كوردستان… عندما يصبح نجاح الإقليم قوة للعراق واستقراره

كوردستان… عندما يصبح نجاح الإقليم قوة للعراق واستقراره
كوردستان… عندما يصبح نجاح الإقليم قوة للعراق واستقراره

   تمثل العلاقة بين بغداد وأربيل أحد أهم مفاتيح الاستقرار في العراق، ليس بوصفها علاقة إدارية بين بغداد وإقليم فحسب، بل باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الدولة العراقية الحديثة، بما تحمله من أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية تمتد إلى عمق المشهد الوطني.

  ومنذ إقرار الدستور العراقي، تشكل إطار قانوني واضح لتنظيم هذه العلاقة على أساس الشراكة، وتوزيع الصلاحيات، والتعاون المؤسسي، بما يحفظ وحدة العراق ويصون حقوق جميع مكوناته. غير أن التحدي الحقيقي لم يكن في النصوص، بل في تحويلها إلى ممارسة مستقرة تُرسّخ الثقة وتمنع إعادة إنتاج الأزمات.

   ولا تزال عدة ملفات عالقة بين بغداد وأربيل تمثل اختباراً مستمراً لهذه الشراكة، وفي مقدمتها ملف المناطق المتنازع عليها، وآليات تطبيق المواد الدستورية ذات الصلة، إضافة إلى إدارة الثروة النفطية والغازية وتوزيع عوائدها بشكل عادل وشفاف. كما تبرز الملفات المالية كأحد أكثر العناوين حساسية، بما في ذلك المستحقات والالتزامات المتبادلة، إلى جانب تداعيات السياسات السابقة التي تركت آثاراً إنسانية واقتصادية على سكان كوردستان. إن معالجة هذه الملفات بروح الدستور، لا بروح الأزمة، هو المدخل الحقيقي لتعزيز الاستقرار وترسيخ الثقة بين الطرفين.

   وفي سياق قراءة أوسع، تبرز تجربة إقليم كوردستان كجزء فاعل من التجربة العراقية، بما تحمله من نجاحات وتحديات. فقد شهد الإقليم خلال مراحل مختلفة مستويات من النمو الاقتصادي والاستقرار الأمني انعكست على البنية التحتية وحركة الاستثمار والنشاط الاقتصادي، وأسهمت في ترسيخ موقعه ضمن الخارطة الاقتصادية للعراق.

   وفي المقابل، واجه الإقليم تحديات متراكمة تتعلق بالإدارة والموارد المالية والظروف الإقليمية، ما ألقى بظلاله على استدامة التنمية وتوازنها. ومع ذلك، فإن التجربة تؤكد وجود قابلية حقيقية للتطور، شرط استمرار الإصلاح، وتوسيع قاعدة الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على الموارد الريعية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.

   إن أثر الإقليم لا يتوقف عند حدوده الإدارية، بل يمتد إلى مجمل الواقع العراقي. فقد لعب دوراً محورياً خلال حرب العراق ضد تنظيم داعش، سواء من خلال استيعاب النازحين واللاجئين، أو عبر التنسيق الميداني بين قوات البيشمركة والقوات الأمنية العراقية في مواجهة التنظيم واستعادة الاستقرار في مناطق واسعة من البلاد.

   هذا الترابط يؤكد حقيقة سياسية أساسية: أن استقرار كوردستان جزء من استقرار العراق، وأن أي اختلال في أحد الطرفين ينعكس بالضرورة على الآخر. فالعلاقة بينهما ليست علاقة فصل، بل علاقة تأثير متبادل، تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، والاقتصاد بالأمن.

   وبناءً على ذلك، فإن مستقبل العراق يتوقف إلى حد كبير على قدرة بغداد وأربيل على إدارة خلافاتهما بروح الشراكة لا الصراع، وعلى تحويل التباينات إلى مساحة تفاهم، لا ساحة تعطيل. فالتجربة أثبتت أن نجاح الإقليم ليس مشروعاً منفصلاً عن الدولة، بل هو عنصر قوة للعراق كله، وأن استقرار كوردستان هو امتداد مباشر لاستقرار العراق ونهوضه.

  وفي ضوء ذلك، تبقى الشراكة الحقيقية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم الخيار الأكثر واقعية وفاعلية لبناء دولة مستقرة، قادرة على تجاوز أزماتها، والانطلاق نحو تنمية مستدامة تليق بتضحيات شعبها وتطلعاته.