صلاح بكر
كاتب
انعتاق السليب
منذ عام 2003 يعيش العراق في مخاض بنيويّ تجاوز حدود الأزمات السياسية العابرة ليدخل في طور (الاستلاب الوجودي) لمفهوم الدولة. إن المعضلة المالية والإدارية في المشهد العام ليست مجرد انحرافات سلوكية فردية أو ثغرات إجرائية يمكن اختزالها في أنماط الكسب غير المشروع بل هي نتاج "نهج محاصصاتي" أفرز واقعاً تحولت فيه الدولة (مفهوماً وممارسة)من كينونة جامعة راعية للمصلحة العامة إلى مساحات نفوذ متداخلة، تهيمن عليها عقليات الاستئثار الاقتصادي التي تغذي المقاربات الفئوية. هذا النسق يمثل في جوهره الفلسفي (أداة لتشييء الإنسان والوطن)حيث تُختزل المقدرات العامة إلى قنوات لتمويل الكيانات الموازية، وتُجرّد المؤسسات من معناها الأخلاقي والقانوني لتتحول إلى واجهات هيكلية تعاني من وطأة الاعتماد المطلق على الريع النفطي لصالح الولاءات الفرعية الضيقة.
وفي هذا المشهد تتلاشى الحدود الفاصلة بين الخلل البنيوي والمحاولات الإصلاحية الجزئية ، لتغدو الهياكل الإدارية غارقة في جدلية صامتة تعوق التنمية. حتى آليات (الحوكمة والاتمتة الرقمية) التي تُقدَّم في الأدبيات الحديثة كحل تكنولوجي متعالٍ تتحول في ظل هذا المناخ المعقد إلى أدوات محدودة الأثر لأن التقنية لا يمكنها ترميم نسق يفتقر في الأصل إلى "الإرادة الأخلاقية الكلية" المشتركة. إن التقنيات بلا سيادة قانونية ناجزة ومطلقة تتحول إلى مجرد إطار شكلي يغطي وجه البيروقراطية المعطلة ولا ينفذ إلى الجوهر الإداري الباطني.
ومن هنا ينبثق التساؤل الفلسفي حول الآليات الرقابية الوطنية: كيف يمكنها الفكاك من فخ "الاستيعاب البنيوي" والتوازنات السياسية المحيطة بها؟
إن الهياكل الرقابية تواجه أحياناً نوعاً من الاغتراب المؤسساتي حينما تتقيد حركتها بالصراعات والتجاذبات العامة، مما يُضعف فاعليتها الجوهرية ويجعلها عرضة للتسييس الذي يقوض الغاية الوجودية التي أُوجدت من أجلها.
إن الانعتاق من هذا المأزق التاريخي وتأسيس التنمية المستدامة ، التي تضمن زيادة دخل الفرد والعدالة الاجتماعية دون تمييز مناطقي، يتطلب ثورة في «الإبيستيمولوجيا السياسية» لإدارة الدولة ومواردها. لا يمكن معالجة هذه الأزمات بترقيع الهياكل المتداعية ، بل عبر تفكيك الممارسات الاحتكارية وتجفيف منابع النفوذ المالي غير الشرعي لإعادة "احتكار القرار والمال" بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية الحصرية. يتطلب العلاج صياغة رؤية وطنية جامعة ، تؤسس لنظام قضائي متعالٍ ومستقل تماماً عن أي ضغوط ، مدعوماً برؤية تنموية تُخرج الاقتصاد من أسر الريعية القاتلة إلى فضاء الإنتاج الإنساني والخدمي العادل لكل مواطن دون تمييز.
نرى إن معركة استرداد الاستقرار والتنمية ليست صراعاً إدارياً محضاً ، بل هي ملحمة استعادة الوعي المخطوف والروح السليبة لوطنٍ ضاعت ملامحه بين مطارق المصالح الضيقة وسندان التوازنات العابرة. إن الانعتاق الحقيقي لن يبدأ من شاشات الأتمتة الجافة، بل من يقظة وجدانية وقانونية كبرى تُعيد للمواطنة قداستها المهدورة وتنتشل الإنسان من قاع الاغتراب التنموي إلى قمة الكرامة الوجودية؛ فإما أن نكون دولةً تُجسّد فكرة الحق والعدالة المطلقة، أو نبقى شتاتاً تذروه رياح الأزمات في غياهب التراجع السياسي.