كوردستان وطن التعايش والتسامح في زمن الانقسامات

كوردستان وطن التعايش والتسامح في زمن الانقسامات
كوردستان وطن التعايش والتسامح في زمن الانقسامات

يشير المؤرخ الأرمني "سڤرستيان Sevrestian" في كتابه "الكورد وكوردستان" إلى أن العديد من الشعوب والأقوام اندثرت أو انصهرت في شعوب أخرى عبر مسيرة التاريخ، ولم يبقَ منها سوى أسماء ترد في بعض المصادر والوقائع التاريخية، نتيجة عجزها عن مواجهة الغزوات المتعاقبة وموجات الاحتلال التي اجتاحت أوطانها وأفقدتها مقومات البقاء.

  أما الشعب الكوردي، فقد شكّل استثناءً لافتاً في هذه المعادلة التاريخية؛ إذ تمكن، رغم ما تعرض له من حروب ومآسٍ ومحاولات طمس للهوية، من الحفاظ على وجوده القومي والثقافي، وظل متمسكاً بأرضه التاريخية ولغته وتراثه وقيمه الأصيلة عبر القرون.

  وفي العصر الحديث، ومع التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، أُعيد رسم خريطة المنطقة وفق مصالح الدول المنتصرة، فقُسمت أراضٍ وشعوب كانت خاضعة للدولة العثمانية ضمن حدود سياسية جديدة لم تراعِ في كثير من الأحيان الخصوصيات القومية والتاريخية للشعوب. وكان الشعب الكوردي من أبرز المتضررين من تلك الترتيبات، إذ جرى تقسيم كوردستان بين عدة دول، وحُرم الكورد من حقهم في تقرير مصيرهم والعيش بحرية في وطنهم التاريخي.

   ورغم ما رافق ذلك من سياسات الإنكار والإقصاء والصراعات الممتدة لعقود، فإن الشعب الكوردي استطاع أن يحافظ على هويته الوطنية ووجوده التاريخي، وأن يثبت حضوره كشعب حي متمسك بحقوقه وقيمه وثقافته.

  وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ورغم أن الكورد كانوا من المكونات الأساسية التي أسهمت في قيامها واختاروا أن يكونوا جزءاً من العراق على أساس الشراكة والعيش المشترك، فإنهم لم ينالوا الحد الأدنى من حقوقهم القومية والدستورية. بل واجهوا على مدى عقود طويلة سياسات التهجير والتعريب والإقصاء، وتعرضوا لحملات قمع وإبادة جماعية استُخدمت فيها أساليب غير مسبوقة استهدفت الإنسان والأرض والهوية.

   ومع ذلك، لم تنجرّ الحركة التحررية الكوردية إلى تحويل الصراع إلى مواجهة بين الشعب الكوردي والشعوب الأخرى، وفي مقدمتها الشعب العربي، بل حافظت على التمييز بين الأنظمة السياسية الحاكمة وبين الشعوب التي تشاركها التاريخ والجغرافيا والمصير. لذلك ظل مبدأ الدفاع المشروع عن الحقوق، والسعي إلى العدالة والشراكة والتعايش السلمي، يمثل جوهر النضال الكوردي وتوجهات قادته عبر مختلف المراحل.

  وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح خلال سنوات ثورة أيلول الكبرى (1961–1975) بقيادة البارزاني الخالد   "المرحوم ملا مصطفى البارزاني"، فعلى الرغم من أن الثورة كانت تخوض مواجهة عسكرية مع النظام العراقي آنذاك، فإنها لم تسعَ إلى استغلال التحديات الخارجية التي كانت تواجه العراق لتحقيق مكاسب أو توسيع دائرة الصراع.

  فخلال الحروب العربية الإسرائيلية، كان "المرحوم الملا مصطفى بارزاني" يحرص على تجنيب البلاد مزيداً من الانقسامات، حيث أُوقفت العمليات العسكرية في بعض المراحل لإتاحة المجال أمام الجيش العراقي للمشاركة في الحرب ضد إسرائيل ومواجهة التهديدات الخارجية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الخلاف مع السلطة الحاكمة لا ينبغي أن يتحول إلى إضعاف للبلاد أمام الأخطار الخارجية.

   لقد عكست هذه المواقف فهماً سياسياً عميقاً لطبيعة الصراع، ورسخت مبدأ التمييز بين مواجهة السياسات التي تحرم الكورد من حقوقهم المشروعة وبين الإضرار بالمصالح الوطنية العليا. ولذلك بقيت الحركة التحررية الكوردية متمسكة بخيار التعايش والشراكة، رافضةً تحويل الصراع السياسي إلى صراع قومي بين الكورد والعرب، ومؤمنة بأن مستقبل المنطقة لا يُبنى إلا على أساس الاحترام المتبادل والاعتراف بحقوق جميع مكوناتها.

  ومن زاوية تاريخية أخرى، وبعد انتفاضة عام 1991، وقعت أعداد كبيرة من منتسبي القوات العسكرية والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق في قبضة قوات البيشمركة، ومن بينهم عناصر ووحدات ارتبط اسمها بحملات الأنفال وعمليات القصف الكيميائي والتهجير القسري وتدمير آلاف القرى الكوردستانية.

   ورغم حجم المآسي والجرائم التي تعرض لها الشعب الكوردي، لم تُقابل تلك الأحداث بروح الانتقام أو الثأر، بل سادت قيم التسامح والمسؤولية الوطنية. فقد انتهج الرئيس "مسعود بارزاني" سياسة قائمة على تجاوز جراح الماضي وفتح صفحة جديدة، وتجسدت هذه الرؤية في الشعار الذي أصبح نهجاً سياسياً وأخلاقياً: «عفا الله عما سلف»، حيث أُطلق سراح الآلاف من الجنود والأسرى وعادوا إلى مناطقهم سالمين من دون أن يتعرضوا لأي أذى أو انتقام.

وقد شكّل هذا الموقف رسالة إنسانية وسياسية عميقة أكدت أن القضية الكوردية لم تكن يوماً قضية انتقام من الآخرين، بل قضية حقوق وعدالة وكرامة، وأن قيم التعايش والتسامح كانت حاضرة حتى في أكثر اللحظات التي كان فيها الشعب الكوردي يمتلك مبررات الغضب والألم.

ومن هنا، لم تكن قضية الكورد قضية صراع مع شعب أو قومية، بل قضية شعب يناضل من أجل حقوقه المشروعة وكرامته وهويته، مع إيمانه الدائم بأن التعايش والشراكة الحقيقية هما الطريق الأكثر استدامة لبناء مستقبل آمن ومستقر لجميع شعوب المنطقة.

وفي زمن، تتعالى فيه أصوآت التعصب والكراهية، تبرز كوردستان بوصفها نموذجاً حياً للتعايش والتسامح والشراكة الإنسانية. فهذه الأرض التي عانت الحروب والاضطهاد اختارت أن تبني مستقبلها على قيم التسامح لا الانتقام، وعلى التعددية لا الإقصاء، وعلى الشراكة لا الهيمنة. ولذلك أصبحت تجربة كوردستان رسالة تؤكد أن قوة الأوطان لا تُقاس بقدرتها على فرض لون واحد أو هوية واحدة، بل بقدرتها على احتضان تنوعها وتحويله إلى مصدر قوة واستقرار وازدهار، وهو ما يجعلها اليوم وطناً للتعايش والتسامح في زمن الانقسامات.