأ "فراغ في القوة" يجذب التدخلات الخارجية تلقائياً. فالقوى الإقليمية والدولية لا تتردد في استغلال التصدعات الداخلية لفرض أجنداتها، مما يضعف موقف الإقليم التفاوضي مع بغداد ويهدد هيبته واستقراره الذي كان دائماً نموذجاً يحتذى به في المنطقة. 

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان فلسفة التاريخ الكوردي ومسيرة القضية الطويلة وصراعاتها التاريخية منذ عشرات السنين، والتي تثبت دائماً حقيقة أزلية، أن قوة الكورد تكمن في وحدة صفهم، وأن التفرق لم يجلب سوى التعقيد وضياع الفرص.

وفي وسط هذه الأجواء المشحونة التي تهدد بتقسيم الموقف الداخلي، يبرز دور الرئيس مسعود بارزاني ليجسد مفهوم "القيادة الكاريزمية والتاريخية" التي تحدث عنها عالم الاجتماع ماكس فيبر، وهي القيادة التي تستمد شرعيتها من الرصيد النضالي والثقة الشعبية العابرة للأزمات الحزبية. فالرئيس بارزاني لا يتحرك هنا كطرف في النزاع، بل كمرجعية وطنية وقومية عليا تحظى باحترام الجميع، مدركاً بقراءته الفلسفية للتاريخ أن الكيانات السياسية لا تحميها الشعارات بل التماسك الداخلي.

ومن واقع هذه المسؤولية التاريخية، قاد الرئيس بارزاني سلسلة من المبادرات الشجاعة لكسر هذا الانسداد، متبنياً روح "الديمقراطية التوافقية" التي تفترض أن إدارة المجتمعات التعددية تتطلب حواراً مسؤولاً بين النخب يوازن بين جبهتين: احترام "الاستحقاق الديمقراطي" لنتائج صناديق الاقتراع، وعدم إقصاء الشركاء الآخرين. 

لقد أطلق الرئيس بارزاني نداءاته مراراً لجمع الفرقاء حول طاولة مستديرة، منطلقاً من حكمة سياسية عميقة تؤكد أن حماية كيان إقليم كوردستان الدستوري ومصالح شعبه هي الغاية الأسمى التي يجب أن تذوب دونها كل المكاسب الحزبية المؤقتة والمناصب الزائلة.

وهنا لا يقف دورنا كنخبة سياسية مثقفة عند حدود المراقبة والتحليل، بل يضعنا هذا المنعطف الحرج أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية جسيمة تفرض علينا التحرك كجسر واصل وأداة ضغط إيجابية لدعم هذه المبادرة الوطنية. إن دورنا اليوم يكمن في تفكيك الخطاب المتشنج، وتحويل حكمة الرئيس بارزاني ومبادراته إلى وعي جمعي وثقافة سياسية عامة ترفض الانقسام. كمثقفين وسياسيين، تقع على عاتقنا مهمة قيادة الرأي العام نحو تبني التنازلات المتبادلة كدليل على النضج السياسي لا الانكسار، وتحفيز القواعد الحزبية والجماهيرية على الالتفاف حول طاولة الحوار. 

فالنخبة الواعية هي خط الدفاع الأول عن كيان الإقليم، وبأقلامنا ومواقفنا وطروحاتنا العقلانية، يجب أن نكون القوة الداعمة التي تحول خارطة الطريق هذه إلى واقع ملموس يحمي المكتسبات ويصون لقمة عيش المواطن.

ختاماً، أثبتت التجربة الإنسانية أنه لا يوجد فائز حقيقي في المعارك الداخلية، وأن "سياسة حافة الهاوية" تجعل المجتمع بأكمله يدفع الفاتورة بصمت. 

إن العودة إلى مسار الاستقرار وحماية مكتسبات الإقليم تتطلب اليوم اتفاقاً سياسياً سريعاً يغلّب منطق الدولة على منطق الحزب. وهنا تبرز حكمة الرئيس مسعود بارزاني ومبادراته كطوق نجاة حقيقي، وخارطة طريق عقلانية تمنع الأمور من الانزلاق نحو "نقطة اللاعودة". إن الخروج من هذا النفق بحاجة إلى الاستجابة الواعية لنداءات الحكمة هذه، لتقديم تنازلات متبادلة والمضي قدماً في تشكيل حكومة قوية وموحدة قادرة على حماية كوردستان وتلبية تطلعات مواطنيها في العيش الكريم والأمان المستدام.